مختارات

منشد الروح الفلسطينية والحاكي عن الجوهرة

تظل القضية الفلسطينية هي نبع الألم العربي الذي لا تجف دماؤه لهذا يبقى لنص ثالوث المقاومة الفلسطيني: توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم، المدُجَّن والمُكَرَّس، جماهيرياً ونقدياً، منذ ستينيات القرن الفائت: ألقَهُ وتوهجه ومشروعيته وصموده، خاصةً وأن جزءاً معتبراً من إنتاجهم الفني والفكري – والرمزي بالأحرى – قد نجح في عبور اختبار الزمن وصمد واستمر، وذلك بتمثله لسؤال الشعر المتسع مقارنة بمحدودية غرض المقاومة وبث الروح في الجسد الفلسطيني، الذي يظل غرضاً (متاحاً) في النهاية، رغم براعة تطعيمهم الشعر بالألعاب البلاغية واللغوية واستدعائهم لأساطير منطقة الشرق الأوسط أو الميثولوجيا الغربية، وحوارهم الخلاق معها، والجرأة في النهل من الثقافة الإنسانية بمعناها المتجاوز. 

وقد تجدر الإشارة هنا للنص الفلسطيني الشاب الذي اعتمد نصوص الكبار كأساس وخلفية فنية فقط وابتعدَ بإصرار وقناعات جمالية راديكالية عن تقديسه وإعادة إنتاجه وتمثله ومن ثم كتابته مرة أخرى وإن بأزياء ما بعد حداثية، جاعلاً جل همه التجاوز والاختلاف التام بهدف تحقيق الإشباع الفني الذاتي والتحقق والإضافة، وكذلك لإثبات جريان النهر الشعري الفلسطيني وعافيته الدائمة وإنْ بأداءات وولاءات رؤيوية وبلاغية مغايرة تماماً للمنجز السابق، حيث تنتمي هذه الأجيال الأحدث، بشكل رئيس، لمشهد قصيدة النثر العربية، الموَّار والهادر.

نجح سميح القاسم (11 مايو 1939- 19 أغسطس 2014) فيما أظن وكما يرى الكثيرون، في الخروج من دائرة الرديف لمحمود درويش، وهو الأمر الذي ظل يردده العديد من النقاد والكثير من الجمهور، رغم اختلاف طرق مقاومتهما الشعرية وأداءاتهما الجمالية وحفرهما الفني، بل وطريقة التعاطي السياسي لكل منهما والعلاقات الإشكالية لسميح بالذات مع أسماء سياسية عديدة – ربما بسبب البدايات المتقاربة وربما نتيجةً للصداقة المبهرة بينهما والتي تتجاوز الحب بتعبير سميح والتي خلفت رسائل تبادلاها، تعد من فرائد النثر العربي أو حتى انطلاق النص الدرويشي لآفاق أبعد وأسمى خاصة في وجوهه وتجلياته الأخيرة – نجح سميح في دق وحفر واحديته وتميزه بسبب تطويره الدائم والمستمر لنصه وانشغاله عليه، بداية من ديوانه الأول: «مواكب الشمس» 1958 وانتهاء بديوانه الأخير «بغض النظر» 2012 والذي يحمل الرقم 73 في أعماله المتنوعة – ورفده وتهجينه لقصيدته بأنماط إبداعية وتجريبية خلاقة، وليست متعالية وبعيدة، وفقاً لعقيدته الفنية، تترى طول الوقت حتى تصل للقدرة الدائمة على تجديد شباب وطموحات النص بما يؤكد أصالة تجربته وعمقها.

ينطلق نص سميح القاسم من مظلة قومية ولكنَّ ظلالها تتسع لتشمل هويته الفلسطينية وانتماءه الماركسي الأممي وعروبيته بل ودرزيته كذلك. يحترم الحضارة العربية لكنه لا يقع في فخ التقديس أو التعالي بل يحاول أن يضعها في سياقها الإنساني ولا يرى ثمة فارقاً فنياً بين تمثله للقرآن أو الكتاب المقدس أو حتى كتابٍ غربي مؤسس في الفلسفة أو في النضال: «يهوشَعٌ ماتَ/ فلا تستوقفوا الشمس، ولا تستمهلوا الغروب/ سور أريحا شامخٌ في وجهكم إلى الأبد/ يا ويلكم! يا ويلكم!».

إنْ استدعى النص ماضياً براقاً يكون حريصاً على ألا يخدعه بريق الواقع الذي كان، مقارنة بالهوان الحالي، ومن ثم يسحبه إلى البكاء البارد العاجز على الأطلال: «أنا قبل قرونْ/ لم أتعوّد أن أكره/ لكنّي مُكره/ أن أُشرِعَ رمحاً لا يَعيَى/ في وجه التّنين/ أن أشهر سيفاً من نار/ أشهره في وجه البعل المأفون / أن أصبح إيليّا في القرن العشرين». وإنْ حَاكَمَ العجز العربي، لا يفقد الأمل في الشمس التي تخرج من تحت الرماد: «نازلاً كنتُ: على سلم أحزان الهزيمة/ نازلاً .. يمتصني موت بطيء/صارخاً في وجه أحزاني القديمة: أحرقيني! أحرقيني .. لأضيء».

كذلك لا يضع الحضارة العربية على طرف النقيض أو في مواجهة الحضارة الغربية بل يعتبر أن كل منجزات البشر تتكامل وتتعاضد رغم الاختلافات المصنوعة من المستغلين في كل زمان ومكان: «قل لي.. حدّثني عنكم في أميركا الحرّة / عن مدرسة البيِض، كنيستهِم، فندقهم، وعبارات كتبتْ بالفوسفور وجابت كل الحارات: (ممنوع إدخال كلاب ويهودٍ وزنوج) !/ _ أو.. وه.. اتركني باسم الشيطان/ هل حولَكَ لي أُنثى؟ فقُبَيْلَ الفجر سنُسيِّبُ هذا الميناء.. / ونمضي عبر الأخطار!».

يمتلأ نصه كذلك بوضوح بتأثير الثقافة الإنسانية ورموزها وأيقوناتها وموتيفاتها لكن الأداء الشعري لا ينفلت ويتداعى ليصل لدرجة التثاقف والجفاف والتقعير. يقول: «كوَمٌ من السمك المقدّد في الأزقة، في الزوايا / تلهو بما ترك التتار الإنكليز من البقايا / أُنبوبةٌ.. وحطام طائرةٍ.. وناقلةٌ هشيمه/ ومدافع محروقة.. وثياب جنديٍّ قديمه / وقنابل مشلولة.. وقنابل صارت شظايا».

تحتل المرأة جانباً مضيئاً ومفصلياً في تجربة سميح القاسم سواء كانت المرأة بحقيقتها أو باعتبارها قناعاً لحبيبته الأبدية فلسطين: «ارفعي عينيك / من عشرين عام/ وأنا أرسم عينيك، على جدران سجني/ وإذا حال الظلام/ بين عيني وعينيك / على جدران سجني/ يتراءى وجهك المعبود/ في وهمي / فأبكي .. وأغني».

إنه منشد لا جدال في ذلك وصاحب نص متوهج يملأ المكان من حولك والروح كذلك لكنه أبداً ليس خطابياً زاعقاً يستتر وراء الحماسة وحروفها ليخفى عجزاً عن نحت صورةٍ أو سبك جملةٍ تبقى، خاصة في أعماله المتأخرة التي تجنح للتأمل والتساؤل والحزن الفعَّال المحرض على إعادة الرؤية والنظر والحلم الدائم بالقبض على أنوار الشوف والبصيرة .

وقد يعترف نصه بالمباشرة والوضوح لكن هذا النص يحرص بشكل لا واعي على أن يفرق بين المباشرة الفقيرة الرتيبة الخالية من الإدهاش ولمعة الفن، وبين المباشرة الفنية المناسبة لسياق لا يفصل بين الأداء السياسي وبين الشعر، الشاعر هنا هو ابن رؤية ظل يدافع عنها ويعتنقها طول حياته، ترى أن الشاعر البعيد عن معترك الحياة والأداء السياسي تحديداً ينقص نصه الروح والسخونة والتوهج والألق وأن الأداء الشعري المنبني على إقامة عوالم كاملة داخل مخيلة الشاعر هو محض هروبٍ من الواقع ومن اللحم والدم إلى التجريد والذهنية والتلفيق الفن.

غادر سميح القاسم دنيانا في نفس الشهر الذي سبقه صاحبه درويش في اختياره كميناء زمني للرحيل: أغسطس القاسي، وبعدما رثاه بمرثيته الطويلة التي رغم توهج أجزائها إلا أنه لا ينسى أن يطعمها بمقاطع يعتمد فيها السرد متكأً وكأنه يحكي وجعه/ وجعنا، بالفقد والغياب القابع تحت سماواتنا على الدوام: «تعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ/السِّنينْ/وعِبءِ الحنينْ/ وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً/دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ./ أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟».

وبعدما تغنينا بكلماته/ الأيقونة، في سنوات الجامعة مع كل شباب الوطن العربي: «منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي.. في كفى قصفة زيتون.. وعلى كتفى نعشي، وأنا أمشي وأنا أمشي». والذي كتب قبل أن ينتقل للأبدية آخر كلماته وربما أصدقها: «أنا لا أحبك يا موت / لكنني لا أخافك! وأدرك أن سريرك جسمي/ وروحي لحافك / وأدرك أني تضيق عليَّ ضفافك../ أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق