مختارات

صالح سريّة: لبنات عنف الجماعة من خلال «تنظيم الفنيّة العسكريّة»

تأسّست جماعة “شباب محمّد” سنة 1973 على يد الفلسطيني صالح سريّة، والتي عٌرفت بإسم “تنظيم الفنيّة العسكريّة”، وصالح سريّة مؤسّس الجماعة مولود في فلسطين سنة 1936 بمدينة حيفا، لجأ للعراق سن 1948 ودرس هناك ليتخرّج بحصوله على الماجستير سنة 1969، تلقى تعليمه الشرعي على يد محمد محمود الصوّاف زعيم جماعة الإخوان المسلمين في العراق، واِنخرط مبكّرا في العمل العسكري في صفوف جبهة التحرير الفلسطينية التي ساهم في تأسيسها سنة 1959، واِنخرط صالح سريّة في الفرع العراقي للإخوان المسلمين، فكان المسؤول عن جهازه العسكري، وعندما تعكّرت الأوضاع السياسيّة في العراق، صار صالح سريّة ملاحقا، فلجأ إلى سوريا، ثم اِستقرّ سنة 1971 في مصر ليحصل على شهادة الدكتورا، وقد أخذ يتردّد على جماعة الإخوان المصريّة وعلى مرشدها حسن الهضيبي بوساطة من زينب الغزالي، واِستطاع صالح سريّة أن يلتقي العديد من شباب الإخوان الرّافض لمسار جماعة الإخوان المسلمين في عدم مواجهة النظام، وحدث جدل واسع بين الهضيبي وصالح سريّة حول سبل التعامل مع النظام القائم وضرورة التغيير، ولمّا وصل النقاش إلى طريق مسدود، خرج صالح سريّة وبدأ في تشكيل جماعة التحرير الإسلامي، أو ما يسمّيه شباب محمّد.

لم يدم التخطيط كثيرا، فاِستعجل الدكتور صالح سريّة تنفيذ محاولة اِنقلاب على النظام المصري بواسطة شباب متحمّس قليل الخبرة، وذلك بالاِستيلاء على مركز قيادة الفنيّة العسكريّة الذي يحتوي على السلاح والدّبابــات، والتحرّك نحو مكان اِجتماع الرئيس المصري أنـــور السادات ومن معه من القيادات السياسيّة والعسكريّة، وتلاوة البيان الأول للاِنقلاب، وفشل المخطّط يوم 18 أكتوبر 1974 ووقعت مجزرة خلّفت 52 قتيلا و65 جريحا ليستسلم أغلب أعضاء التنظيم، وتم إعدام صالح سريّة وأحد رفاقه، في حين كانت الأحكام مشدّدة على البقية، ويعود فشل هذه المحاولة الاِنقلابية لغياب المخزون البشري لجماعة التحرير الإسلامي، فلم يتجاوز عدد المنتمين للجماعة أكثر من مائتي عضو، ولم يشارك في العمليّة سوى ربعهم، ولم تكن لهم خبرة أو تدريب في الشؤون القتاليّة، يضاف إلى أنّ القيادة لم تكن مصريّة، لأن صالح سريّة كان فلسطينيّا، فكانت العمليّة أشبه بالفعل الاِنتحاري، ويبدو أنّ صالح سريّة كان مدفوعا بالرغبة في إستنساح المحاولات الاِنقلابية المتعدّدة التي شهدها العراق وسوريا في تلك القترة.

كان صالح سريّة “محدّثا جذّابا على درجة عالية من الإطلاع والمعرفة، وكان حاصلا على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة عين شمس، وكان متضلّعا في عدد من العلوم الشرعيّة”، وتلك الكاريزما كانت ستفعل فعلها لو أنّ صالح سريّة واصل العمل بالهدوء من أجل تقوية التنظيم بشريّا وعسكريّا، فلقد كان صاحب تجربة جهاديّة في ظل حركة التحرّر الفلسطيني، وقاد جبهة التحرير الفلسطينية ممّا جعله يتّصف بمواصفات القيادة، زادها سعيه إلى تحصيل ثقافة شرعيّة تمنحه قدرات علمية في التنظير للجهاد الإسلامي.

ترك صالح سريّة وثيقة منهجيّة ستُعدّ من المصادر التأسيسيّة للعمل الجهادي، وسمّاها “رسالة الإيمان”، واِعتبر صالح سريّة أن لا أحد سبقه إلى الكتابة في مسألة تشخيص مظاهر الكفر المعاصر بقوله “هذه الرسالة حسب علمي هي أوّل رسالة من نوعها في تشخيص الكفر الذي وقع فيه المسلمون عن علم أو عن جهل بسبب الظروف الجديدة التي وقعوا فيها، ودراستها في نظري أهم ألف مرّة من دراسة قضايا العقيدة التي كتبت في الماضي”، فلا يمكن تصوّر أنّ صالح سريّة قد تجاوز سيّد قطب في ما أنجزه فكريّا وتنظيميّا ليرى نفسه سبّاقا للموضوع، ولكنه يعتقد أنّ سيّد قطب قد وضع الإطار النظري للكفر والتكفير، وأنه سيقوم في هذه الرسالة بتشخيص أعراض الكفر ومظاهره المعاصرة، وكان صالح سريّة قد جعل من رسالته أسّا دينيّا يرتقي في منزلته أكبر من المدوّنات العقائديّة القديمة، وفي ذلك دعوة لتجاوز تصنيفات الموروث وما يتعلّق بها من جدل وخلاف، بل يذهب إلى ضرورة مراجعة مفهوم الإيمان مراجعة شاملة تتخلّص من أعباء التفسيرات الكلاسيكيّة للإيمان، فالإيمان بالله عــند صـالح سـريّة يتجلّى في الاِعتقاد “أنه وحده صاحب التشريع الكلاسيكيّة للإيمان، فالإيمان بالله عند صالح سريّة يتجلّى في الاِعتقاد “أنه وحده صاحب التشريع في هذا الكون وليس لأحد حقّ التشريع إلاّ فيما لا نصّ فيه، فمن أعطى لنفسه حق إيجاد منهج للحياة أو التشريك فقد أشرك بالله وكفر بالله أساسا، واِتّخذ له ربّا سواه، حتّى ولو كان مؤمنا بالله ورسوله.. وعليه فإنّ كل الأنظمة بما فيها كل أنظمة البلاد الاِسلامية اِتّخذت لها مناهج ونظم وتشريعات غير الكتاب والسنّة فقد كفرت بالله”، فالإيمان عند صالح سريّة مبني على الاِعتقاد بالحاكميّة وليس الاِعتقاد في الذّات الإلهيّة من جهة، وعلى تكفير الأنظمة العربية والاِسلامية من جهة أخرى، بل إنّ طاعة هذه الأنظمة تدخل “المسلم” في خانة الكفّار، وهؤلاء المسلمين الكفّار أشدّ كفرا من مشركي قريش لأنهم عبدوا الأصنام.

يقدّم صالح سريّة مراجعة شاملة لأركان الإيمان: الإيمان بالله والرسول والكتب واليوم الآخر والقضاء والقدر، ليعطي تصوّرا حركيّا لهذه الأركان محاولا تشخيص مظاهر الكفر المعاصر، فهو يرفض تقديس الرسول وتعظيمه ويسخر حتّى من “الصلاة والسلام على النّبي محمّد”، لأنها صورة للتقديس المؤدّي للكفر، والإيمان بالرسول يقتضي اِتباع خطواته في نشر الدّين وتطبيق أحكامه الشرعيّة، ثمّ إنّ الإيمان بالقرآن يفترض على العصبة المؤمنة أن تتعامل مع النص القرآني دون حاجة لتفسيرات الماضي، ودون حاجة للفقهاء، ولكنّ صالح سريّة يستثني تفسير سيّد قطب الذي يعتبره يستجيب لحاجات العصر، فيقول: “فنحن نريد للفئة المؤمنة: أولا أن تقرأ القرآن للتنفيذ لا للتقديس ولا للطرب، وثانيا ألا يكون بينك وبين القرآن حاجز”، ويتجلّى الإيمان باليوم الآخر في الاِعتقاد بالجنّة الموعودة والتي تجعل المؤمن يركض وراء الشهادة لتكون خير أعماله ويدخل بها الجنّة، ويرتبط الإيمان بالقضاء والقدر عند صالح سريّة بقدر الإنسان في تنفيذ مأموريّة الحاكميّة، وخلاصة الإيمان عند صالح سريّة هي الوجه التطبيقي لما وقر في القلب، وأنّ ترك الفعل وعدم تطبيقه بمقولة “الإيمان إقرار بالجنان وتكلّم باللّسان وعمل بالأركان”، والعمل هنا يرتبط بمسار تحكيم شرع الله في الأرض. 

كان لصالح سريّة أثره النظري الفكري، فلئن قدّم سيّد قطب تفسيرا معاصرا للقرآن كونه نصّا حركيّا يدعو إلى العمل، فإنّ صالح سريّة قدّم تصوّرا معاصرا لأركان الإيمان ركّز فيه على المنحى الثوري للمفهوم العقدي، فالإيمان عنده قناعة للتغيير: تغيير الذّات وتغيير العالم، فالنتيجة الأولى لمفهوم الإيمان تتعلّق بالحكم والحاكمية اليوم، وتقييمه “أنّ الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام هـو حُـكم كــافر فــلا شكّ في ذلك، والمجتمعات في هذه البــلاد كلّها مجتمعات جـاهلية”، ويسوق صالح سريّة عديد الآيات التي يتأوّلها بمعنى تكفير الأنظمة والمجتمعات والحكم بجاهليتها المطلقة، وأراد التصدّي للتبريرات الشائعة من كون الدولة صارت حامية للدّين بانية للمساجد، وقد نصّت في دساتيرها على أنّ الإسلام هو المصدر الأول للتشريع، وهي في ذلك تغالط النّاس وتستعطف الشرعيّة السياسيّة من الجماهير الشعبيّة، وهي بعيدة كل البعد عن الإسلام حكما وتحكيما، وفي تكفيره للأنظمة يعدّد صالح سريّة الأنظمة الاِشتراكية والليبراليّة والرأسمالية والقوميّة فيراها على الكفر مطلقا، بل إنّه يجادل بحججه في كفر النمط الديمقراطي الذي يعطي السلطة والمشروعية للشعب في سن القوانين والتشريعات، “إذ أنّ الدّيمقراطيّة على سبيل المثال منهاج للحياة مخالف لمنهاج الإسلام، ففي الديمقراطيّة أنّ الشعب هو صاحب السلطة في التشريع.. في حين أنّ الشعب في الإسلام لا سلطة له على تحليل الحرام وتحريم الحلال ولو أجمع الشعب كلّه على ذلك”، وهكذا صارت الديمقراطيّة كفرا مطلقا، وفي ذلك كان الاِنفصال الثاني بين صالح سريّة وجماعته مع الإخوان المسلمين، وكان الاِنفصال الأول بين صالح سريّة وحسن الهضيبي في سبل التغيير والتعجيل بالكفاح المسلح في عمل اِنقلابي من أعلى رأس الهرم.

في تكفير المجتمع أحصى صالح سريّة كل تلك المظاهر الاِجتماعية التي تدخله في دائرة الكفر الصريح، ولن يمنح المجتمع صفة “الفاسق” أو حتى “المرتد”، وأين نحن من مقولة المنزلة بين المنزلتين، فالمسلم العاصي يكون بين مرتبتين: مرتبة المؤمن الموحّد، ومرتبة الكافر، “فالمجتمعات كلها مجتمعات جاهليّة، والمظاهر العامّة للنساء والرجال والرّقص والبلاجات وسبّ الدّين والله علنا، والمجاهرة بعدم أداء فرائض الإسلام ووجود الخمر والزنا والقمار علنا، ونشر الفسق والخداع والرذيلة، كل ذلك وغيره يجعلنا نقول ونحن مطمئنين إلى أنّ هذه المجتمعات جاهليّة”، ويعتبر أنّ الدول التي تطبّق بعض الحدود هي دول كافرة لأنها تأخذ من الإسلام بعضا من أحكامه وتترك معظمه، وفي ذلك إشارة للدول التي تعتبر دول اِسلامية وتطبّق حد الزنا وحدّ السرقة، فتكفير الدولة ثم المجتمع مبدأ عام عند صالح سريّة، لكنّه يتساءل هل يمكن تكفير الأفراد؟ 

يحدّد صالح سريّة شرطا جوهريّا لتقييم الفرد، فليس كل فرد في المجتمع هو كافر بالضرورة، إنّما كفره إذا ساند هذه الحكومات ورآها على حق في نظامها وتشريعها، “ويكون مؤمنا من هؤلاء من آمن أنّ الإسلام هو الحق، وأنّ هذه الحكومات كافرة ويعمل على تغييرها لتكون اِسلامية سرّا وعلنا، فمن رضي وتابع فهو كافر، ومن كره وعمل على التغيير فهو المؤمن”، وكأن صالح سريّـــة يحصر مفهوم الـــمؤمن في العصبة المجاهدة التي تعمل على تغيير الأوضاع لإقامة دولـــة اِسلامية، ويجعل من كان خارج العصبة المؤمنة كافرا، ولكن هل حصر الجماعة المؤمنة المجاهدة في جماعته فقط؟ يجيب صالح سريّة أنّ الفرد الذي ينخرط في جماعة اِسلامية تعلن أنّها تعمل لأجل تطبيق شريعة الله هـو مؤمن، “وجاز له المساهمة صراحة بالاِنتخابات ودخول البرلمان والمشاركة في الوزارة إذا كان صريحا.. وإذا كان العلن غير ممكن يجوز للشخص أن يدخل في مختلف اِختصاصات الدولة بأمر من الجماعة الاِسلامية”، وهذين الشرطين هما من الشروط التكتيكيّة التي يحاول صالح سريّة أن يوظّفها في تشكيل جماعته، فهو لم يقطع نهائيّا مع جماعة الإخوان المسلمين وإن كان يكفّر الديمقراطيّة والاِنتخابات في المطلق، ولا يفسّر على أنّه تناقض في الأفكار، فهو يراهن على المخزون البشري الذي تمتلكه جماعة الإخوان المسلمين ليستقطب منه قسما لجماعته المجاهدة، فليس من مصلحته أن يكفّر جماعة الإخوان الذين يريدون المشاركة في الحياة السياسيّة المصريّة أو حتى جماعة الإخوان في العراق والأردن وسوريا حيث كان يقيم صالح سريّة، والشرط الثاني يتعلّق بتكتيك اِلتقيّة واِختراق مؤسّسات الدولة من طرف المؤمنين ليقع الاِستفادة منهم في ساعة التحرّك الميداني لتنفيذ المخطّط الاِنقلابي.

شخّص، ثمّ كفّر، فكانت دعوة صالح سريّة صريحة للجهاد لإقامة الحكم الإسلامي، لأنّ “الجهاد لتغيير هذه الحكومات وإقامة الدّولة الاِسلامية فرض عين على كل مسلم ومسلمة.. ومن ماتوا دفاعا عن حكومات الكفر ضد من قاموا لإقامة الدولة الاِسلامية فهم كفّار إلا إذا كانوا مكرهين”، فالمسار عند صالح سريّة لا يقتضي التلكأ، بل هي عصبة مؤمنة تقاتل وتجاهد في سبيل قيام الدّولة الاِسلامية، فقتلى العصبة هم شهداء ماتوا على الإيمان بالتوحيد والحاكميّة، وقتلى الحكومات ماتوا على الجاهلية، وتأتي مسألة قتل المدنيين أو الجنود والأمن في العمليات الجهاديّة والتي أصبحت تثير لغطا في جواز قتل الجنود والعساكر الذين يحمون الدولة، فهم في دار كفر يجوز قتلهم صبرا، “فكل من كان ولاؤه لدولة الكفر وليس لإقامة الدولة الاِسلامية عُومل معاملة الكفّار”، ومن ثمّ فقد بدأ صالح سريّة في اِحياء مقولة “الولاء والبراء” وتنشيطها من خلال المدوّنة الفقهية لابن تيميّة، ووجدت مقولة الولاء والبراء طريقها للحركات الاِسلامية آلية لتكفير الآخرين وتبرير محاربتهم وقتلهم، “فعشرات الآيات في القرآن تحدثت عن موضوع الولاء..ولا يجوز الولاء للدولة الكافرة مهما اِتّخذت من المواقف الوطنيّة أو الإصلاحات الدّاخليّة”، ومن ثمّ سيتبنّى صالح سريّة التصوّر القطبي لمسألة دار الحرب ودار الإسلام، ذلك أنّ صالح سريّة يمنح هذا التصنيف حسب النظام الحاكم وليس حسب المحكومين، فدار الإسلام هي التي يطبّق فيها الحاكم شريعة الله حتى لو كان أهلها من الكافرين، ودار الحرب هي التي يكون حاكمها كافرا ولو كان أهلها من المسلمين جميعا، ومن هنا ستكون البلاد العربيّة والاِسلامية دار حرب يجب فيها الجهاد والقتال، دون مراعاة لمن يقتل في العمليات الجهادية ضدّ النظام، فصار الإسلام في مشروع الإسلام الحركي يستهدف إقامة الدولة الاِسلامية وليس دعوة الناس للإسلام.

وعندما فتح صالح سريّة باب التكفير بالتشخيص وذكر الأسماء حتى لا يكون كلامه مجرّدا: كفّر النظام والمجتمع، واِنتقل لتكفير الأحزاب والجمعيات وسمّاها بالإسم: الحزب الشيوعي، حزب البعث العربي الاِشتراكي، حركة القوميين العرب، الحزب القومي السوري..، ليطال التكفير كل الأفكار السياسيّة من ليبرالية واِشتراكية وقوميّة وأمميّة.، ولم تسلم من هاجــس التكفير الفلسفة التي أنتجها العقل الغربي الحديث من مـادية ووجوديّة ذهنية، ويصبح المبدأ الـعام في الرسالة خيارا عند صالح سريّة: كل مبدأ أو فكرة تعارضت مع الإسلام فهي على خطأ وضلالة، وإن وافقت الإسلام فالأولى اِتباع الإسلام من تلك المبادئ المستوردة عن العقل الغربي الكافر.

لطالما أكّد سيّد قطب أنّ “الجاهلية هي حالة” في إشارة إلى العمق الفكري الفلسفي لنظريّة الجاهلية والحاكميّة، غير أنّ صالح سريّة الذي كتب رسالة الإيمان منهجا ورؤية للعمل الجهادي، كان قد قدّم الرسالة بوصفها تشخيصا للأعراض والمظاهر، فالكفر بالنسبة له شامل للجميع باستثناء الجماعات الاِسلامية التي تعتقد بالحاكميّة، وخصّص قسما من الرسالة لتعميق مفهوم موالاة الدولة الكافرة والأحزاب الكافرة، وصنّف كل النّاس بالقياس لعلاقتها بالدّولة، فكلّ من هو في ركاب الدّولة كافر يستحق أن تجاهده الجماعة المسلمة، بل إنّ العالم لدى كل منظري الحركات الجهاديّة ينقسم إلى عالم الأشرار وعالم الأخيار، بل هما حزب الشيطان وحزب الله مثلما يقول صالح سريّة، وعالم الشيطان تتصدّره الحكومة ومن والاها، و”كل من ينفّذ أوامرها في ذلك عن طواعية ورضا دون إنكار هو كافر، سواء كان مخبرا أو ضابطا أو محقّقا أو صحفيّا”، فإنّ القوانين والتشريعات والمراسيم الصادرة عن الحكومة الكافرة تعدّ باطلة ومدخلا لعالم الكفر والضلالة، وكل من شارك فيها من المستشارين ورجال القضاء وأعضاء البرلمان والحكومة هم كلّهم في نظر صالح سريّة كفّار، ولكن تبرز خطورة التكفير في الحكم الذي يجب تسليطه عليهم، لأنّ صالح سريّة يعمّم التكفير ليشمل كل معارض للحكم الإسلامي ويقف في وجه العصبة المؤمنة المجاهدة بالقول أو بالعمل، “فهو كافر كفرا صريحا، مباح دم صاحبه، وتطلّق منه زوجته، ولا يصلّى عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يُورّث”، وهو بذلك لا يستثني المثقّفين والكتاب والعلماء الذين لا يتبنّون التصوّر الإسلامي للحكم، ويــغرق صالح سريّة في تكفير كل المظاهر الرمـــزية والطقوسيّة للدولة الوطنية من قبيل “تحيّة العلم.. والسلام الجمهوري.. وتحيّة قبر الجندي المجهول..”، فهي كلها مظاهر للتعبّد لغير الله ومظهر من مظاهر الشكر والكفر.

بعد تحليل معمّق يحتجّ فيه بقراءة تأويليّة للقرآن والحديث، يضع صالح سريّة القواعد العليا للتكفير، وهذا تطوّر فكري يتجاوز تلميحات سيّد قطب وتعميماته، فصار للتكفير قواعد علميّة نظريّة تؤسّس لموجة من التكفير في الدول الاِسلامية وخاصة مصر، وليس في الموروث الإسلامي تقعيد للتكفير وإن كنّا نعثر على شروط الاِتهام بالردّة والزندقة، فالردّة مثلما رأينا في الفصل الأول ترتبط بجدلية العقيدة والسياسة، وكانت الزندقة ترتبط بالفكر والعلم، أما التكفير عند صالح سريّة فيرتبط بعلاقة المسلم بالمشروع الإسلامي في الحاكميّة، وحدّد صالح سريّة ثلاثة قواعد للتكفير:

  • الإيمان هو الحاكميّة: فالإيمان بالله يعني تحكيم شرع الله وشريعته وإلاّ دخل المسلم في دائرة الكفر، فالمسلم لن يحتفظ بصفة المسلم إن لم يلتحق بعد إسلامه بالعصبة المجاهدة لتطبيق شريعة الله في الأرض، وكلّ من شرّع للناس فقد نصّب نفسه إلها، “ومن رضي بهذه التشريعات أو المناهج فقد عبد ربّا غير الله فأصبح كافرا كذا قطعيّا، إذ جعلها بديلا لمنهج الله وشريعته”، وبهذه القاعدة يقع تكفير الحكومات والأحزاب والمجالس النيابيّة، وبها يقع تكفير النظريات السياسية كالليبرالية والاِشتراكية والقومية والدولة الوطنية.
  • شموليّة الإسلام: وتتعلّق هذه القاعدة بتكفير الأفراد بعد تكفير الجماعات في القاعدة الأولى، ويرى صالح سريّة أنّ هذه القاعدة ترتبط بأن لا ينتقي المسلم المؤمن من الإسلام ما يراه مناسبا له في العقيدة دون السياسة، فالمسلم داخل في دائرة الكفر ما لم يطبّق تعاليم الإسلام كلّها، “فمن أراد برأيه أن يقتصر الإسلام على العقيدة أو الشعائر أو الأخلاق فقد كفر بالإسلام.. ولهذا كفّرنا من قصر الإسلام على العبادة وأعطى الحريّة لنفسه لأن يختار النظام الذي يريده للحياة أو حارب تدخّل الإسلام في السياسة”.
  • الإيمان جهاد: وتشمل هذه القاعدة الأفراد والجماعات معا، وقوامها أنّ المسلم المؤمن المجاهد يجب أن يجمع بين ثلاثة: الاِعتقاد الإيماني، العمل الدّعوي، والعمل الجهادي، ومن أسقط ركنا دخل في دائرة الكفّار ووجب تكفيره وقتاله، لأنّ الإسلام ليس اِعتقاد إيماني، “إذ أنّ الحركة الاِسلامية خافت حمل السلاح للجهاد في سبيل الله ظنّا منها أنّ النّاس مسلمون، ولا نجاح إطلاقا بدون جهاد”.

ختم صالح سريّة رسالة “الإيمان” بقناعة أنّ هذه الدّعوة تحتاج إلى مفكّرين عمليين، أو ما يمكن تسميته “المجاهد الحركي” الذي يعلّم النّاس كيف يتحوّل الإيمان إلى فعل تاريخي قوامه الجهاد من أجل تطبيق الإسلام على الأفراد والجماعات وتطبيق شريعة الله، ولتبرير هذا الجهاد في المجتمعات المسلمة كان يحتاج إلى تصوّر شامل لتكفير الآخر الذي لا يتبنّى التصوّر القطبي للتغيير والاِنقلاب، ومعنى ذلك أنّ صالح سريّة لم يستنبط نظريّة جديدة، بل إنّه لم يخرج من عباءة سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي، وكان جهده مقتصرا على التفسير والتّحيين، فقد أخذ تصوّر سيّد قطب ومقاصده ليترجمه عبر قراءة للواقع وتطبيق النظريّة على الواقع الإسلامي، وما كان من العموميات الشموليّة في كتاب “معالم في الطريق” جاءت رسالة الإيمان لتعطيه معنى محسوس تفسيرا للواقع، فلم يعد الإيمان مسألة عقائديّة تتصل بضمير الفرد والجماعة، ولكن صار الإيمان فعلا حركيّا يترجم ما وقر في القلب، ليس بالطقوس الدّينيّة، ولكن بالأفعال الجهاديّة لإرغام الآخر على الطاعة وتطبيق شريعة الله في الأرض.

تبرز خطورة “رسالة الإيمان” في كونها لم تذهب إلى تعريف الإيمان بذاته، بل راحت تعرّف الإيمان بنقيضه في معنى “الكفر”، فكانت “رسالة التكفير” باِمتياز، والرسالة في حدّ ذاتها رسالة عمليّة منهجيّة أشبه بخطّة عمل حركيّة للجماعات الجهاديّة، لأنّها خصّت الإسلام الحركي الجهادي بالخطط العملية في قطيعة تنظيميّة تامة مع الإسلام الحركي السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين، فالرسالة على قصرها ذكرت كلمة “كفر” ومشتقاتها أكثر مما في أدبيات المودودي وسيّد قطب، ووقع طبع رسالة الإيمان وتوزيعها على نطاق واسع في الجامعات المصريّة بعد إعدام صالح سريّة لتكون مرجعا تطبيقيّا لمفهوم الجهاد المعاصر، ولقد كان النص ناطقا بتكفير النّاس إجمالا وتفصيلا، فلقد أراد أن يحسم الصراع الدّاخلي الذي عاشته الجماعات الاِسلامية في شرعية قتل المدنيين والعسكريين والسياسيين والمفكّرين، ووفق منهج صالح سريّة هؤلاء هم كفّار وقتلهم وقتالهم واجب شرعيّ تقوم به العصبة المؤمنة المجاهدة، وشكّل صالح سريّة هذه العصبة من عدد محدود من الشباب عديم الخبرة العسكريّة ليقوم بعمل ارتجالي كان أشبه بالعمل الاِنتحاري لا علاقة له بالجهاد مفهوما وشروطا، ليفتح الباب أمام موجة من التكفير وتشكيل الجماعات الجهادية العنيفة..

تنويه: كل الشواهد في المقال من كتاب صالح سريّة “رسالة الإيمان، أما مساره وسيرته ورؤيته فاعتمدنا على مرافعته في المحكمة بصوته سنة 1976 بعد الإفراج عن التسجيل سنة 2012 زمن حكم الجماعة في مصر.

نقلا عن: المسبار
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: