منوعات

في مثل هذا اليوم.. العالم يخلِّد نضال طلاب مصر

كانت الحركة الطلابية المصرية دوما فى طليعة النضال الوطنى، وقد نقشت سطورا مضيئة فى صفحات مقاومة المحتل فى كل العصور، وإنطلقت شرارة غضبها فى وجه كل أشكال الظلم والإستبداد، وقدمت عشرات الشهداء ومئات الجرحى، ودفع آلاف الطلبة ثمن مواقفهم الوطنية سنوات من السجن والتنكيل والمطاردات.

لكن السؤال المؤرق الذى يُلح في وقتنا الراهن: هل يعرف طلاب مصر الآن شيئا عن تاريخ أسلافهم النضالي؟ نطرح هذا السؤال ونحن نحتفل بذكرى يوم من أعظم أيام النضال الوطني المصري ضد الإستعمار، وهو «يوم الطالب العالمى» الذى يوافق 21 فبراير من كل عام.. ذلك اليوم الذى تخلِّد فيه الحركة الطلابية العالمية نضال طلاب مصر ووقوفهم فى وجه الإحتلال البريطاني عام 1946، وسقوط عشرات الشهداء والجرحى من الطلبة فى واحد من أكبر الإحتجاجات التى شهدها الوطن ضد المحتل الأجنبي.

سبيكة وطنية

كانت الحركة الطلابية المصرية على الدوام مكونا أساسيا فى نسيج النضال الوطني الشعبي طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، والذى تُعد ثورة 1919 واحدة من حلقاته الهامة التى شهدت مشاركة واضحة للطلاب فى التظاهرات والاحتجاجات التى اجتاحت مدن مصر وقراها.

وأخذت الحركة الطلابية أشكالا أكثر تنظيما مع إنشاء جامعة فؤاد الأول – القاهرة حاليا – عام 1908 وتوحدت غالبية التيارات السياسية حول قضية رئيسية وهى المطالبة بالجلاء التام بالدرجة الأولى، ثم النضال المتواصل من أجل دستور يحقق الإستقلال غير المنقوص، كل هذا ساهم فى تبلور حركة طلابية ناضجة تحمل مطالب وطنية يُجمع عليها كل الفرقاء، ومن هنا فإنه ليس غريبا أن تشكيل «اللجنة الوطنية للعمال والطلبة» فى 18 فبراير 1946 التى جمعت بين «الطبقة العاملة المصرية» صاحبة المصلحة فى التغيير وبين «الطلاب» أصحاب الوعى بأهمية تحقيق التغيير المنشود، قد ضمت كل ألوان الطيف السياسى فى مصر آنذاك، وكانت تلك التحالفات الجبهوية بأطيافها المختلفة تنصهر في سبيكة وطنية واحدة دون أن يرفع أحد أطرافها شعارا حزبيا او أيدلوجيا، ويمثل هذا التوافق أحد تجليات النضج فى الحركة الطلابية المصرية وفي الحركة الوطنية بشكل عام، وكان من أبرز قادة «اللجنة الوطنية للعمال والطلبة» كل من مصطفى موسى ولطيفة الزيات وعبد المحسن حمودة وزكى مراد وحسن صدقى وأحمد الرفاعى وسيد البكار ومحمد الجندى وطه سعد عثمان وهؤلاء يمثلون قوى سياسية مختلفة منها الطليعة الوفدية والحركة الشيوعية وغيرها من القوى المناهضة للإحتلال، والتى تمسكت بدستور1923، فى حين لم يشارك طلاب جماعة الإخوان المسلمين، فى تشكيلات اللجنة التنفيذية العليا للطلبة، وعقدوا مؤتمرا موازيا، بينما شارك عدد من طلاب جماعة «شباب محمد» وهى جماعة منشقة عن الإخوان حينذاك. وقد أعلنت اللجنة التى قادت أحداث الغضب العارم فى فبراير 1946 عن ميثاقها المعلن، والذي تضمن عددا من الأهداف والمطالب على رأسها تدويل القضية المصرية والجلاء التام برا وجوا وبحرا عن كل شبر من أراضى وادي النيل والتحرر من العبودية الاقتصادية.

الطلبة والعمال.. إيد واحدة

كانت مصر تفور غضبا وتتمسك بمطالبها الثابتة بالجلاء وعودة دستور 1923، والحركة الطلابية تقود الثورة ضد غطرسة الإحتلال وضعف القصر وتخرج المظاهرات ويسقط الشهداء والجرحى ويتواصل عنف الحكومات المتعاقبة ضد الطلاب الذين صاروا يشكلوا ضغطا متواصلا لتحقيق آمال الشعب

وفى 24 فبراير 1945 تم تكليف محمود فهمي النقراشي بتشكيل الوزارة، وبدأ فى استئناف المفاوضات مرة أخرى مع بريطانيا حول الجلاء، وكانت الحرب العالمية الثانية قد إنتهت، كما تم الإعلان عن تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وظن المصريون أن حلمهم فى الجلاء قد أوشك أن يتحقق. لكن بريطانيا أكدت على ثوابت ومكتسبات معاهدة الصداقة والتحالف التي عقدتها مع مصر عام 1936 والتي أعطت مصر استقلالاً منقوصاً.

الأمر الذي دفع «اللجنة التنفيذية العليا للطلبة» في 9 فبراير 1946 لعقد مؤتمر عام في جامعة القاهرة – فؤاد الأول – لمناقشة حال البلاد في ظل الاحتلال، شارك فيه الكثير من طلاب المعاهد والمدارس، وشن المؤتمر هجوما حادا على مبدأ الدفاع المشترك مع بريطانيا الذي يحمل معنى الحماية الاستعمارية، واعتبر المفاوضات عملاً من أعمال الخيانة يجب وقفه، وطالب بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي 1899 حول السودان وضرورة إجلاء القوات البريطانية فورًا.

ثم خرجت من الجامعة أضخم مظاهرة عرفت منذ قيام الحرب العالمية الثانية، فعبرت شارع الجامعة ثم ميدان الجيزة إلى كوبري عباس، وما إن توسطته حتى حاصرتها قوات الشرطة من الجانبين وفتحت الكوبري عليها وبدأ الاعتداء على الطلاب، فسقط البعض في النيل وقتل وجرح أكثر من مائتي شخص.

يروى «فاروق القاضى» أحد نشطاء اللجنة الوطنية للعمال والطلبة فى كتابه «فرسان الأمل – تاريخ الحركة الطلابية المصرية»، تفاصيل فتح كوبري عباس على المتظاهرين قائلا: «لم نكد نقطع الربع الأول من الكوبرى حتى لاحظنا أنه بدأ ينفتح.. أبطأنا فى السير وتوجهت مجموعة من طلبة الهندسة إلى أسفل الكوبري حيث قاموا بالسيطرة بسرعة على مفاتيحه، وعاد ينغلق لكنه لم ينغلق تماما إذ ظل جزء بسيط حوالي متر تقريبا عند طرفيه يمينا ويسارا غير مغلق» ويضيف: «قوة الضغط جعلت بعض الطلاب عند الجانبين المفتوحين يسقطون فى الماء، وآخرون على الجانبين فضلوا أن يُلقوا بأنفسهم فى النهر فرارا من الجروح الدامية والكسور المضاعفة».

كما اندلعت المظاهرات في المنصورة حيث أصيب فيها سبعة شباب وثلاثة جنود واعتقل أربعة، كما اعتقل عدد من الشباب في أسوان، وفي اليوم التالي عمت المظاهرات القاهرة والأقاليم. وفي 12 فبراير نظم الطلاب جنازة صامتة على أرواح الشهداء، وصلَّى طلاب الأزهر صلاة الغائب عليهم، ووقعت اشتباكات بين الشباب والبوليس أمام كلية الطب، خلال محاولة فض مؤتمر عقده الطلبة بالكلية، واعتقل عشرات الطلبة.

كما وقعت اشتباكات أخرى في الإسكندرية أسفرت عن بعض الإصابات، كما خرجت مظاهرة بالزقازيق قتل خلالها اثنان، وفي المنصورة قُتل شاب وجرح المئات. واتسعت دائرة المشاركين لتشمل العمال وفئات أخرى من الشعب المصرى التى تضامنت مع مطالب وشعارات المظاهرات الطلابية

وفي 15 فبراير خرجت مظاهرات أخرى بعد صلاة الجمعة بالقاهرة تهتف بالجلاء وبحياة الشهداء، كما خرجت مظاهرة عنيفة في بورسعيد بعد صلاة الجمعة تصدت لها الشرطة بعنف ووقعت عشرات الإصابات بين المتظاهرين واعتقل 65 من بينهم كما تجمعت بعض المظاهرات من الشباب والطلاب أمام القصر الملكي بعابدين تهتف بجلاء الاستعمار والوحدة مع السودان.
إضراب عام.. ومظاهرات حاشدة.

وفي يوم 21 فبراير 1946، دعت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، إلي الإضراب العام ضد سلطات الاحتلال ردا علي أحداث 9 فبراير وسمته (يوم الجلاء)، وأصدرت اللجنة ميثاقا وطنيا حددت فيه أهداف الشعب وعلى رأسها الجلاء التام عن مصر والسودان. واستجابت مصر كلها لدعوات الإضراب العام في هذا اليوم وخرجت المظاهرات تطوف الشوارع، وأدى الإضراب إلى اشتباك الطلاب مع القوات البريطانية في ميدان الإسماعيلية –التحرير حاليا- حيث فتحت ثكنات الجيش البريطاني النار علي المتظاهرين، وقام الطلاب بحرق أحد المعسكرات البريطانية، واقتحمت السيارات العسكرية البريطانية المظاهرة واصطدمت بالجموع المحتشدة، وأسقطت 23 قتيلاً و121 جريحاً، وامتدت مظاهرات الطلاب إلى أسيوط جنوبًا والإسكندرية شمالًا، وأسفرت تلك الأحداث عن سقوط 28 شهيدا و432 جريحًا.

وقد تضامنت الحركات الطلابية فى العالم مع نضال طلاب مصر ضد الإحتلال واعتبرت هذا اليوم 21 فبراير هو يوم الطالب العالمي ،تخليدا لنضال المصريين وتضحياتهم . ليبقى ذلك اليوم العظيم حيا فى وجدان الذاكرة الوطنية المصرية على مر العصور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق