ثقافة

تلميذ الطهطاوي النجيب.. محمد عثمان جلال.. رائد مسرح العامّية المصرية

 في العام 1826م الذي سافر فيه «رائد التنوير والحداثة» «رفاعة رافع الطهطاوي» من مصر إلى فرنسا في بعثة تعليمية، ولد تلميذه «محمد عثمان جلال» الذي سيكون واحد من وائل الذين سينهلون من علمه ويتتلمذون علي يديه، وأهم طلابه النابهين في القرن التاسع عشر.

حين عاد رفاعة من «فرنسا» وفكر في إنشاء مدرسة «الألسن» 1836م، زار مدرسة «القصر العيني الابتدائية»، التي كان «محمد عثمان جلال» تلميذا بها، فاختاره «الطهطاوي» من بين طلابها لدراسة اللغات الفرنسية والعربية في مدرسة «الألسن» لما رأى فيه من نبوغ وفطنة، وأتم «محمد عثمان جلال» دراسته فيها، ثم سار على نهج أستاذه رفاعة  في الترجمة والتعريب عن الفرنسية. ومن الجدير بالذكر أن كلا من «رفاعة رافع الطهطاوي» وتلميذه «محمد عثمان جلال» ينتهي نسبهما إلى «الحسين بن علي بن أبي طالب» حين يذكر «الزركلي» في أعلامه أن جلال حسيني النسب ولد في (ونا القس) من أعمال بني سويف، فيما كان «رفاعة رافع الطهطاوي» الذي لد في 15 أكتوبر سنة 1801م في مدينة «طهطا»، بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، قد نشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وكلاهما نزح من الصعيد إلى القاهرة، فـ«رفاعة» انتقل إليها لطلب العلم في الأزهر الشريف، فيما انتقل محمد عثمان جلال إلى القاهرة بعد وفاة والده الذي كان يعمل كاتبًا للقاضي في بني سويف، وهو بعمر 7 سنوات، مما جعل أمر ارتحاله قدرا لا مفر منه ليرعاه جده لوالدته في القاهرة.

محمد عثمان جلال

وقد ظلت هذه العلاقة ما بين رفاعة وتلميذه عثمان ممتدة حتى بعد تخرجه من مدرسة الألسن، ورثا جلال أستاذه رفاعة حين رحل عن عالمنا بقصيدة بعنوان «يافعة العلم» عام 1883م، يقول فيها مخاطبًا الموت

فـيـا لـيـتَه مـال للعـلـم يـــــــــومًا

وأبقَى إلى طـالـبـيـه «رفـــــــــــاعه»

هُمـام تـمكَّن مـن كل فــــــــــــــــــنٍّ

ومكَّن فـي كل عـلـــــــــــــــــم يَراعه

ومُبْتدعٌ زان مــــــــــــــــــنه ابتداعٌ

ومختـرعٌ قـد أجـاد اختــــــــــــــراعه

وطنية جارفة.. وعامية مقصودة

أكثر ما عرف به «محمد عثمان جلال» هو اعتزازه ومحبته العارمة لبلده مصر، في وقت كانت فيه الوطنية المصرية ما زالت في طور التكوين بالقرن التاسع عشر، وقد وصفه «محمود عباس العقاد» في كتابه «شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي»: «كان مصريًا يذكرك بمصر كلها، من أقصى شمالها لأقصى جنوبها» وحتى حين ترجم أعمالًا كثيرة عن الفرنسية فلم يخرج قط من صبغته الوطنية ولم يتحول أبدا عن تفكيره وذوقه، فمصَّر «موليير» و«لافونتين» وألبس هذه الأعمال البيئة المصرية وأعطى أبطالها أسماء مصرية ومنحهم لغة مصرية  فكما يقول «العقاد» عنه «لم يخرج من مصريته حين ترجم أو اقتبس» أو حتى حين ألف الشعر والأزجال والمسرح، فقد كان شديد الالتصاق بالهوية المصرية، وقد حدا به ذلك إلى الاعتماد إلى اللهجة العامية في كتاباته مما كان سببًا في الهجوم عليه من قبل البعض واتهامه بضعف لغته، وعدم قدرته على الكتابة بالفصحى. وإن رمنا الحقيقة في هذه القضية فإن «محمد عثمان جلال» لم يكن بعيدًا في منهجه باستخدام العامية سواء في الكتابة أو الصحافة عما أقره أستاذه «رفاعة رافع الطهطاوي»، فقد كان رفاعة من أوائل المصريين الذين نادوا بضبط العامية ودعوا إلى التصنيف بها، على أن يكون في مواضيع معينة، تتعلق بمصالح العامة، وبيَّنها في حرص شديد في كتابه «أنوار توفيق الجليل»، فالذين دعوا إلى العامية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، لم يكونوا معنيين باللغة العامية لذاتها؛ وإنما لجأوا إليها؛ رغبة في أن تكون عنصرًا من عناصر التفاكه والإضحاك، الذي يخفي وراءه نقدًا لاذعًا لحياتنا الاجتماعية، والسياسية، ووسيلة لتثقيف العامة، واطلاعهم على أحوال البلاد السياسية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق الذي حدده الأستاذ انطلق التلميذ في ترجمته وإبداعه باللغة العامية الدارجة، التي استخدمها في هذه الفترة أيضًا رائدان من رواد المسرح المصري والصحافة وهما، «يعقوب صنوع» و«عبدالله النديم» بوصفها أداةً للتعبير عن قضايا المجتمع، فاستخدام العامية في الصحافة الثائرة كان بهدف سياسي، واجتماعي، قبل أن يكون هدفًا قوميًا.

أما عن الدوافع التي دفعت محمد عثمان جلال للكتابة بالعامية فإن «طه حسين» يرجعها إلى ضعف في لغة محمد عثمان جلال، قائلًا: «ورأينا رجلا كعثمان جلال قد أعجبه الأدب الفرنسي، وأراد أن ينقل إلى قومه صورًا منه، ولم يكن من الأدب القديم على حظ قوي، وأرى أن الأدب العصري أدنى إلى الموت من أن يحتمل هذا الأدب الفرنسي الحي؛ فيترجم إلى قومه أو قل ينقل إلى قومه تمثيل «موليير» في الزجل العامي لا الشعر العربي»، وينفي «عمر الدسوقي» رأي طه حسين معتمدًا على أن محمد عثمان جلال نقل نص «بول وفرجيني» بأسلوب عربي فصيح ويؤكد أن دوافع عثمان إلى الكتابة بالعامية المصرية تمثلت في عظم تأثره بالروح المصرية في كل شيء وتعصبه للهجة العامية، وكساد سوق الأدب الرفيع في ذلك الوقت، وإقبال الفرق التمثيلية على المسرحيات المؤلفة بالعامية دون سواها، وخاصة بعد إغلاق أبواب الأوبرا التي كان يشجعها الخديوي إسماعيل ويحضر بعض عروضها، ويهب الممثلين والمؤلفين من عطائه وكان التأليف وقتها بالفصحى. ومجاراة محمد عثمان جلال للمصلحين في نزولهم إلى المستوى الشعبي حتى يكون لكلامهم أثره في النفوس وتقليد أدباء الغرب في إنطاقهم أشخاص رواياتهم بلهجاتهم المألوفة، لكن لا يمكننا أن نتجاهل ما قاله بعض خصومه من أنه كان ممالئا للإنجليز في حملتهم على اللغة العربية وتشجيعهم للغة العامية؛ لأنه كان إبان عصر القوة عصر إسماعيل يكتب بالفصحى، فلما انقضى هذا العهد ورأى المحتلين يشجعون العامية ويعاضدهم المستشرقون، اندفع إلى الكتابة بالعامية.

طه حسين

وترجح الدكتورة «نفوسة زكريا» سبب كتابة عثمان جلال بالعامية إلى عظم تأثره بالروح المصرية وممالأته للإنجليز قائلة: “فلا عجب أن نراهم -تعني المستشرقين- يشجعون أديبًا مثل محمد عثمان جلال له تلك الموهبة الفذة في نظم الزجل، وعنده من التعصب لكل ما هو مصري.

ريادة مسرحية

على درب أستاذه رفاعة وربما بتوجيه منه وهو الذي كان له الفضل في ترجمة أول مسرحية للغة العربية «هيلانة الجميلة» سنة 1868_ نشر هذا النص مؤخرًا في الهيئة المصرية للكتاب بتقديم الأستاذ الدكتور سيد إسماعيل_، سار «محمد عثمان جلال» وانطلق في ترجمة المسرحيات الفرنسية والإيطالية بدءا من عام 1870 أي بعد عام من عرض مسرحية «هيلانة الجميلة» بالأوبرا الخديوية، فترجم مسرحيتىْ «لابادوسيت» و«مزين شاويلة»، ويرى الدكتور «سيد علي إسماعيل»، في كتابه «تاريخ المسرح في العالم العربي – القرن التاسع عشر» أن ريادة المسرح المصري كانت لمحمد عثمان جلال وليس ليعقوب صنوع كما هو شائع، فقد نشرت مجلة «روضة المدارس» التي  كان يشرف عليها رفاعة الطهطاوي لمحمد عثمان مسرحية معربة بعنوان «الفخ المنصوب للحكيم المعضوب» عام 1871، وهو بذلك يكون سبق يعقوب صنوع في الحركة المسرحية المصرية.

و إذا كانت هناك أقاويل وشكوك حول ريادة محمد عثمان جلال للمسرح ككل، فإنه لا مجال لشك في ريادته للمسرح العامي في مصر، وهو الزجال المصري صاحب الحس الفكاهي، ففي عام 1889م 1307هـ، وبعد اثنين وأربعين عامًا من أول مسرحية عربية ظهرت لـ«مارون النقاش» أبو الحسن المغفل 1847م، قدم «محمد عثمان جلال» أربع مسرحيات فرنسية لـ«موليير» وقام بتمصيرها شعرًا وضمها في كتاب واحد واسمها «الأربع روايات من نخب التياترات». وهي «الشيخ متلوف» و«النساء العالمات»، و«مدرسة الأزواج»، و«مدرسة النساء» وبعد ذلك قام بضم هزلية أخرى قصيرة لـ«موليير»، «الثقلاء» عام 1896م 1314 هـ ويعلق الدكتور «محمد يوسف نجم» على مسرحية الشيخ «ملتوف» قائلًا: «فإن الشيخ متلوف في بديع زجلها، وروعة شاعريتها، وصدق تمثيلها للروح المصرية الشعبية لتقف إلى جانب ترتوف موليير موقف الند للند». 

   وفي عام 1883م 1311 هـ قدم محمد عثمان جلال ثلاث مآسٍ شعرية لـ«راسين» في كتاب بعنوان «الروايات المفيدة في علم التراجيدة» وهي «إستر» و«أفغانية» و«إسكندر الأكبر»، ويذكر في مقدمتها أنه اختار لها اللغة الدارجة؛ لأنها أنسب لهذا المقام، وأوقع في النفوس عند الخواص، والعوام، ولم يمصر «محمد عثمان جلال» هذه المسرحيات كما فعل مع «موليير»، وذلك يبدو ظاهرًا من أسماء المسرحيات التي لم يمصرها كما فعل في مسرحيات «موليير»، ولم يغير محمد عثمان جلال في تشخيص راسين وحافظ على تنسيق المسرحيات، ولم يعدل إلا في مواضع قليلة من المسرحيات، ويرى محمد يوسف نجم أن محمد عثمان جلال لم يحالفه التوفيق في ترجمة هذه المسرحيات؛ بسبب اعتماده على اللغة العامية المألوفة في الحياة العامية، وقدم بها حوارًا على ألسنة أبطاله فأخرج بذلك أبطال المآسي العظام من وقارهم التاريخي، وشوه الجو التراجيدي الصارم بإدخاله بعض النكات المصرية، وفكاهاته الشعبية، كما أنه زج باللغة العامية على لسان أشخاص لا يعقل أن ينطقوا بها يوما.

ونُشرت لعثمان جلال في عام 1904 أي بعد وفاته  أول مسرحية مصرية عامية غير مترجمة، أو ممصرة لـمحمد عثمان جلال، وكانت المسرحية بعنوان رواية «المخدمين» تدور «حول حيل المخدمين ومكرهم وخداعهم وخضوع الخدم لسيطرتهم»، وهي عبارة عن ملهاة.

سبق في «أدب الطفل»

يؤرخ الكثير من الباحثين لبداية نشأة أدب الطفل في الوطن العربي إلى كتاب «رفاعة رافع الطهطاوي» «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين»، عام 1875 وهناك يرى أن بداية نشأة أدب الطفل كانت مع مجلة «روضة المدارس المصرية» التي أنشأها «رفاعة» عام 1870م. فيما يرى الدكتور أحمد زلط في كتابه «أدب الطفل بين أحمد شوقي وعثمان جلال» أن ديوان «العيون اليواقظ في الحكم والمواعظ» لمحمد عثمان هو أول محاولة عربية تعيد الطريق أمام الكتاب لإرساء دعائم أدب الطفولة، وهي ريادة تسبق «أحمد شوقي» بسنوات طويلة، حيث اقتبس في كتابه حكاية لافونتين الفرنسي وصاغها في شكل مصري يتوافق مع الثقافة المصرية العربية وما تعرفه من حكم وأمثال ومبادئ تحاول غرسها في النشء، وما زالت نصوصه مقررة منذ القرن التاسع عشر وحتى القرن الحادي والعشرين على طلبة المرحلة الابتدائية لما تحمله هذه النصوص من قيم إنسانية خالدة لا تتبدل بتبدل الأزمان، ومن أشهرها حكاية «الطماع والدجاجة» التي تبيض بيضة من ذهب، المقررة على طلبة الصف السادس الابتدائي بوزارة التربية والتعليم.

 وقد طبع هذا الديوان «العيون اليواقظ» لأول مرة فيما بين عامي 1849: 1854 في زمن ولاية عباس حلمي باشا الأول، فقد طبع عثمان جلال على نفقته الخاصة طبعة حجرية وباع من أجله حماره وكل ما يملك وركبه الهم والغم بسببه كما يحكي «محمد عثمان جلال». طمعًا في نوال الخديو الذي ألقى الكتاب في وجهه، لأنه لم يكن مهتمًا لا بالنشء ولا بالتعليم فقد رفضه «عباس حلمي الأول» الذي شهد عصره تعطيل دور التعليم والثقافة، فكان طبيعيا جدًا أن يعرض عما فعله «محمد عثمان جلال»، هذا الخديو نفسه هو الذي نفى «رفاعة رافع الطهطاوي عن مصر طوال مدة حكمه»، وأغلق مدرسة الألسن التي كان يرأسها بعد 15 عامًا أصبحت فيها بمثابة الجامعة تضم كليات الآداب والحقوق والتجارة. وكان «رفاعة الطهطاوي» يقوم إلى جانب إدارته لها باختيار الكتب التي يترجمها تلاميذه في المدرسة، ويقوم بمراجعة وإصلاح ترجمتهم. فحوت كتبهم وأفكارهم الكثير من الإشكاليات النهضوية وناقشت العديد من القضايا من بينها قضية تجارة بعض المشايخ بالدين وهي القضية التي طرحها محمد عثمان جلال في مسرحيته «الشيخ متلوف» التي كتبها بالزجل المصري ودس فيها الكثير من الأمثال والحكم الشعبية المصرية وهي في الأصل مأخوذة من مسرحية موليير «ترتوف». وبذلك كان محمد عثمان جلال سبّاقا ورائدا لم ينل ما يستحق من الإنصاف والتقدير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: