رؤى

‎توثيق الطلاق..‎ هل فرّط على بن أبي طالب ومحمد عبده وجاد الحق في التراث؟

وَفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد عقود الزواج في مصر، عام 2018، 887315 عقدًا مقـابل 912606 عقدًا، عام 2017، بنسبة انخفاض قدرها 2.8٪، بينما بلغ عدد عقود الطلاق، عام 2018، 211554 عقدًا مقابل 198269 عقدًا، عام 2017 بنسبة زيادة قدرها 6.7٪، وهو ما يعني أن منظومة الأسرة في مصر تعاني شروخًا اجتماعية ونفسية كبيرة ينبغي الالتفات إليها، والتعاطي معها، والتفكير في حلول ناجزة لرتق هذه الشروخ.

فالأسرة هي أساس المجتمع ولبِنته الأولى، ومما هو معروف أن تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة من أولويات أي شريعة أو قانون، وهو ما حدَا بالدولة في العام 2016، إلى العودة مجددا الي اقتراح توثيق الطلاق، بحيث لا يكون معتدًّا به إلا بشهادة الشهود والتوثيق في المحاكم، في محاولة للحدّ من ارتفاع نسبة هذه الظاهرة الخطيرة، إلا أن الأزهر اعترض على هذا الاقتراح، متذرِّعا  في ذلك بأن جمهور «أغلبية» الفقهاء يرون وقوع الطلاق باللفظ، دون إشهاد وتوثيق، ما دام الزوج قد تلفّظ به.

من المغرب إلى السعودية.. الطلاق أمام القاضي

‎كان قانون «مدوّنة الأسرة» المغربي هو أول من أخذ بهذا الرأي؛ إذْ نصّت المادة 79 على: أن من يريد الطلاق يجب أن يقدم طلب الإذن بالإشهاد على الطلاق إلى المحكمة التي يوجَد بدائرة اختصاصها بيت الزوجية. ثم دارت الأيام، وإذا بوزير العدل السعودي الدكتور وليد الصمعاني، يعلن أن الوزارة في طريقها إلى إصدار قانون خلال أيام ينص على وجوب تطليق الرجل زوجته أمام القاضي للحصول على صك الطلاق، وذلك بعد أن واجهت المملكة المشكلة نفسها التي تواجهها مصر؛ إذ بلغت صكوك الطلاق الصادرة من وزارة العدل السعودية، العام 2018، أكثر من 58 ألف صك، بنسبة 28٪ من إجمالي عقود الزواج، التي بلغت نحو 150 ألف عقد.

د. وليد الصمعاني وزير العدل السعودي

‎‎والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل فرّط علماء الدين في السعودية وفي المغرب في «التراث» الشرعي والفقهي، فاتخذوا قرارهم هذا، في حين تمسّك به الأزهريون فرفضوا إصدار مثل هذا القرار في مصر؟           

علي بن أبي طالب والطلاق

‎ونحن سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال توضيح أن الإشهاد على الطلاق وتوثيقه من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، «وليس مجمعا عليها أو من الثوابت» وإن كان معظمهم، أو جمهورهم، يرون وقوع الطلاق شفويا بمجرد تلفظ الزوج به، إلا أن فريقا آخرَ منهم يرون عدم وقوعه إلا موثقا أمام شهود وقاضٍ، وهو مذهب الإمام علي بن أبي طالب وهو من هو، وعمران بن حصين، وعطاء، وابن جُريج، وابن حزم الفقيه الظاهري الكبير، والشيعة الإمامية، وغيرهم، وهو الرأي الراجح في عصرنا. إذْ إنه يضيق دائرة الطلاق التي اتسعت كثيرا بما يهدد استقرار المجتمع كما يسهِّل إثبات الطلاق فيما لو وقع خلاف بين الزوجين. لكن الأزهر أو جزءا معتبرا فيه لايزال منحازا لتراث الفقهاء، والقدماء في هذه المسألة، والذي لا يعدو كونه اجتهادًا بشريا في زمان مغاير لزماننا، وظروف اجتماعية وليدة سياقات زمنية مغايرة ولم يعُد لها وجود أو مبررات وجود.

التراث متعدد الآراء الفقهية بطبيعته

التراث الفقهي في الإسلام ليس تراثا أحاديا أو مطلقا، لكنه يمتاز بالتعددية وسيولة الآراء التي تشبه الفسيفساء، وذلك لاعتماده على أدلة شرعية كثيرة تُستفاد منها الأحكام العملية، وهذه الأدلة يتفق جمهور الفقهاد على أربعة منها؛ وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، فيما توجَد أدلة أخرى، عدا هذه الأدلة الأربعة، لم يتفقوا عليها، وهي: الاستحسان، والمصلحة المرسلة «المطلَقة»، والاستصحاب، والعُرف، ومذهب الصحابي، وشرع مَن قبلنا، لتكون جُملة الأدلة عشرة، وهو ما يعطي للتراث الفقهي سيولة وديناميكية ونسبية في الأحكام، واتساعا في ميادين التشريع؛ لمواجهة الطوارئ والمشكلات الحياتية المختلفة. لكن الأزهر يكاد يجمد في مواقف معينة -كما هي الحال في قضية توثيق الطلاق. واللافت أن جمهور الفقهاء الذي يرى أن الطلاق يقع صحيحا من غير حاجة إلى الإشهاد عليه، يري أن حضور الشهود شرط صحة في إنشاء الزواج.

‎كما حملوا الأمر الواضح بوجود الشهود في الطلاق في الآية الثانية من سورة الطلاق: «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ..» حملوه على الاستحباب لا الإيجاب، دون أن ندري ما هو منطقهم الأصولي في ذلك؟

‎إلا أن طائفة أخرى من الفقهاء الكبار ـ على قلة عددهم ـ ذهبوا إلى اشتراط الإشهاد في صحة الطلاق، قال القاسمي: «ممّن ذهب إِلى وجوب الإِشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، ومن التابعين الإِمام محمد الباقر والإِمام جعفر الصادق، وكذلك عطاء، وابن جُريج، وابن سيرين، وإِذا تبين لك أن وجوب الإِشهاد على الطلاق هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين، تعلم أن دعوى الإِجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه مراد لها الإِجماع المذهبي لا الإِجماع الأصولي». «الاستئناس لتصحيح أنكحة النّاس، ص51»، وذهب الصنعاني في كتابه «سُبل السلام» إلى أن هذا الرأي«الإشهاد » كان عند الإمام الشافعي في مذهبه القديم بالعراق.

وشيخ الأزهر مع التوثيق أيضاً

وإذا انتقلنا بسرعة من حقل الفقهاء القدامى الي المعاصرين لوجدنا كوكبة من المع علماء الازهر، نجد أنّ الشيخ الأزهري السلفي أحمد محمد شاكر، رئيس المحكمة الشرعية والذي توفي عام 1958 يذهب في كتابه «نظام الطلاق في الإسلام، ص 95- 96» إلى عدم وقوع الطلاق إلا إذا كان بحضرة شاهديْ عدل سامعين فاهمين، ومن قبله ذهب الأستاذ الإمام محمد عبده «ت 1905»، مفتي الديار المصرية، إلى الرأي نفسه «الأعمال الكاملة، المجلد الثاني، ص 122 – 123»، كما ذهب إلى الرأي نفسه الشيخ محمد أبو زهرة «ت 1974»، في كتابه «الأحوال الشخصية، ص 369»، قائلا: «لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر، لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين؛ ليمكنهما مراجعة الزوجين فيضيقا الدائرة، ولكيلا يكون الزوج فريسة لهواه، ولكي يمكن إثباته في المستقبل فلا تجري فيه المشاحة وينكره المطلق إن لم يكن له دين والمرأة على علم به ولا تستطيع إثباته فتكون في حرج شديد»، ومثله الشيخ علي الخفيف «ت 1978»، قائلا: إن اشتراط الإشهاد على الطلاق هو أقرب الآراء لتحقيق المصلحة، وإبعاده من أن يكون نتيجة غضب أو انفعال وقتي، وبذلك تضيق دائرة الطلاق، «محاضرات عن فرق الزواج في المذاهب الإسلامية، ص 131».

‎لكن تبقى المفاجأة الكبرى في موقف المرحوم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق «ت 1996»، شيخ الأزهر الأسبق، ألا يقع الطلاق إلا بحضور شاهدَين وبوثيقة رسمية، واستند فى كلامه إلى الآراء الفقهية التي سلفت الإشارة إليها، وأوضح أن ذهاب الزوجين إلى المأذون لإيقاع الطلاق وفي حضرة الشهود يؤكد رغبتهما الحقيقية فى إيقاعه، ولو قرَّرا التراجع عن الطلاق قبل الوصول إلى المأذون فلهما الحق في ذلك، ولم يُكتب لهذا الاقتراح أن يستحيل إلى قانون لوجود معارضة أزهرية له.

شيخ الأزهر الأسبق الشيخ جاد الحق علي جاد الحق

لماذا نضيق واسعا؟

‎بناء على كل ماسبق يبدو موقف الأزهر إزاء تلك المسألة بحاجة إلى مراجعة، فالأمر فيه توسعة في تراثنا الفقهي لا يريد الأزهر اليوم الأخذ بها والاهتداء. كما أن الأمر يعني، أيضا أنه لا وجود في  هذا الموضوع لما يسميه بعض الأزهريين «ثوابت»؛ ولا أدل على ذلك من اختلاف الفقهاء في قضية وقوع الطلاق، كما يعني كذلك أن «التراث» ما هو إلا اجتهاد ونظر بشري في النصوص، والدليل على ذلك اختلاف «التراث» نفسه في المسألة بشكل مشروع ومقبول. 

‎  ويبقى ثمة سؤال: إذا كان البعض دائما ما يقول: خذوا العلم والرأي من الراسخين في العلم، فهل الصحابة والتابعون والفقهاء والأساتذة ابتداءً بالإمام علي بن أبي طالب وعطاء، مرورا بالإمام محمد عبده والأشياخ أحمد شاكر ومحمد أبو زهرة وعلي الخفيف، وانتهاءً بشيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق، ليسوا من الراسخين في العلم، وهل كانوا جميعاً أهل حداثة أو أهل عداء للتراث؟                               

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق