رؤى

موجة علمانية جديدة في الأفق الإسلامي

*مصطفى أكيول 

*عرض وترجمة: أحمد بركات

على مدى عقود، ناقش علماء الاجتماع الذين يدرسون الإسلام ما إذا كان هذا الدين، الذي يعد ثاني أكثر الديانات أتباعا في العالم، سيجتاز مخاض التحولات الكبرى صوب العلمانية، التي اجتازتها من قبل المسيحية، الدين الأول عالميا من حيث عدد أتباعه.

وفي هذا السياق، يطرح العلماء سؤالا بالع الأهمية: هل سيفقد الإسلام أيضا هيمنته على الحياة العامة ليصبح مجرد صوت بين أصوات متعددة، وليس الصوت المهيمن في المجتمعات الإسلامية؟

جاءت الإجابة التي أدلى بها العديد من الغربيين بالسلب، اعتقادا منهم بأن الإسلام دين جامد وصارم إلى درجة لا تسمح بعلمنته. كما أجاب مسلمون كثر أيضا بالسلب، متباهين بأن دينهم الحق لن يتردى إلى هاوية الإلحاد الغربي. ثم أدى صعود الإسلاموية في سبعينات القرن الماضي برؤيتها الدينية المغرقة في السياسة إلى تأكيد هذه الرؤية، وخلصت إلى أن “الإسلام مقاوم للعلمنة”، كما أورد شادي حميد، في كتابه Islamic Exceptionalism: How the Struggle over Islam Is Reshaping the world (الاستثنائية الإسلامية: كيف يعيد الصراع حول الإسلام تشكيل العالم) (2016) 

 

الإسلام والعلمانية

رغم ذلك، لا شيء في التاريخ البشري يستعصي على التغيير. وتتشكل الآن في الأفق ملامح موجة علمانية جديدة تنساب في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. بعض ملامح هذه الموجة التقطها «الباروميتر العربي»، وهو شبكة بحثية تتخذ من برينستون وجامعة ميتشيغان في الولايات المتحدة مقرا لها. إذ تظهر الدراسات المسحية التي أجرتها الشبكة تحولا عاما عن الإسلاموية، بل وربما عن الإسلام نفسه. وقد كشفت استطلاعات الرأي في هذه الدراسات أن ست دول عربية كبرى قد شهدت – على مدى السنوات الخمس الأخيرة – تراجعا لافتا في «الثقة في الأحزاب الإسلاموية»، و«الثقة في الزعماء الدينيين»، فضلا عن التردد على المساجد.  

من المسًلم به أن هذا التوجه ليس طاغيا. فالعرب الذين وصفوأ أنفسهم بأنهم «غير متدينين» لم تتجاوز نسبتهم 8% من هؤلاء الذين تم استطلاع رأيهم في عام 2013، ثم ارتفعت في عام 2018 لتصل إلى 13% فقط، وهو ما دفع ببعض الخبراء في المنطقة، مثل هشام هيلير، الباحث المصري البريطاني، إلى النصح بتوخي الحذر عند الحديث عن تراجع الظاهرة الإسلاموية.

لكن آخرين، مثل المفكر اللبناني «كارل شارو»، يعتقدون أن شيئا ما يتشكل في الأفق. «إنه حقيقي إلى حد ما، ويمكنك أن تستشعره في أماكن كثيرة، بما فيها منطقة الخليج»، كما وصف شارو الموجة العلمانية. ويضيف: «إنها مجرد خطوة أولى على طريق سيستغرق مسيره وقتا طويلا». 

تُرى.. ما السبب في ذلك؟ «إنه بالأساس السياسات الإسلاموية وبعض التجليات الاجتماعية والسياسية للصحوة الإسلامية»، كما يجيب شارو. تشمل هذه التجليات «خيبة الأمل في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والصدمة في داعش، والمعاناة من الأحزاب الطائفية في العراق ولبنان، والغضب من النظام الإسلاموي في السودان».

وإذا استدبرت العالم العربي، ووليت وجهك شطر القوتين العظميين المجاورتين، إيران وتركيا، سترى التوجه نفسه، لكن على نطاق أوسع.

ففي إيران، تتقلد الجمهورية الإسلامية سدة الحكم منذ 40 عاما، لكنها أخفقت في أوج قوتها في إعادة أسلمة المجتمع. «ما حدث هو العكس تماما»، كما يشير نادر الهاشمي، الباحث في شئون الشرق الأوسط، حيث «يتطلع معظم الإيرانيين اليوم إلى العيش في جمهورية ديمقراطية ليبرالية علمانية، وليس في دولة دينية يحكمها رجال دين». في الواقع، لقد ضاق كثير من الإيرانيين ذرعا برجالات الحكم الديني، وأعربوا بشجاعة عن ذلك في الشوارع.

وتشهد تركيا – البلد الذي أنتمي إليه – تجربة مشابهة، وإن كانت أقل زخما، على مدى العقدين الماضيين. ففي ظل حكم الرئيس، رجب طيب أردوغان، أصبح الإسلاميون المهمشون في السابق يشكلون النخبة الحاكمة الجديدة، وهو ما سمح لهم أن يجعلوا عقيدتهم أكثر ظهورا وقوة فيما يشبه ’ورقة التوت‘ التي يخفون وراءها رغبتهم الجامحة في تقلد السلطة. لذلك، كما يلفت عالم الاجتماع التركي موكاهيت بيليتشي، «ترتبط الإسلاموية اليوم في العقل الجمعي التركي بالفساد والظلم»، حتى أنها صارت غير مقبولة أكثر من أي وقت مضى.  

آفاق هذه الموجة

الأحباط من الأحزاب الإسلامية

غالبا ما تُوجه هذه الحالة من الإحباط ضد الإسلاموية فقط لكونها أداة سياسية، ولكنها يمكن أن تتحول إلى الإسلام نفسه كدين، وهو ما يتجلى مؤخرا في تركيا من خلال توجه اجتماعي ينتشر في أوساط الشباب، وبات حديث الساعة مؤخرا، وهو «صعود الربوبية»، وهي الإيمان بوجود الله دون الإيمان بدين. ويشعر الإسلاميون المؤيدون لأردوغان بالقلق حيال هذا «التهديد الذي يتربص بالإسلام»، لكنهم ينظرون إليه باعتباره مؤامرة من صنع الغرب، وليست من صنع أيديهم.

لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه الآن هو: «إلى أي مدى يمكن أن تبلغ هذه الموجة العلمانية؟» لا أحد يعلم. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الموجة تختلف عن نمط العلمانية التي فُرضت على العالم الإسلامي قبل نحو قرن من الزمان من قبل الحكام المستبدين المتغربين، من شاكلة أتاتورك في تركيا، ورضا شاه في إيران، الذين جاءت ثورتهم من أعلى إلى أسفل، حيث فرضتها الدولة على المجتمع وكانت دائما ما يُنظر إليها على أنها زيف دخيل سرعان ما سينجلي لأنه لا يمت إلى هوية المجتمع الحقيقية والمتجذرة بصلة. أما في هذه المرة، فإننا نتحدث عن توجه من أسفل إلى أعلى، ينبعث من المجتمع، ومن أناس ضاقوا ذرعا بكل القبائح التي ترتكب باسم الدين.  

لذلك، فإن هذه الموجة تذكرني ببدايات عصر التنوير الغربي، عندما طور الأوربيون فكرة العلمانية السياسية كمذهب جديد للخلاص من ويلات الحرب وربقة الاضطهاد باسم الدين، بينما كانوا في الوقت نفسه يثمنون قيم العقل وحرية الفكر والمساواة وقبول الآخر.

بالطبع، يمكن أن تتوافق هذه المثل العليا مع الإسلام أيضا، كما يؤكد «الحداثيون المسلمون» منذ نهاية القرن التاسع عشر. كما تبعث تونس من بوتقتها المضيئة والنادرة في العالم العربي ببارقة أمل جديدة في المضي قدما على طريق الاعتدال.

لكن، إذا أصر الإسلاميون والمحافظون على متابعة طرائقهم القديمة، فربما يواجهون نسخة راديكالية من التنوير، تقوم على مقاومة الإكليريكية بضراوة، والإعراض عن الدين بعناد، بما يذكرنا بالانقلاب الذي قامت به فرنسا ضد هيمنة الكنيسة الكاثوليكية.  

ومن ثم، إذا كان الإسلاميون والمحافظون يعبأون حقيقة بمستقبل الإسلام، وليس فقط بجمع خيوط السلطة في أيديهم باسمه، فعليهم أن يبدأوا في التفكير بشأن إنهاء القبح الذي ألحقوه بهذا الاسم، كالحروب الأهلية والحكم السلطوي والتعليم الذي يحض على الكراهية.

إن الإسلام في جوهره حافل بالفضائل التي يمكن أن تلهم البشرية، مثل المودة والتواضع والإحسان. لكنها حُجبت منذ زمن بعيد تحت أقنعة السعي وراء السلطة وإملاءات التعصب.  

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 

*تعريف بالكاتب: زميل أول في «معهد كاتو»، ومؤلف كتاب The Islamic Jesus: How the King of the Jews Became a Prophet of the Muslims (المسيح الإسلامي: كيف أصبح ملك اليهود نبيا للمسلمين) (2017)

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق