رؤى

القدس فى الاستشراق اليهودي

على الرغم من ابتعاد المملكة المغربية – جغرافيا – عن دول المواجهة المحيطة بالكيان الصهيونى، فإن القضية الفلسطينية تبدو حاضرة بقوة فى ضمير كتَّابها ومفكريها، وآية ذلك هذا الكتاب الهام – «القدس الشريف فى الاستشراق اليهودى» الذى صدر – ضمن كتاب المجلة العربية – للدكتور محمد رضوان الباحث والصحفي بوكالة المغرب العربي للأنباء، والحاصل على درجة الدكتوراه فى العلوم السياسية والذى صدرله – بالإضافة إلى الكتاب المذكور – عدد من المؤلفات منها : «منازعات الحدود فى العالم العربى» و«المبادىء العامة للقانون الدولي الإنساني والعدالة الدولية» و«أوهام الغرب عن الإسلام – بحث فى جذور معاداة الثقافة الإسلامية فى الغرب».

خطورة الرؤية اليهودية للقدس

يتكون الكتاب – موضوع هذه القراءة – من ثلاثة فصول هى: القدس لدى أتباع الديانات السماوية – الاستشراق بين النشأة المسيحية والتأثير اليهودي – نقد الاستشراق وتفكيك خطابه فى الفكر العربي. وما يهمنا هنا هو عرض الأفكار الرئيسية التى طرحها الكاتب وتحليلها للوقوف على خطورة الاستشراق اليهودى فى رؤيته للقدس وتأثيره على الفكر الغربى. ولاشك أن تفكيك هذا الخطاب الاستشراقي يعد معركة معرفية لاتقل أهمية عن أشكال الصراع الأخرى مع إسرائيل.

تدرك إسرائيل جيدا المكانة الكبيرة للمسجد الأقصى لدى المسلمين، فهو المسجد الذى بارك الله حوله وأسرى برسول الإسلام إليه، وهو أولى القبلتين ووجوده – بكل هذه الدلالات الدينية – يؤكد أحقية العرب فى القدس. لهذا يسعى الصهاينة إلى حصاره وتهديده بخطر «التقسيم بين اليهود و المسلمين كخطوة نحو مصادرته كليا من المسلمين، ونزع ملكيته منهم باعتباره أقوى رمز وأكبر معلم إسلامي فى القدس الشريف» «القدس الشريف فى الاستشراق اليهودى» د.محمد رضوان ص7كتاب «المجلة العربية».

وبافتقاد هذا المعلم الإسلامى تفقد القدس هويتها العربية، وهو حلم يراود الصهاينة بزعم وجود هيكل سليمان أسفله، وفى السنوات الأخيرة تمكنت الجماعات اليهودية المنادية ببناء «المعبد» مكان المسجد الأقصى من الوصول إلى مواقع متقدمة فى الحكومة والكنيست الإسرائيليْيْن والتأثير فى دوائر صنع القرار وتنفيذه.

الحاخامية اليهودية ضد الصهيونية

ترى الحاخامية اليهودية أنه ليس هناك علم دقيق أو معرفة محققة بموضع «قدس الأقداس» عندهم كما أنه محرم على عامة اليهود دخوله لأنهم ليسوا أطهارا كما أن بناء المعبد مرتبط – فى عقيدتهم – بمجىء «المخلص» ليبنيه بنفسه وليسمح لليهود بدخوله والحاخامية – بهذا الاعتقاد – تعتبر شاهدا منهم على عدم وجود هذا المعبد يضاف إلى ذلك موقف جماعة  المؤرخين الجدد بإسرائيل الذين انكبوا على تفكيك الخطاب التاريخى اليهودى الذى ساد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ونقد الأسس الوهمية التى يقوم عليها ذلك الخطاب الذى يبحث عما يبرر الحق التاريخي المزعوم للشعب اليهودى فى فلسطين.

ولا تعير الحركة الصهيونية هذه الحقائق السابقة اهتماما، حيث سعى القادة الإسرائيليون إلى تبرير احتلال فلسطين وضم القدس وتهويدها بالاستشهاد بمضامين الكتاب المقدس، الذى تم تحريفه ليحقق أهدافهم فى الاستيلاء على القدس وارتكاب المذابح فى حق أصحاب الأرض الأصليين من العرب الفلسطينيين أحفاد الكنعانيين. وقد بدأت تلك المذابح قبل إعلان دولة إسرائيل وبعدها وما أعقب ذلك من ضم القدس وإعلانها عاصمة أبدية لإسرائيل وفى سبيل هذا ارتكبت إسرائيل سلسلة غير متناهية من المذابح المروعة نذكر منها: مذبحة «دير ياسين» 10\4\1948 ومذبحة «ناصر الدين» أبريل 1948 ومذبحة «بيت أراس» 26\ 5\1948 ومذبحة «شرفات» 7/2/1951 ومذبحة «قبية» 15/10/1953 ومذبحة «دير أيوب» 2/11/1954 ومذبحة «غزة»  28\2\1955ومذبحة «قلقيلية» 10/10/1956 ومذبحة «كفر قاسم» 29\10\1956.

بالإضافة إلى اغتيالات ومجازر أخرى وقعت بعد حرب الأيام الستة وراح ضحيتها المدنيون الفلسطينيون من الأطفال والنساء والشيوخ، مثلما حدث فى مجزرة صبرا ومجزرة قانا والحرب على غزة .وكما يقول الروائى الكبير الراحل فتحي غانم فى روايته «أحمد وداود» إن كل ذلك قد تم باسم الشريعة وبدعاوى أسفار العهد القديم المحرفة .واختلط البعد الوطنى والدينى فى العقيدة اليهودية فهناك قطاع واسع من اليهود يعتبرون التوراة مصدرا تاريخيا لبنى إسرائيل فضلا عن كونها تراثا دينيا مقدسا».

الطعن فى الأحاديث النبوية

 أخذ الإسرائيليون بعد قيام الدولة يتوجهون نحو إعادة قراءة تاريخهم بما يلائم أوضاعهم الاستيطانية، ولتبرير مزاعمهم يقدم الاستشراق اليهودى قراءة زائفة للتاريخ الإسلامى، زاعمين ضعف اهتمام المسلمين بالقدس إلا أثناء الحكم الأموى. كما يقومون بالطعن فى الأحاديث النبوية التى تشيد بفضائل بيت المقدس ويعتبرونها موضوعة ويعد المستشرق إجناس جولدزيهر أبرز القائلين بهذا فى كتابه «دراسات محمدية». وللأسف فإن الكاتب اللبنانى الشيعى جعفر مرتضى العاملى أشار فى كتابه «الصحيح من سيرة النبى الأعظم» إلى أن عمر بن الخطاب حين دخل بيت المقدس لم يكن هناك أى مسجد، وأن المسجد الأقصى فى السماء لذلك سمى الأقصى وقد تلقف اليهود هذا الرأى لتدعيم مزاعمهم

تفكيك خطاب الاستشراق

أدرك المفكر الراحل أنور عبد الملك الطبيعة المشوهة لما قدمه الأوربيون حول العوالم غير الأوروبية، فلم يكن العلم غاية هذا الخطاب بل خدمة أهداف الاستعمار. وقد فضح عبد الملك هذه الطبيعة فى مقالته «الاستشراق فى أزمة» والتى كانت بداية تأسيس حركة نقدية عربية للاستشراق، وهو ماتوسع فيه المفكر الراحل ادوارد سعيد فى كتابه «الاستشراق» ناقدا الظاهرة الاستشراقية، وموضحا علاقتها بالاستعمار وبمراكز الهيمنة السياسية والثقافية فى الغرب والولايات المتحدة، وهو مااستغلته الصهيونية بدرجة كبيرة فى التحريض على العرب وفي خدمة مصالحها لدى الغرب والأمريكان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق