منوعات

اعتذار العلماء.. الفريضة الغائبة

إذا أخطأتُ وقدمتُ اعتذارًا عن أخطائي، فهل سيقلل الاعتذار من مكانتي؟.. إن كنت أنظر لما هو تحت قدميّ فقط، فستكون الإجابة بنعم، وإن كنت أسعى خلف مصلحة شخصية ضيقة، فستكون إجابتي بنعم.

العلماء الثقات يعرفون أن الذين يعملون هم الذين يخطئون، وعندما يقعون في الخطأ لا يكابرون ولا تأخذهم العزة بالإثم فيقدمون اعتذارًا واضحًا لا غموض فيه ولا لبس ولا لف ولا دوران عن الأخطاء التي وقعوا فيها، لكن علماءنا العرب لهم موقف غريب من الاعتذار، وإليكم تفصيل ما أسلفنا.

الفضيحة في كتاب والتوبة في سطر

لم ينم أبو مصعب الزرقاوي ثم يصحو ليجد نفسه قائدًا لفصيل لم يكن له عمل سوى إراقة دماء الأبرياء، فأبو مصعب الزرقاوي، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، تم صنعه بل وحشوه بيد «أبو محمد المقدسي». والمقدسي- لمن لا يعرف – هذا  هو أحد منظري الفكر المتطرف البارزين، فهو صاحب كتاب «الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية»، وكان لهذا الكتاب أهمية قصوى في زرع بذور العنف الذي شهدته السعودية في منتصف التسعينات، إذ اعترف الذين قاموا بتفجيرات الخُبر، والرياض، بأنهم تأثروا بمؤلفات المقدسي.

التقى الرجلان، الزرقاوي والمقدسي ليؤسسا معًا «جماعة التوحيد» في عام 1993، وقد حددا لتنظيمهما هدفين، الأول: تعبئة الشباب بالفكر الذي يؤمنان به كمرحلة أولى تنتهي بجمع السلاح والتدريب على القتال. أما الهدف الثاني فكان القيام بعمليات ضد الكيان الإسرائيلي.

التاريخ يؤكد أنهما نجحا في تحقيق الهدف الأول نجاحًا ساحقًا، فما أكثر الشباب الذين غرتهم الأمانيُّ وظنوا أنهم يحسنون صنعًا وخاضوا في دماء الأبرياء. أما عن الهدف الثاني فلم نسمع عن قيام تنظيمهما بتوجيه رصاصة واحدة ضد إسرائيل، يعني الجهاد كان ضد المسلمين فقط، ومعهم المسيحيين من أهل الشرق.

بعد أن حصل الزرقاوي على الرخصة الفقهية من المقدسي صنع من دماء المسلمين الشيعة والسنة والأكراد وكل معارض لفكره بحيرة لم تجف بعد.

وبعد أن أريقت كل هذه الدماء، باغت المقدسي الجميع وأصدر بيانًا في عجالة جاء أنه ينصح الزرقاوي بعدم استهداف غير المقاتلين من أبناء العراق، حتي لو كانوا كفاراً أو من النصارى!

فهل رأيتَ اعتذارًا أسخف من هذا الاعتذار؟.. الرجل الذي ألف الكتب المطولة في تكفير معارضيه وخصومه، وكانت كتبه تلك هى الأساس الفقهي الذي قامت عليه حملة الزرقاوي ، هو بنفسه يكتب كلامًا عائمًا كأنه اعتذار.

فما هو موقفه من الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للفتاوى التي أطلقها؟.

هل هم ضحايا أم قتلى هلكوا في صراع الحق والباطل؟

لماذا لم ينسف مقولاته القديمة بكتب واضحة؟

ألف سؤال ولن تجد ردًا، ولكنك ستجد من يهللون لاعتذار المقدسي!

معاشرة البهائم

مثال آخر لهذا الاعتذار الناقص أو المرفوض هو ما فعلته الأستاذة الدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، والتي أفتت قبل عام، بجواز «معاشرة البهائم». وقد أحدثت هذه الفتوى الشاذة في حينها، دويًا هائلًا، وعارضها كثيرون وفندها كثيرون، لكن صاحبة الفتوى غابت عن المشهد حتى بعد الحملة الشرسة التي تعرضت لها، وأخيرًا بل وأخيرًا جدًا ظهرت لتعتذر عن فتواها وتصفها بالشذوذ وقالت نصًا: «أعتذر عن الفتوى الشاذة».

فلماذا تأخرت الأستاذة كل هذا الوقت لتقديم اعتذارها؟!، هل كان شذوذ فتواها يحتاج إلى مراجعة وتدقيق وتمحيص؟.

الحق أن الأمر كان ظاهر الوضوح منذ البداية، وأخشى أن يعمل أحدهم بالفتوى القديمة ولا يلتفت لاعتذار صاحبتها عنها، وذلك لأن النفس أمارة بالسوء وتميل للذين يطلقون حريتها في فعل أي شيء.

ثم وفي سياق متصل قالت الأستاذة في فتوى ثانية: «إن قول الرجل لخطيبته أحبك: حرام».. هذا كلام صعب جدًا، فهل يقول لها أكرهك لكي يكون الأمر حلالًا.

كيف لا تضع الأستاذة وهى من هى، إطارًا لفتواها وقواعد وشرحًا وافيًا، لكي لا يحدث كلامها فتنة بين طوائف المجتمع؟ فلو قالت مثلا بعدم جواز فتنة الرجل لخطيبته لكان كلامها مقبولًا يمكن العمل به، ولكن أحبك هذه هى مفتاح القلوب فكيف يتم تحريمها؟

المغرضون

أحدث حالات الإعتذار الناقص كان بطلها الداعية السلفي الشيخ أبو إسحاق الحويني المتخصص في علم الحديث.. فقد ظهر الرجل في فيديو (مجمّع) وقال: «كل سُنة كنا نعرفها نعتقد أنها واجبة، ومكناش نعرف الفرق بين الواجب والمستحب، وإن فيه درجات في الأحكام الشرعية.. فعرفت أنه عندما لم ندر تدرج الأحكام الشرعية كيف جنينا على الناس، لم نكن ندري درجات الأحكام الشرعية فأفسدنا كثيرًا بحماس الشباب».

ثم قال: «نادم على بعض كتبي الأولى، تمنيت أن بعض الكتب تتأخر شوية، وكنت بقول لازم أجود وأحط البصمة بتاعتي، علشان أبين إننى إمام ومحقق كبير، وحاجات باستحي منها كتير، إذا كتبت كلمة في قرطاس خلاص راحت». ثم أضاف: «لا أنكر أني كنت متسرعًا، باحب الشهرة، طول ما أنا حي هصلح غلطي»!

كلام الشيخ الحويني لا غبار عليه – من حيث المبدأ، لكن أخطاء الشيخ كانت مسجلة في كتب، فهلا قام بتأليف كتاب يصحح فيه ما كان من خطأ أو نسيان أو تجاهل لعطاء علماء سبقوا؟!

ما أحدثته كتب وأراء الحويني- وهو أحد رموز السلفييين في مصر – من تحولات أشهر من أن نشير إليها، وها هو يعترف بأنه تسرع في بعض ما كتبه بحماس الشباب أو بحب الشهرة. لكن هذا الاعتراف ناقص، لأن التصحيح المكتوب هو الذي سيبقى وسيعدل كفتي الميزان، فكثيرون ينظرون للشيخ نظرة خاصة، وقد اعتقدوا في صحة كلامه الأول، وقد لا يراجعون أنفسهم حتى بعد أن قال الشيخ في نقد نفسه ما قال.

الأحداث كلها تؤكد أن الاعتذار كسلوك وثقافة وقيمة، هو الفريضة الغائبة عن أذهان كثيرين من العلماء العرب، وقد غابت غيابًا تامًا عن ذهن الشيخ هيثم الحويني ابن الشيخ أبو إسحاق، فالشيخ هيثم نفى أن يكون والده قد قدم اعتذاره ووصف مروجي هذا المعنى بالمغرضين !

فعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود ؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: