رؤى

«السلفية».. الفكرة الخائفة في عصر عاصف بالأفكار (1)

اعتاد الباحثون تعريف السلفية كمدرسة دينية في التاريخ الإسلامي، بوصفها مدرسة تزعم أنها تتبع ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وما كان عليه التابعون وتابعو التابعين، وأئمة الدين ممن شُهد لهم بالإمامة، وعُرف عظيم شأنهم في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، كالأئمة الأربعة والسفيانيْن (سفيان الثوري، وسفيان ابن عيينة) والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن، دون من رمي ببدعة، أو شُهر بلقب غير مرضي مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة.

ويذهب المحققون إلى أن مذهب السلف يقوم على الأخذ بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فهمها الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون، وتابعوهم، فهي تعتمد على صريح القرآن الكريم وناطق السنة النبوية.

وإن كان الشيخ أبو زهرة يعرّف السلفيين بأنهم «أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوصف، وأولئك ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، وزعموا أن جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيا عقيدة السلف وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، أحياه شيخ الإسلام ابن تيمية، وشدد في الدعوة إليه، وأضاف إليه أمورا أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها أحوال عصره». (الشيخ أبو زهرة – تاريخ المذاهب – مبحث (السلفيون).

الشيخ محمد أبو زهرة

نبوءات الرسول

ويبدو ظهور المذهب السلفي القائم على تقليد عقائد وسنن الرعيل الأول من المسلمين طبيعيا إذا أخذنا في اعتبارنا حرص المسلمين على نقاء عقيدتهم من ناحية، وذلك الزخم الهائل من الأحاديث النبوية الشريفة التي تنذر بوقوع فتن كقطع الليل المظلم، أو افتراق الأمة على عدد من الفرق بلغ الاثنين والسبعين جميعهم في النار ما عدا واحدة هي التي جرى وصفها في الحديث الشريف بأنها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته

 لذلك بدت نشأة التيار السلفي نشأة خائفة، ينتابها الرعب من الوقوع بين براثن الضلال والذي سيسقط فيه أغلب المسلمين وفق الحديث النبوي لا محالة، لاسيما في عصر عاصف بالأفكار والتيارات والفتن، لذلك رأت تلك الفئة النجاة في الاستمساك  بما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته خوفا من الوقوع في الضلال والفتن في الدنيا، والعذاب المقيم في الآخرة.

لم تكن نبوءات النبي -صلى الله عليه وسلم- رجما بالغيب إذ سرعان ما ظهر بعد وفاة النبي وفي السنوات الأولى من القرن الأول الهجري رجلان كان لهما أكبر الأثر في توجه التاريخ الإسلامي أما أولهما فكان عبد الله بن سبأ، وأما الثاني فهو سوسن العراقي، فإلى أولهما يعزو ظهور فرق الشيعة والخوارج والروافض، وإلى الثاني يعزو ظهور أغلب فرق المتكلمين سواء المغالين الذين عدوا من الفرق الضالة، أو مناوئيهم الذين ظهروا كرد فعل عليهم من أهل السنة والجماعة كالأشاعرة.

طرح عبدالله بن وهب ابن سبأ ثلاث قضايا قد لا نبالغ إذا قلنا أنها ساهمت بشكل مباشر في تشكل الحياة الدينية والسياسية في القرون التالية:

أول هذه القضايا: زعمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوصى لعلي رضي الله عنه بالإمامة، فهو خليفته على أمته بالنص الذي زعمه ابن سبأ.

ثانيها: زعمه رجعة علي – رضي الله عنه- بعد موته، وبرجعة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثها: زعمه أن عليا – رضي الله عنه لم يقتل وأنه حي يسكن في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأن فيه جزءا إلهيا.

بهذه الآراء التي نفثها ابن سبأ نبتت آراء باعدت بين بعض المسلمين وما كان عليه صحابة رسول الله – صلعم- فمنه جاءت أقوال الغلاة من الرافضة القائلين بحصر إمامة المسلمين في الاثنى عشر إماما (الإثنى عشرية)، والقائلين بأنها محصورة في ولد اسماعيل بن جعفر الصادق- وهم الاسماعيلية، ومن باطل ابن سبأ ثارت الفتنة على عثمان بن عفان رضي الله عنه التي انتهت باستشهاده.

وفي نفس القرن استطاع الرجل الثاني (سوسن) أن ينفث سمومه في «معبد بن عبد الله الجهني»، وهو أول المتكلمين في الإسلام، فعلمه القول بالقدر، وكان معبد معدودا من علماء القرن الأول الهجري، ومشهورا بأنه صدوقا في رواية الحديث، وكان مشاركا في الأحداث السياسية في عصره كلها، حتى قيل أنه قاتل الحجاج بن يوسف الثقفي في المواطن كلها، ويحدثنا المؤرخون أنه قد شهد التحكيم بين الإمام علي ابن أبي طالب، ومعاوية ابن أبي سفيان، وناقش أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص في الأمر، ثم كانت وفاته كما يحدثنا الذهبي بعد سنة ثمانين للهجرة وقبل سنة تسعين.

معبد بن عبد الله الجهني

 لم يحدثنا المؤرخون عن مذهبه بصورة واضحة وإن نسبوا إليه القول بالقدرية، والظاهر من الأمر أن أصل التسمية هو أن معبد الجهني كان مناقضا للمذهب الجبري الذي عمل بني أمية على تعميمه بين المسلمين ليبرروا حكمهم باعتباره قدرا من الله، وأن الإنسان عموما ليس بيديه شيء، وقد صيغ المذهب بعباره شهيرة تقول «لا قدر والأمر أنُف» ويفرض منه أن الأمر والسلطان مفروض بسطوة الحكام رغم أنف المعارضين، ولا شأن لذلك بالقضاء والقدر، بل هو كما قال عبد الله بن عمر «يستأنف استئنافا من غير أن يسبق به سابق قضاء وتقدير».

غيلان الدمشقي والجعد بن درهم

انتشرت أفكار معبد وتطورت على يد تلميذه غيلان الدمشقي الذي قال أن القدر خيره وشره هو من العبد، وقال أن الإمامة تصلح في غير قريش، وأنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة… وكانت نهاية غيلان هي الصلب على يد هشام بن عبد الملك بن مروان، ويبدو أن هذه الأفكار كانت تسبق زمانها لأنه سيتم تقرير الكثير منها فيما بعد عن طريق المعتزلة، وإن كان المعتزلة قد حاولوا الكشف عن أصولها الإسلامية من خلال أصولهم الخمسة.

غيلان الدمشقي

بعد غيلان الدمشقي ظهر الجعد بن درهم الذي عاش بدمشق، وكان مؤدبا لأبناء الخلفاء، وهو مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، لذلك كان يُسمى (مروان الجعدي) نسبة لأستاذه، وكان الجعد يقرر أن الله منزه عن صفات الحدوث، وكان ينكر بعض الصفات الإلهية القديمة، ومنها صفة الكلام لذلك أخذ عليه أنه ينكر بعض الآيات القرآنية مثل أن الله تعالى كلم موسى تكليما، أو أنه اتخذ ابراهيم خليلا، ويرجح البعض أن الجعد كان يرى ضرورة تأويل هذه الآيات القرآنية، بما يتنزه معه الله عن صفات المخلوقات، وهو التأويل الذي قام به المعتزلة من بعد في آيات أخرى مثل آيات الاستواء، وما ينسب لله من كف وقدمين، وهو الذي انبثقت عنه قضية خطيرة هي قضية «خلق القرآن» إذ لم يكن الجعد ولا المعتزلة من بعده يرضون إلحاق صفة القدم بغير الله، فيتفرد بذاته عن مشابهة الحوادث والمخلوقات.

ثم ظهر من بعد الجعد تلميذه جهم بن صفوان أخطر آباء المتكلمين، ولد أبو محرز الراسبي المعروف بالجهم سنة 80 هجريا وتوفي 128 هجريا، وهو الذي أسس ما عرف في تاريخ المذاهب العقائدية الكلامية بـ«المعطلة» أي منكري الصفات الإلهية، ويرونها في حقيقة أمرها كما قرر المعتزلة من بعد هي عين الذات.

(يتبع)

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري
إغلاق