ثقافة

أدب المقاومة.. ومبدعوه.. دم يجري في عروق الحلم الفلسطيني

ما زال حلمنا المشروع في دولة فلسطينية حرة كاملة السيادة حيا ونابضا، ويشكل إبداع وأدب المقاومة عروقا تجري في دم هذا الحلم فتبقيه دوما على قيد الحياة، فالمشهد الفلسطينى لا يكتمل دون مبدعين شكلوا وجدان وعزيمة المقاومة و كانوا جزءا منها سواء من خلال إبداعهم أو من خلال أدوارهم النضالية المباشرة.. وتمتلئ الصورة الفلسطينية بوجوه نضرة حرضت دوما على المقاومة و سجلت بطولات الشعب الفلسطيني ووثقته بالفن والأدب.

كانت القضية الفلسطينية فى كل مراحلها مصدر إلهام لغالبية الأدباء العرب، وقلما نجد شاعرا عربيا غابت القدس عن أعماله و يمتد «أدب المقاومة» لعقود طويلة من النضال سبقت نكبة 1948.

ويرجع الفضل فى تدشين مصطلح «أدب المقاومة» للأديب الفلسطيني غسان كنفاني عام 1966 من خلال كتابه «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968»والذى قال في تعريفه لأدب المقاومة أنه «صرخة شجاعة ويمثل حالة من حالات الصمود من الداخل فى وجه المحتل الغاشم.

وقد تعددت مسميات أدب المقاومة الفلسطينى ومر بمواحل عدة منها أدب النكبة والذى رصد آثار نكبة العرب فى 1948 وما تلاها، وفى مرحلة الستينيات كان أدب المقاومة هو ذلك الذى ارتبط بشكل كبير بالوضع العالمى المناهض للإستعمار وموجة الإستقلال الوطنى التى شهدها العالم، ثم جاء ما يسمى بأدب الإنتفاضة وهو الذى تفاعل وشارك فى الإنتفاضة الأولى التى عرفت بإنتفاضة «أطفال الحجارة» «1987- 1993» والإنتفاضة الفلسطينية الثانية – إنتفاضة الأقصى – «2000- 2005»

 وتبدو العلاقة القوية بين النضال الفلسطينى و شعراء الأرض المحتلة الذين انخرطوا فى النضال ضد المحتل فعرفوا السجون ومعتقلات العدو من بينهم «محمود درويش» الذى تعرض للسجن مرارًا وتجرع «سميح القاسم» مرارة الأحكام العسكرية وكان الاغتيال على يد العدو الصهيونى مصير كل من غسان كنفاني، وماجد أبو شرار، وكمال ناصر وغيرهم.

وينقسم الأدب الفلسطينى المقاوم إلى «أدب الشتات» و «أدب الأرض المحتلة» 48 ثم 1967 فلم يستطع الإنتاج الأدبي الفلسطيني قبل هذه الأعوام أن يترك تأثيرا كبيرا بل كان محاولات متفرقة لا تمثل حالة أدبية شاملة ومتكاملة.

ولأن الشعر كان الأهم من حيث التأثير المباشر فقد حقق الشعراء إنتشارا واسعا بين صفوف المقاومة وترددت قصائدهم بين المواطنين لتمثل أحد عوامل القوة والدعم للمقاومة بينما كان دور الرواية الفلسطينية أهم من حيث توثيق معاناة الشعب الفلسطيني ورصد مراحل تطور القضية الفلسطينية.

ويقسِّم النقاد شعراء الأرض المحتلة إلى قسمين هما: شعراء الثورة ومنهم «عز الدين المناصرة ومعين بسيسو وشعراء المقاومة وفي مقدمتهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وهذا الثلاثي المبدع على وجه التحديد يصنفون أيضا ضمن شعراء الثورة ويعود هذا التصنيف إلى النشأة والإرتباط بما يطلق عليهم عرب 1948 أكثر من التوجه الأدبى لكل منهم.

ومثلت قصائد شعراء المقاومة صرخات مدوية واستطاعت أن تتخطى حدود الأرض المحتله لتصل بصوت الشعب المقاوم لطغيان الإحتلال إلى العالم وساهمت ترجمة أعمال معظم شعراء الأرض المحتلة فى تعاطف كبير بين شعوب العالم

ومع تأسيس منظمة التحرير الفلطسينية 1964 احتضنت عددا كبيرا من الشعراء وقدمتهم للعالم وتحول بعضهم إلى رموز للشعر العربى بشكل عام وليس شعر المقاومة الفلسطينية فقط.

وكان الناقد الراحل «رجاء النقاش» قد قدم للقارىء العربى لأول مرة الشاعر محمود درويش عام 1969 ونشر كتابه الشهير «محمود درويش شاعر الأرض المحتلة» ليحتل درويش مكانة خاصة بين شعراء فلسطين وبالطبع فإن موهبة درويش الإستثنائية جعلت منه لعقود طويلة أكثر شعراء العرب تأثيرا وحضورا خاصة بعد قصيدته «سجل أنا عربى»

«سجل برأس الصفحة الأولى

 أنا لا أكره الناس و لا أسطو على أحد

 و لكني إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي

 حذار حذار من جوعي و من غضبي»

وقدم سميح القاسم لقضية وطنه كل إنتاجه الأدبى تقريبا ودفع ثمن تمسكه بالأرض وتحريضه المستمر على المقاومة سنوات من السجن خلف قضبان الصهاينة.

«كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

يموت منا الطفل والشيخ

ولا يستسلم

وتسقط الأم على ابنائها القتلى

ولا تستسلم

تقدموا

تقدموا

بناقلات جندكم

وراجمات حقدكم»

توثيق الوجع.. بالرواية

قدم الأدب الفلسطينى عشرات الأعمال الروائية التى تدعم مقاومة الشعب ضد الإحتلال وترصد معاناة الشتات وتؤكد على حق العودة وقد صدرت أول رواية فلسطينية بعد النكبة عام 1955 وهي رواية «صراخ في ليل طويل» لـ جبرا إبراهيم جبرا. وتناولت صدمة المبدع الفلسطيني وفى الخمسينات تم نشر روايتىْ «المتسلل»و«بتهون» لـ توفيق معمر.

 ومن أبرز تلك الأعمال تأتى رواية «غسان كنفانى» أحد أهم الروائيين العرب والفلسطينيين «رجال في الشمس» تلك الرواية التى صدرت عام  1963 والتي تعبر بقوة ومرارة عن معاناة الشتات وتمثل واحدة من أروع ما قدم حول الفلسطينين فى المنفى من خلال الفلسطينيين الثلاثة أبطال الرواية والذين يموتون داخل خزان السيارة التي لم يحاولوا الهرب منها، لكنهم ظلوا بداخلها دون مقاومة ولو برفع الصوت وطرق الخزان.

ومن أهم روايات المقاومة أيضا «الوقائع الغريبة فى اختفاء سعيد أبى الحسن – المتشائل» للكاتب إميل حبيبى والذى يتناول خلالها الفلسطينيين داخل أراضي الاحتلال في فترة الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل على العرب مستخدمها منهج الكوميديا السوداء ولعل فى اسم الرواية التى جمع فيها كلمتى المتشائم والمتفاعل فى لفظة واحدة هى «المتشائل» دلالة على تلك الحالة الساخرة والمرتبكة أيضا.

وترصد رواية الكاتب والمفكر مريد البرغوثى «طال الشتات» أيضا مرارة وقسوة الشتات وتبشر بالعودة إلى الوطن مؤكدة «قل إنني سأموت دون مداخل الوطن الذي تعطى الحجارةَ والصغارَ مشاتلُهْ»

ومن أبرز التجارب فى الرواية الفلسطينية التى رصدت مآسى وقسوة الإحتلال تجارب كتابة السيرة الذاتية التي كان لعودة منظمة التحرير وكوادرها أثر بالغ في ظهورها ومن أهمها «رحلة جبلية رحلة صعبة» لـ فدوى طوقان.. كما كتب كثير من رجال المنظمة تجارب عودتهم من خلال سيرهم الذاتية، وكان فيها الكثير من التجارب المرة مثل «رشاد أبو شاور»، «رائحة التمر حنة» و«الرب لم يسترح في اليوم السابع»، وفيصل حوراني «دروب في المنفى»، ويحيى يخلف «بحيرة وراء الريح» وغيرها.

وتمتلئ الساحة الفلسطينية خاصة خلال النصف الثانى من القرن العشرين بعشرات الكتاب الذين نحتوا فى صخرة الاحتلال مسارا لنهر المقاومة الذى يتدفق يوما بعد يوم.

هى المقاومة إذن التى تخلق الإبداع وهو الإبداع الذى يحتفى بالمقاومة ويسجل تفاصيلها ويُحرض على إستمرارها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: