فن

ظاهرة «شاكوش» و«رمضان».. وأزمة ما بعد الثورات والتحولات الكبرى

أصبح مطرب المهرجانات «حسن شاكوش» حديث الشارع المصري، بعد أن دخل على خط الفنان محمد رمضان، وتجاوزه في نسبة المشاهدات على اليوتيوب بعد أن حققت أغنيته «بنت الجيران» أكثر من 77 مليون مشاهدة، جالبة أرباحا مالية غير مسبوقة. 

انشغل الملايين بأغنية شاكوش وتبارى كثيرون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي فى الهجوم على الأغنية، والتباكي على أحوال الفن فى مصر وما آل إليه الذوق العام من تدني وتراجع وما أصاب الأغنية من إسفاف.

حسن شاكوش

وفى التوقيت نفسه انطلقت حملات شعبية عبر وسائل التواصل أيضا تطالب بمقاطعة أعمال «محمد رمضان» – على خلفية أزمته المتداولة مع الطيار -الذي سمح لرمضان بقيادة طائرته – لكى يعبروا عن رفضهم لما يقدمه من أعمال فنية وأغاني غريبة يرون أنها أحد أسباب انحدار الذوق العام وتردى أخلاق أجيال من الشباب ونشر سلوكيات وتصورات لا تتناسب مع طبيعة المجتمع، ولا تتوافق مع الدور الذى يجب أن يقوم به الفن.

وبين «شاكوش» و«رمضان» اصطف الملايين دفاعا عن قيم المجتمع وأخلاقه وفنه العظيم، وكأن من ساهموا فى شعبية «رمضان» و«شاكوش» شعب آخر غيرنا، أو أن الذين دخلوا على اليوتيوب ليشاهدوا أغنية «شاكوش» جاءوا من بلاد الواق واق!

أزمة قديمة متكررة

الأزمة أعمق بكثير من مجرد أغنية هابطة أو فيلم ردىء، ومسيرة الفن فى مصر بل وفى العالم تؤكد أن الشعوب تعانى فى فترات معينة من انتشار نوعية هابطة من الفنون.. تلك الفترات عادة ما تعقب الحروب أو الثورات أو المتغيرات الإجتماعية والإقتصادية العنيفة أو الكوارث الطبيعية الكبرى، حيث يعانى المجتمع من حالة انحدار وعدم إتزان تستمر بعض الوقت، وتحتاج الشعوب خلالها إلى محاولات إنقاذ و تدخل سريع للتخفيف من وطأة هذا الإنحدار.

وقد شهدت مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وعقب دخول الإحتلال الإنجليزي موجة إسفاف وإنحدار فى الأغنية، تعد الأسوأ فى تاريخنا المعاصر، ولم يَنجُ من تلك الموجة أحد من الفنانين الكبار بمن فيهم سيد درويش الذى قدم أغنيات هابطة منها «وأنا مالى ما هى اللي قالتلى». كما غنت أم كلثوم عام 1926 «الخلاعة والدلاعة مذهبي»، وقامت بسحب إسطوانة تلك الأغنية عام 1953، بعد لقاء جمعها بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي أبدى وقتها انزعاجه من انتشار الأغنيات الهابطة بشكل يهدد قيم المجتمع. 

 كما قدم محمد عبد الوهاب في عام 1927 أغنية «فيك عشرة كوتشينة في البلكونة» في سياق الأغنيات – الهابطة التى انتشرت خلال تلك المرحلة التى بدأت مع الحرب العالمية الأولى «1914- 1918»، واستمرت حتى الحرب العالميه الثانية«1939- 1945». لكن كان يُقدم إلى جانب تلك الأعمال  الهابطة، أعمال جادة للغاية نتذكرها حتى الآن، ولم تترك الساحة تماما لتلك الأغنيات الهابطة لكي تستبيح الذوق العام. 

و عقب نكسة يونيو 1967، ومع بدايات السبعينيات ظهر مطربون مثل «أحمد عدوية» و«كتكوت الأمير» وانتشرت أغنيات مثل«السح الدح امبو» وغيرها الكثير، كما شهدت تلك المرحلة – رغم  وجود عبد الحليم حافظ ممتلكا ناصية الغناء العربى – ظاهرة الكاسيت وما صاحبها من انتشار ما يُعرف بأغنية «الميكروباص».

لكن ظاهرة الكاسيت لم تكن شرا كلها، بل حوت جوانب إيجابية أيضا، فقد كان لها الفضل فى ظهور تيار فى الأغنية المصرية عُرف فيما بعد «بالاغنية البديلة»، حيث الموسيقى المغايرة والكلمات المختلفة.  

وعقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كنا على موعد مع تنامي ظاهرة «شعبان عبد الرحيم» و«عبد الباسط حمودة» وغيرهما، والتى إنتشرت بقوة رغم وجود أصوات متميزة على الحجار ومحمد منير ومحمد الحلو وغيرهم من رموز الأغنية الجادة.

ومؤخرا وعقب ثورة 25 يناير ظهرت وجوه جديدة فى عالم الأغنية الهابطة، وزاد انتشار وذيوع أغنية «المهرجانات»، التي سيطرت على ذوق الغالبية من الشباب المصرى، مرورا بنماذج أغنيات «محمود الليثى ومروة»، وموجة جديدة من أغنيات تقدم إيحاءات غير لائقة، ويتم تصويرها بطرق أكثر إثارة، ليصل قطار هذا اللون من الغناء إلى محطة الأغنية مثار الجدل ل«حسن شاكوش».

رمضان.. والطريق السهل

 الفنان محمد رمضان بدأ مشواره القصير ممثلا مبشرا جدا، خاصة عندما أطلق المبدع «يسرى نصر الله» طاقاته فى فيلم «إحكى ياشهرزاد»، كما قدم دورا مميزا فى فيلم «الخروج من القاهرة» 2010 للمخرج هشام عشماوى، إلا أنه – على مايبدو – اختار الطريق الأسهل لتحقيق الثروة والشهرة والحصول على نجاح سرعان ما يزول مع قليل من الوقت. وكان الأحرى ب«رمضان» أن يبحث عن قيم هادفة لفنه، وأن يجدد نفسه و يهتم بموهبته، لكنه إختار حتى الآن أن يخسر جزءا كبيرا من جمهوره، وانشغل بتقديم أعمال لا تحمل أى قيمة فنية، فخسر من الجانبين.. جانب الفن وجانب صورة النجم المحبوب، ومن ثم خرجت دعوات لا يستهان بها تطالب بمقاطعة أعماله. وبغض النظر عن مدى تأثير تلك الدعوات على «شباك التذاكر» إلا أنها ستظل لعنة تطارده طوال مسيرته الفنيه، إلا اذا استطاع تغيير تلك الصورة عنه وعن فنه.

شواكيش السينما !

ما ينطبق على الغناء ينطبق بشكل أو بآخر على السينما التي تعاني من نقص حاد فى الدعم والإنتاج. فبعد أن كان عدد الأفلام يصل الى 70 فيلما فى العام، انخفض العدد الذى ننتجه، بحيث لم يعد يزيد عن 10 أعمال سنويا، وهو ما يدل على حجم الأزمة. وفاقم من هذا الوضع تراجع الدولة تماما خلال العقود الماضية عن دعم صناعة السينما مما ألقى بالصناعة كاملة فى أحضان المنتج الخاص غير المتخصص والذى لا يشغله تقديم قيمة فنية كما كان يفعل منتجون سينمائيون محبون للصناعة مثل المنتجة «آسيا» أو«الفنانة ماجدة الصباحى».

ورغم ذلك تبقى هناك بعض النماذج المضيئة مثل تجربة فيلم «الممر» الذى إستطاع ان يحقق أعلى ايرادات رغم منافسة الأفلام التجارية.. لكن المناخ السينمائي الحالي بشكل ام يمتلىء بأمثال حسن شاكوش.. والأمر قديم أيضا، فقد شهدت مصر فى عقد الثمانينيات ظاهرة أفلام «المقاولات» وكانت ظاهرة شديدة السوء والتردى، ولكن سرعان ما ولدت فى نفس المرحلة حركة «الواقعية الجديدة» لتقدم أروع أفلام عاطف الطيب ومحمد خان وخيرى بشارة، وهو ما نتمنى أن يتكرر في وقتنا الراهن، سواء في السينما أو الدراما أو الغناء، وحتى لا نترك الساحة مستلبة لشاكوش ورمضان ومن على شاكلتهما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: