منوعات

الحكيمباشي إبراهيم النبراوي.. من بائع بطيخ.. إلى أشهر أطباء عصره

عندما جاء الطبيب الفرنسي «أنطوان براثيليمي كلوت» («كلوت بك» فيما بعد)، إلى مصر عام 1825 كان هذا باستدعاء من محمد علي باشا والي مصر، الذي كلف صديقه التاجر الفرنسي «مسيو تورنو» بالذهاب إلى فرنسا ليختار له من يليق بمنصب طبيب لجيشه الذي أنشئ حديثا عام 1820. وبعد اللقاء الأول بين كلوت بك ومحمد علي باشا، أسند إليه الباشا مهمة تنظيم الإدارة الصحية للجيش المصري، وجعله رئيس الأطباء بالجيش.

مدرسة الطب

ولما كان مقر المعسكر العام للجيش المصري حينئذ يقع بالخانكة، اقترح كلوت بك إنشاء مستشفى بأبي زعبل (القريبة من الخانكة)، فوافق محمد علي وأنشأ المستشفى العسكري، الذي أصبح فيما بعد مستشفى عاما لعلاج الجنود وغيرهم من أهل البلد. وبعد مضيْ سنتين، في عام 1825، اقترح كلوت بك إنشاء «مدرسة الطب» (هكذا كان اسمها في ذلك الوقت)، لتخريج الأطباء المصريين للجيش، ثم صار الغرض عاما بأن أصبح الأطباء المصريون المتخرجون في هذه المدرسة يقدمون الخدمة الصحية لعموم الناس إلى جانب أفراد الجيش.

ونلاحظ هنا أن فكرة إنشاء «مدرسة الطب»، وتأسيس مهنة الطب في مصر، برزت كمهنة رديف للجيش النظامي الحديث، شأنها في ذلك شأن كل المدارس التي أُنشئت في ذلك الوقت، مثل: مدرسة المهندسخانة، ومدرسة الصيدلة، ومدرسة المعادن، ومدرسة المحاسبة، ومدرسة الفنون والصنائع (وتسمى مدرسة العمليات)، ومدرسة الزراعة، ومدرسة الطب البيطري، والمدارس التجهيزية (الثانوية) بالقاهرة والإسكندرية، كل هذه المدارس وغيرها علاوة على البعثات العلمية إلى ايطاليا وفرنسا وانجلترا والنمسا، كل ذلك كان جزءًا من المشروع العام لمحمد على، وتلبية لمتطلبات تحقيق أحلام التوسع، والاستقلال عن الباب العالي، وإنشاء امبراطورية مصرية كبرى.

ابن نبروه.. وصدمة القاهرة

تولى كلوت بك إدارة المستشفى والمدرسة، ووفر نخبة من خيرة الأساتذة الأوروبيين – ومعظمهم من الفرنسيين- وفي هذا يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، في كتابه (عصر محمد علي): «واختارت الحكومة 100 تلميذ من طلبة الأزهر………… يدرسون علوم التشريح والجراحة، والأمراض الباطنية، والمادة الطبية، وعلم الصحة، والصيدلة، والطب الشرعي، والطبيعة، والكيمياء، والنبات، وكان في المدرسة أيضا أساتذة آخرون لتدريس اللغة الفرنسية للتلاميذ الأزهريين».

كان من بين المائة تلميذ الأزهريين الذين اختيروا للالتحاق بالمدرسة، «إبراهيم النبراوي»، وهو شاب من «نبروه» (قرية كانت تتبع مديرية الغربية وقتها، لكنها الآن مركز يتبع محافظة الدقهلية). لم يكن إبراهيم النبراوي يتصور أنه سيكون من أبرز أطباء مصر، وأن كتب التاريخ ستذكره. فيقول عنه علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية: «وهو أنجب من اشتهر في التجريح (الجراحة)، ذو إقدام على ما لم يقدم عليه غيره…… ويعمل العمليات المنتجة للصحة، ولم يسبقه في ذلك غيره. وكان يكتسب من ذلك أموالا جسيمة، فملك كثيرا من العقارات والجواري والمماليك وغير ذلك».

نشأ إبراهيم النبراوي بقريته نبروه، صبيا يعمل في فلاحة الأرض مع أبيه الفقير، ولم يكن أبوه يملك أكثر من بضعة قراريط من الأرض يزرعها بالفاكهة والخضروات، ثم يبيع المحصول في مدينة طنطا عاصمة المديرية حينئذ. كان إبراهيم يذهب إلي كُتَّاب القرية، لكنه رغب في أن يساعد والده في تسويق محصوله، الذي كان في ذلك العام «بطيخ»، فظن أنه لو قام ببيع المحصول في المحروسة (القاهرة) فسيستطيع الحصول علي ثمن أغلي وربح أكثر، فأشار على والده بذلك فوافق الوالد. وعندما حان حصاد المحصول استأجر إبراهيم جملا وقام بتحميل البطيخ، وسافر إلى القاهرة، وذهب إلي حي الجمالية المزدحم بالمارة، ظناً منه انه يستطيع الحصـول علي بيع سريع ومكسب أكبر في هذا الحي.

وعندما عرض بضاعته ومحصوله للبيع وجد أن سعر البطيخ ينخفض (نتيجة ضيق ذات اليد لعوام الناس في هذه الفترة)، فرأي أن ينتظر يوما أو يومين ربما يرتفع السعر ولكن دون فائدة، والوقت ليس في صالحه، فالبطيخ بدأ يفسد كلما مر الوقت، فباع المتبقي منه بسعر بخس، وقام بدفع أجرة صاحب الجمل وطلب منه أن يعود ويبلغ والديْه اعتذاره لعدم قدرته علي تحقيق ما وعدهما به، وأن يبلغهما أنه لن يعود إلى «نبروه» إلا بعد أن يشق طريقه في القاهرة، حتى يعوض ما أصابه من فشل. وأثناء سيره في شوارع الجمالية بحثاً عن عمل، وجد مسجدا كبيرا، وتعجب من تجمع التلاميذ داخله في حلقات، كل حلقة بها شيخ يدرس لهم، فسأل وعرف انه الجامع الأزهر وأن هؤلاء تلاميذ يتلقون العلم، فقرر أن يصبح عالماً مرموقا، وأن يتعلم حتى يعود لقريته شيخاً للقرية يحترمه الجميع، ويسـتطيع وقتها أن يعوض والديه عن خسائر صفقة البطيخ. لم تمر شهور حتى بدأت الحكومة في اختيار بعض تلاميذ الأزهر لإلحاقهم بمدرسة الطب بأبي زعبل، وكان إبراهيم النبراوي، الذي اشتهر بين أساتذته بنبوغه، من بين من وقع عليهم الاختيار لدراسة مهنة الطب بالمدرسة المنشأة حديثا. هكذا انتقل إبراهيم من طالب أزهري، يحلم بأن يعود إلي قريته شيخاً لمسجد القرية، إلي مدرسة الطب التي سيتخرج فيها طبيبا ذائع الصيت.

مستشفى قصر العيني

بحلول عام 1837 أصبح مستشفى «أبو زعبل» يضم 720 سريرا، ويقول عبد الرحمن الرافعي في كتابه عصر محمد علي: «ذكر المسيو مانجان («فيلكس مانجان» قنصل فرنسا العام في مصر في عهد محمد علي) أن عدد تلاميذ مدرسة الطب بلغ 140 طالبا سنة 1837، و50 طالبا في مدرسة الصيدلة، ووصف مستشفى أبي زعبل فقال: إن غرفه منسقة تنسيقا بديعا، يتخللها الهواء الطلق، وتسودها النظافة حيث عهد إلى مدرسي مدرسة الطب ملاحظة خدمة المستشفي، فجمعوا بين التدريس وملاحظة المستشفى. ثم نقلت المدرسة ومعها المستشفى إلى مصر (يقصد القاهرة) سنة 1837، واختير لها قصر العيني، فصارت المدرسة والمستشفى أقرب وأدعى إلى نشر التعليم الطبي ومعالجة المرضى».

البعثة الطبية الكبرى

في عام 1832 أرسل محمد علي البعثة الرابعة من بعثاته العلمية إلى أوروبا، وكان عدد أعضائها 12 طبيبا من أوائل خريجي الدفعة الأولى من مدرسة الطب المصرية بأبي زعبل، اختارهم دكتور كلوت بك بنفسه ليتمموا علومهم في باريس، حتى إذا عادوا عينوا أساتذة في مدرسة الطب، وفي هذا الصدد قال كلوت بك: «وكان هذا هو الغرض الذي أقصده، إذ كان من الواجب لإقامة علم الطب في مصر على دعائم ثابتة وطيدة، من صبغه بالصبغة المصرية، وهو ما لم يكن متيسرا إلا بتكوين أساتذة من المصريين يلقون الدروس من غير حاجة إلى مساعدة المترجمين» وقد كان من حسن الحظ أن أقام أولئك التلاميذ في امتحانهم أمام الأكاديمية الباريسية الدليل على حذقهم وتفوقهم حتى استحقوا أن ينالوا لقب الدكتوراه من جامعة الطب بباريس». وكما نبغ إبراهيم النبراوي في الأزهر، نبغ في دراسة الطب، وتم اختياره ضمن هذه البعثة من أوائل خريجي مدرسة الطب.

محمد علي باشا

حكيمباشي الأسرة المالكة

عاد الدكتور أوالحكيمباشي إبراهيم النبراوي من فرنسا بعد أن أتم دراسته وحصل على درجة الدكتوراه، يصطحب زوجته الفرنسية التي ساعدته كثيرا في تعلم لغتها. أصبح إبراهيم النبراوي مدرسا في مدرسة الطب، وكان من أوائل المصريين الذين اشتغلوا بالتدريس في ذلك الوقت، وأشتُهر كأفضل أطباء عصره، وأحد أنبغ الجراحين، حتى وصلت شهرته لمحمد علي، فاختاره ليصبح حكيمباشي الأسرة المالكة.

وقد عاصر علي باشا مبارك، الدكتور إبراهيم بك النبراوي، فترجم له في كتابه الشهير «الخطط التوفيقية» حيث قال: «ولنجابته وحسن درايته في فنه اختاره العزيز محمد علي باشا حكيمباشي لنفسه، وقرّبه وتخصص به، وبلغ رتبة أميرالاي، وكثرت عليه إغراقات العزيز، وانتشر ذكره، وطلبته الفامليات والأمراء» وانتخبه أيضا المرحوم عباس باشا (خليفة محمد علي ووريثه في حكم مصر) حكيمباشي له بعد جلوسه على التخت، واختارته والدته أيضا للسفر معها إلى الحج بالأراضي المقدسة، ولما رجع من الحج وجد زوجته الإفرنجية التي كان أتى بها من بلاد الإفرنج قد ماتت، فأخرجت له والدة المرحوم عباس باشا إشراقة من جواريها، وأنعمت عليه بها».

ألّف الدكتور إبراهيم النبراوي كتابا بالفرنسية أثناء بعثته بعنوان: «الأربطة الجراحية»، ثم ترجمه إلى العربية فيما بعد. وتَرْجم من الفرنسية إلى العربية كتابين من تأليف أستاذه دكتور كلوت بك، وهما: «نبذة في الفلسفة الطبيعية»، و«نبذة في أصول الطبيعة والتشريح العام».

وفي عام 1862 توفي إبراهيم النبراوي بالقاهرة من جراء داء الربو، أما تاريخ مولده فغير معلوم، وبعض المصادر تشير إلى إنه ولد قبل1817. 

المصادر:

عصر محمد علي، عبد الرحمن الرافعي، دار المعارف، الطبعة الخامسة 1989.

لمحة عامة إلى مصر، أ.ب. كلوت بك، دار الكتب والوثائق القومية، 2011.

الخطط التوفيقية الجديدة، علي باشا مبارك، دار الكتب والوثائق القومية، الجزء 17، الطبعة الثانية 2003.

ويكيبيديا الموسوعة الحرة، موقع على الإنترنت.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: