رؤى

بين «الطيب» و«الخُشت» و«زكي نجيب محمود».. حلول قديمة لخلاف متجدد

على الرغم من أنّ الجدل الذي احتدم، مؤخَّرًا، بين فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وبين رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخُشت حول معنى التجديد وماهيته وقيمة التراث الإسلامي كان ذا منحى سياسي واضح، يحمل من المبارزة أكثر مما يحمل من التأصيل العلمي، إلاَ أنه كان بمثابة حجرٍ كبير أُلقي به في بركة ماءٍ آسِنٍ، فأحدَث دويًّا عظيمًا، لفت الانتباه إلى طائفة من الأمور المهمَّة، التي تغافل عنها كثيرون ممّن فاتهم أنّ أولَى خطوات التجديد ليس «قتل القديم فهمًا»، كما كان يقول الأستاذ أمين الخولي (1895- 1966)، بل إحداث صدمة تقلب مرجعيات الأفكار، وتزلزل المعارفَ السالفة، وتُفكّكها، قبل أن تعيد بناءها وترتيبها من جديد، وأن يكون ذلك عن طريق البرهان العقلي، لا عن طريق الجدل أو الخطابة، كما ظهر جليًّا على لسان المتحاورَين.

فحضرة مولانا الإمام أحمد الطيب، نحى، رغم تخصصه في الفلسفة، منحًى جدليا وخطابيا بامتياز، في تعقيباته على كلمة الدكتور عثمان الخُشت، الذي افتقد بدوره – رغم تخصصه في الفلسفة هو الآخر – الدقة المفاهيمية وتحديد الألفاظ والمصطلحات والتأصيل العلمي والبرهان، خاصة عندما عمّم وجزم بأن الأشاعرة يعتمدون أحاديث الآحاد (والمقصود هو الحديث غير المتواتر الذي رواه اثنان أو ثلاثة فصاعدًا، دون العشرة، ولم يبلغ حدّ التواتُر) في تقرير المسائل العقائدية. ولو كان لتلك المسألة تأصيلٌ علمي برهاني لدى المتحاورَين، لذكّرا بأن طائفة من الأشاعرة، على رأسهم أبو المعالي الجويني (ت 478 هـ) وأبو إسحاق الإسفراييني (ت 418 هـ) والعضد الإيجي (ت 756هـ)، يروْن أن أخبار الآحاد نأخذ منها أمور الاعتقاد وتوجِب العلم بشرط ثبوت قرائن الصدق.

جدل شعبوي

من هنا جاء الجدل بين الخُشت والطيب شعبويا، تغلب عليه الانفعالات أكثر مما يغلب عليه المنطق والبرهان، الأمر الذي يؤكد إلى أي مدَى بلغت الفلسفة في مصرَ، خصوصا، وفي العالم العربي، عموما، حالة من الضعف التأسيسي، سواء في الجامعات العامة المدنية أو في جامعة الأزهر، التي تزاوِجُ بين العلوم المدنية والعلوم الدينية.

 في معرض تقسيمه الأقاويل، ذهب الفيلسوف أبو الوليد ابن رشد (1126- 1198) إلى أنها ثلاثة أنواع: الخطابة والجدل والبرهان، فغاية الخطابة الإقناع، وغاية الجدل دحض الخصم، وغاية البرهان الحقيقة، ومما يؤسَف عليه أن يلجأ أستاذان  وعالمان كبيران، كلاهما يترأسان أكبر جامعتين في مصر والعالم العربي، في أثناء سجالهما ،إلى الخطابة والجدل، لا إلى البرهان، ومما يدل على ذلك كثرة التصفيق وشدّته في أعقاب كل جملة كان يردُّ بها مولانا الإمام على ضيفه الدكتور الخُشت، حتى إنّ أحد أساتذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر كتب على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، قائلا: «قاصر من يظن أنها مناظرة بين الإمام الأكبر ورئيس جامعة القاهرة، إنها مناظرة بين الإسلام وخصومه من الحداثيين والتاريخانيين والمجسِّمة»!

      تمثّلت وجهة نظر الدكتور الخُشت في ضرورة تجديد التراث الديني بما يتناسب مع مقتضيات العصر الحديث، وهذا لا يتضمن «ترميم بناء قديم»، بل «لابد من تأسيس خطاب دينى جديد، وليس التجديد التقليدى، وأن الأجدى إقامة بناء جديد بمفاهيم ولغة ومفردات جديدة»؛ وذلك لتحقيق ما سمّاه بـ «عصر ديني جديد»، إلا أنّ حضرة مولانا الإمام الطيب بدلا من أن يناقش هذا الرأى الذي سبق أن قال به العديد من مفكري النهضة – ولو بالإختلاف معه – عقّب معترضا عليه مباشرة، مشدِّدًا على أهمية التراث الذي «خلق أمّة كاملة»، ومؤكدا أنّ «التجديد مقولة تراثية وليست حداثية، والحداثيون حين يصدِّعوننا بهذا الكلام فهم يزايدون على التراث” مضيفا «الفتنة الحالية سياسية وليست تراثية»، ولنا أن نتساءل: إذا كانت الفتنة الحالية سياسية وليست تراثية، كما قال حضرة مولانا، فهل هذا أدعَى إلى الجزم بأن الفتن التي اشتجرت بين الصحابة فسالت بسببها الدماءُ أنهارًا، إنما كان محرّكها الأول السياسة لا الدين، والمصالح الدنيوية الزائلة وليس وجه الله؟

الدين إلهى والتراث بشري

لقد بات هاجس التراث يلحّ علينا إلحاحًا يكبّل حاضرنا ويقف عائقا أمام مستقبلنا المنشود، حتى أصبحت أية محاولة لمساءلة التاريخ والتراث، تُنعَت بالعدوان على أمجاد الأمة وماضيها المشرِق (عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الأنسانية، ص 173)، ولم يتوقف الأمر عند حدود ذلك، بل إننا نخلط بين التراث والدين كأنهما شيء واحد، دون أن ندرك أن ذلك التراث إنما هو نتاج الفهم البشري طوال حقب التاريخ، وظروفه السياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية، بل والجغرافية كذلك، ما يعني أن ثمة فرقا بين الإسلام كدين وبين التراث كإنجاز بشري ومعطى حضاري. فالتراث اصطلاحا هو إنجاز حضاري وإنتاج علمي بشري، ووعاء للتفاعلات والتأثيرات الحضارية التي تجاذَبت الأسلاف خلال تعاملهم مع مكونات هذا الدين وعلومه وثقافاته، وفيه تظهر التفاعلات الحضارية بين الدين وبين حضارات الأمم الأخرى والثقافات المختلفة التي احتكّ بها المسلمون، ما يعني أن هذا التراث هو مجموع التاريخ المادي والمعنوي للأمة منذ أقدم العصور وحتى اليوم.

لا ينفي هذا الاتجاه التراث نفيا تاما،ولا يحكم بقطيعة معرفية مع مفرداته وأصوله، وإلا لما كان الحرص حتى اليوم على إعادة قراءة كثير من إنجازات ومعارف وفنون هذا التراث، وتفكيك ما يلزم منها وإعادة بنائها وترتيبها، لأن حتمية المنطق والتاريخ والتطور يقتضي تجاوز النمط السكوني أو الاستاتيكي لهذا التراث، إلى النمط الديناميكي الحيوي المتجدد، والانخراط في الواقع المعيش المتغير، والتفاعل مع معطيات الحياة ومعارفها. فكما أن التراث ليس هو المقدّس، فليس هو إذن المطلق الذي يعلو على الزمان والمكان، على حد تعبير المفكر محمد أركون (1928- 2010)، وإنما هو نتاج بشري محكوم بالزمن والأحداث المختلفة والسياسة والصراعات البشرية والمذهبية، وغير ذلك من الأنماط الإنسانية والبيئية والزمنية، ما يعني أنه بحاجة ماسة إلى النقد والتفكيك والتحرير.

توازن الأصالة والمعاصرة

إننا لا نطالب الأزهر بهجر التراث، ولا بالقطيعة المعرفية معه، لكن ننادي بمثل ما نادى به الدكتور زكي نجيب محمود (1905- 1993) الذي كان يرى أنّ ترك التراث كلّه انتحار حضاري، «لأنّ التراث به لغتنا وآدابنا وقيمنا وجهود علمائنا وأدبائنا وفلاسفتنا»، ولكن ما السبيل عنده إلى التوفيق بين التراث والحداثة؟.. السبيل إلى ذلك يكون بأنْ «نأخذ من تراث الأقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقاً عملياً، فيُضاف إلى الطرائق الجديدة المستحدَثَة، فإذا كان عند أسلافنا طريقة تفيدنا في معاشنا الراهن أخذناها، وكان ذلك هو الجانب الذي نحييه من التراث، وأما ما لا ينفع نفعاً عمليا تطبيقيا؛ فهو الذي نتركه غير آسفين، وكذلك نقف الوقفة نفسها بالنسبة إلى ثقافة معاصرينا من أبناء أوروبا وأمريكا». كما نادي زكي نجيب محمود بإعمال العقل في التراث مؤسِّساً لثورة علمية نحو تجديد الفكر العربي، حتى أننا لا نستطيع إلا أن نقول: إنّ  هذاالفيلسوف الراحل يعد، وحده، أهم من سعى إلى إحداث تلك الثورة الفكرية، دون تنظير أو استعلاء أو تلفيق؛ بل من خلال تطبيقات عملية في أكثر من كتاب، بهدف إنشاء أُطر علمية تنتج فكرا عربيا متوازنا، يمتاز بالأصالة والمعاصرة في آن. إذ إنّ نهضتنا الثقافية تروم «قناتين تنتهيان إلى ثالثة تغذيانها بما تحملانه من رحيق، والقناتان هما إحياء الماضي الذي يستحق الإحياء، ونقل من ثقافة الغرب ما يستحق أن يُنقَل، فيكون الأمل المرجو بعد ذلك هو أن يتلاقى الاثنان»، كما يقول زكي نجيب في كتابه «حصاد السنين».

خلاصة القول، إن زكي نجيب محمود رأى ضرورة خلق تركيبة عضوية تجمع بين التراث والحضارة الغربية، أو مسألة الأصالة والمعاصرة، وهي صيغة تجمع بين العقل والوجدان، ما يعني ضرورة المحافظة على التراث العقلاني العربي وفي الوقت نفسه الأخذ بالتقدم والتكنولوجيا والعلم، واستبعاد كل ما وراء ذلك، مما يؤثر على العقلية العربية. وهو بهذا لا يستبعد التراث أو ينفيه من حياتنا،  لكنه يدعو إلى إقامة حداثة مستقلّة ترفض فكرة تقديس القدماء لمجرّد أسبقيتهم في الزمن، وإعطائهم سلطة على حياتنا المعيشة، ومستقبلنا الذي يختلف تماما عن ماضيهم التليد.

 ويبرهن زكي نجيب محمود على رؤيته تلك في المزج بين العقلي والوجداني في كتابه قصة عقل (ص 177)، فيقول: «إذا ما حلَّلنا عيونَ التراث العربي في شتَّى ميادينه، وجدناه نسيجا متآلفا بين فكر عقلي منطقي ووجدان صوفي وشعري»، فالتراث كمّ هائل من المعارف والعلوم، وأشتات متفرقات من الأفكار، لا يُعقل استبعاده وإزاحته، ولكن لا يعقل كذلك أن نكون أسرى له، نجترُّ معارفه ونسقِطها على واقعنا، ونستعين به لحل مشكلاتنا،ونستعير آراء القدماء في قضايانا ومستجداتنا، دون أن ندرك أننا بذلك نقف ضد فكرة التطوير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق