فن

قال «وجهة نظره» في الحياة ثم رحل.. لينين الرملي.. الساخر الحزين

رحل لينين الرملي الذي لم يكن مجرد مؤلف أو سيناريست، وإنما كان مفكرا حقيقيا أدلى بدلوه في كثير من قضايانا الراهنة، بشجاعة وبصدق، فهنيئا للينين ما تركه من فن حقيقي سيبقى طويلا مع الناس

البداية

لمع «لينين فتحي عبد الله فكري الرملي» فى بدايه الثمانينيات من القرن العشرين ولم يكن حال المسرح المصرى بخير خلال العقود الثلاث الأخيرة من هذا القرن حين سيطر المسرح الخاص والذى عرف «بالكباريه» حين طغت عليه حالة من الإسفاف والإبتذال فى حين تراجع مسرح الدولة  ولم يعد يقدم أعمالا ذات تأثير وحضور إلا فيما ندر

فى هذا المناخ ظهر «لينين الرملى» ليحقق معادلة صعبة ويعيد للمسرح الجاد وجوده على خشبات القطاع الخاص وهو أمر شديد الصعوبة

فى 18 أغسطس 1945 ولد الطفل «لينين» من أب مناضل سياسى وأحد رواد الصحافة اليسارية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقد عانى المطاردات والإعتقال بسب إنتمائه السياسى، ومن أم هى «سعاد زهير» كانت واحدة من رموز الحركة الشيوعية المصرية ومن هنا جاء إختيارهما لأسم الطفل «لينين» وكان شقيقه يحمل إسم «ستالين»

فى هذه الأجواء العائلية شديدة الشغف بالقراءة والمعرفة والإهتمام بقضايا الفقراء نشأ «لينين» فى مدينة القاهرة وحصل على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية، قسم النقد وأدب المسرح عام 1970

وبدأ حياته بكتابة مقال ساخر فى صحيفة «العمال» تحت عنوان «أدب وقلة أدب» كما كانت له تجارب في كتابة القصة القصيرة كانت تنبىء بقدراته على صنع الدراما وموهبته شديدة الغنى فى الحكى والتقاط اللحظات الهامة والغوص فى التفاصيل الإنسانية والإجتماعية

تميز مسرح «لينين الرملى» بالكوميديا التى تغوص فى أوجاعنا وتخطف ضحكاتنا وعيوننا تلمع حزنا على حالنا الذى تجسده أعماله.. كوميديا مرة إن جاز التعبير كما أنها سخرية لاذعة تمس الوجع وتعرى الضعف وتفضح القبح بداخلنا وحولنا.

«لينين» ومعاناة الإسم

لم يرغب «لينين» فى تغيير إسمه يوما ما على الرغم من عدم ارتباطه بالحركة الشيوعية وكان دائما يمزح فى جلساته الخاصه «والدى كان يحب لينين.. طيب أنا مالى ؟» لكنه بالرغم من ذلك أكد فى لقاءات صحفية وحوارات تليفزيوينة أنه لم يفكر مطلقا فى تغيير الإسم وأن مجرد التفكير فى ذلك كان سيعد ضعفا أمام المعاناة التى واجهته بسبب اسمه

وقال «الرملى» «حدث بعد ولادتى بسبب اسمى، حيث سافرت أمى إلى الخارج ولم يكن هناك وقتها أي وسائل للاتصال سوى التلغراف، فأرسلت أمى تلغرافا لأبى يحمل ثلاث كلمات «كيف حال لينين» وكانت النتيجة القبض على والدى واستجوابه بشأن الرسالة التي اعتبرها البوليس رسالة مشفرة والمقصود منها أمر ما متعلق بالحركة الشيوعية التي كانت مطاردة آنذاك في مصر، وأقسم والدى في التحقيق أن لينين هو اسم طفله الرضيع، إلا أن البوليس لم يقتنع إلا بعد أن أخرج لهم والدى شهادة ميلادى، وهذا كان أول موقف غريب يحدث بسبب اسمى»

وأضاف أن « صلاح جاهين» وافق على نشر قصصي شريطة تغيير اسمى ولكنى رفضت وبعد موقف صلاح جاهين بسنوات شاء القدر أن أذهب للفنان فؤاد المهندس بنص مسرحية لى، فانبهر بها الرجل، وأخذ يمثل أمامى عددا من مشاهدها وفى ظل الاندماج سألنى: لا مؤاخذة ممكن تفكرنى باسمك تانى ما خدتش بالى، فقلت له: لينين الرملى، فرد بعد لحظات من الصمت والاندهاش قائلا: هل هذا يعنى أنك ترغب في كتابة هذا الاسم على أفيش مسرح الزمالك؟، فأجبته: نعم بكل تأكيد. فقام فؤاد المهندس من مكانه متظاهرا أنة ينادى على شخص ما ففهمت الأمر وخرجت على الفور من الباب الثانى. ويشاء القدر فيما بعد أن أصبح مؤلفا شهيرا فيطلب منى فؤاد المهندس إحدى مسرحياتى فأقدم له مسرحية «سك على بناتك»، التي نالت شهرة واسعة ونزل عليها اسمى الذي كان يرفضه فؤاد المهندس من قبل

كان لينين الرملى كاتبا مسرحيا عشق المسرح وظل مخلصا له حتى آخر لحظات حياته لكنه قدم أيضا أعمالا مميزة فى السينما والتليفزيون وحققت تلك الأعمال نجاحا كبيرا إلا أن مشروعه الأهم كان على خشبات المسرح والبداية كانت عام 1974 مع أول مسرحياته «انهم يقتلون الحمير» واستمرت تعرض طويلا بنجاح, وعرضتها فرقة المسرح الشعبي بالكويت باسم «أربعه ضد واحد» عام1975 ثم لحقت بها مسرحية «انتهى الدرس يا غبي» من إخراج «السيد راضى» بعد شهور فحققت نجاحا اكبر وقدم مع النجم فؤاد المهندس مسرحية «سك على بناتك» عام 1980، وقد عرضت له حتى الآن 39 مسرحية منها ست مسرحيات قصيرة

 

ستوديو 80 

في عام 80 أسس لينين فرقة «أستوديو 80» مع محمد صبحي ونجح هذا الثنائى الفنى في تقديم عدد من العروض المسرحية التى حققت نجاحا كبيرا وأعادت المسرح لقيمته في مرحلة شهدت تدهورا كبيرا وسيطر الإسفاف بشكل كبير على مسرح القطاع الخاص

وقد م «ستوديو 80» ست مسرحيات حققت نجاحا كبيرا وهى مسرحيات «المهزوز- أنت حر- الهمجي – تخاريف – وجهة نظر- بالعربي الفصيح» والأخيرة قدمت من خلال شباب من الهواة لم يسبق لهم التمثيل ورغم ذلك أثارت جدلا كبيرا لما تميزت به من جرأة ونقد للواقع العربي بوضوح يكشف عن تناقضاته وسلبياته إزاء قضايا الأمة العربية ورفض مهرجان قرطاج المسرحي بتونس استقبالها. ويرفض التليفزيون المصري إذاعتها حتى الآن.

وللأسف نَشبت خلافات حادة بين كل من  «لينين الرملى» و «محمد صبحى» أدت لحل الفرقة وبلغت حد التراشق الإعلامى فيما بينهما

 

وفى عام 1993 أسس الرملي  بمفرده فرقة «أستديو2000» وقدم من خلالها مسرحيات « الحادثة – وجع الدماغ – جنون البشر- أسرار الكاميرا الخفية – اعقل يا دكتور- آدم وحوا» كما قدم خمس مسرحيات تجريبية قصيرة وهى مسرحيات «الكابوس» ومثلت مصر في مهرجان قرطاج بتونس عام 1993 و«العار» و«مجد وغلب» عام 1994 و«الشيء» ‏و«كلنا عايزين صوره»عام 2000

وأسند بطولة كل تلك العروض لوجوه شابه اضافة إلى شباب من الهواة اختارهم ودربهم بنفسه

وفي 1998 أعاد إنتاج مسرحية «بالعربي الفصيح» بمجموعة جديدة من الهواة من الإسكندرية وأعاد إخراجها بنفسه وعرضها وسط مسرحيات الصيف بالإسكندرية ثم في المسرح القومي حيث سجلت تليفزيونيا

في مسرح الدولة

بدأ لينين  تقديم أعماله بمسرح الدولة عام 1989 بمسرحية  «أهلا يا بكوات» والتى حققت نجاحا كبيرا وأعادت الجمهور إلى مسرح الدولة من جديد وحققت أعلى ايرادات فى تاريخ مسرح الدولة منذ تاسيسه ثم «وداعا يا بكوات» و «تحب تشوف مأساة؟» عام  2002

وعرضت له فرقة المسرح الكوميدي ثلاث مسرحيات هى «عفريت لكل مواطن» عام 1988 و«اللهم اجعله خير» عام 1997 «صعلوك يربح المليون» عام2003

وفى 2018 قدم له المسرح القومى مسرحية «إضحك لما تموت» بطولة محمود الجندى وفاروق الفيشاوى كما قدم له مسرحيات «ذكي في الوزارة» و«في بيتنا شبح» و «اخلعوا الأقنعة»

 

مشوار السينما والدراما

كان للينين الرملى تجارب مبكرة مع الدراما التلفزيوينة منذ عام 1967 فكتب عدة تمثيليات ومسلسلات نالت نجاحا كبيرا. منها «فرصة العمر- حكاية ميزو – شرارة – مبروك جالك ولد -هند والدكتور نعمان – دعوه للزواج»

وبدأت علاقته بالسينما منذ عام 1972 حين  كتب أول أعماله السينمائية مع المخرج الكبير «صلاح أبو سيف» وهو فيلم «النعامة والطاووس» والذى ظلت الرقابة ترفضه لمدة25 عاما إلى أن قدمه المخرج “محمد أبو سيف عام 2002

 

وقدم الرملى للسينما 12 فيلما سينمائيا منها «السيد كاف» و«البداية» مع صلاح أبو سيف والذى يمثل أهم اسهامات الرملى للسينما ودرة ما كتبه لها وحصل على الجائزة الأولى في مهرجان فيفاى للأفلام الكوميدية عام 1987

كما خاض الرملى معارك الوطن دوما فقد كان أول من كتب لمواجهة موجة الارهاب فى حقبة التسعينيات وقدم مع المخرج نادر جلال والنجم عادل إمام فيلم «الإرهابي»عام 1994    

 

مشوار طويل وحافل لكاتب مصرى قدم عشرات الأعمال وساهم فى إعادة قيمة المسرح كرسالة نبيلة تبحث فى تفاصيلنا وتغوص فى أوجاعنا ونحن نضحك من «شدة البلوة» كما تقول الأغنية الشهيرة ، ورغم ما قدمه «لينين الرملى» للفن إلا أنه لم يكن راضيا فى سنواته الأخيرة وكان الشعور بالمرارة والحزن واضحا في لقاءاته وحيث كان يخوض معركة المرض الشرس

لم يخدعنا «لينين الرملى» ويلهو بعقولنا يوما بل كان صادقا دوما معنا ومع نفسه فكشف القبح بالكوميديا وعرى عيوبنا بسخرية ومسح آلامنا برفق

وداعا ايها الساخر الحزين

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: