دار الكتب

كيف تعاملت أوربا مع قضية التعليم الديني؟

«غياب مرجع يحيل إلى ثقافة دينية لدى كثير من التلاميذ يجعل جزءاً أساسيا من تراثهم، وكذلك تراث العالم غير مفهوم عندهم. إن الجهل وانعدام الثقافة يفصلان الشباب بشكل عام، عن جذورهم، ويجعل من الصعب عليهم اكتساب بعض المعارف، ويساعد على ظهور أرضية التعصب، والأحكام المسبقة».. من تقرير «ريجيس ديبريه» حول «المسألة الدينية» الذي أعده بطلب من الحكومة الفرنسية عام «2002».

قضية «تجديد الخطاب الديني» التي باتت مطروحة على الساحة منذ سنوات فرضت بقوة تساؤلا حول آليات تجديد التعليم الديني، ولعل في إستعراض تجارب عدد من البلدان الأوربية في كيفية تعاملها مع قضية التعليم الديني ما يُعين البلاد العربية والإسلامية على وضع تصور حول آليات تجديد التعليم الديني الذي يعد اللبنة الأولى في تطوير أو تجديد الخطاب الديني.

في دراسته المعنونة «التعليم الديني في سياق العلمانيات الأوربية» التي أُجريت في إطار المشروع البحثي «تجديد التعليم الديني.. سؤال الرؤية والمنهاج» الصادر عن مؤسسة «مؤمنون بلا حدود.. للدراسات والأبحاث» يتناول دكتور «عبد الواحد العلمي» الباحث المغربي الذي يدرس الأدب العربي بجامعة بروكسل، حالة التعليم الديني ببعض البلدان الأوربية، وطبيعة الملابسات القانونية والثقافية والسياسية المتعلقة به، وكيفية تعامل المدارس العمومية مع المسألة الدينية.

التعليم الديني.. ومنظومة الاتحاد الأوربي

يستهل دكتور العلمي تناوله لقضية التعليم الديني في أوروبا بالإشارة إلى أن قضية التعليم الديني لم تكن من القضايا البعيدة عن إهتمام الإتحاد الأوربي، ففي سنة «1999» طلبت الجمعية البرلمانية للمجلس الأوربي من الدول الأعضاء تقوية التعليم الديني باعتبار الدين «مجموعة من القيم التي يجب على الشباب أن يطوروا إزاءها حساً نقدياً، في إطار تعليم الأخلاق، والتربية الديمقراطية… إلى جانب دعم تعليم التاريخ المقارن لمختلف الأديان، بالتركيز على الأصل والتشابهات القائمة بين قيمها، والتنوع في تقاليدها».

وفي سنة «2007» صرح وزراء التربية والتعليم لدول الاتحاد الأوربي أنه: «مهما كان نظام التعليم الديني لدولة ما، فمن الضرورة أن يتبع الأطفال تعليما، يأخذ بعين الاعتبار التنوع الديني والفلسفي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من التربية الثقافية التعددية».

من جانب آخر يلفت دكتور العلمي النظر إلى أن البلدان الأوربية قد شهدت تطورا ملحوظا فيما يتعلق بالموقف الفلسفي والاجتماعي الخاص بحضور الدين داخل ما أطلق عليه «العلمانيات الأوربية» وفق ما أشار إليه عالم الاجتماع الألماني «يورغن هابرماس» الذي رأى ضرورة أن يكون هناك «أصوات دينية» لها ذات الحق الذي يملكه أصحاب رؤى العالم العلمانية، شريطة أن يقبل أصحاب تلك «الأصوات الدينية» أن يقدموا رؤيتهم «بلغات عمومية وكونية قابلة للفهم».

يورغن هابرماس

ويستعرض الدكتور العلمي ثلاثة نماذج رئيسية للتعليم الديني في أوروبا، النموذج الأول وتمثله كل من «بريطانيا وألمانيا» وهو التعليم الديني التعددي، أما النموذج الثاني فتمثله «بلجيكا وإسبانيا» ويتسم بوجود التعليم الديني جنبا إلى جنب التعليم العلماني، أما النموذج الثالث فتمثله «فرنسا» ويكون فيه التعليم الديني الحاضر الغائب.

بريطانيا وألمانيا.. نحو تعليم ديني تعددي

يتناول العلمي تجربة التعليم الديني في بريطانيا وألمانيا بوصفهما نموذجا للتعليم الديني التعددي، فيشير إلى أن التعليم الديني في بريطانيا منذ القرن التاسع عشر قد شهد تعاونا فيما بين المجموعات الدينية والدولة لضمان تمويل المؤسسات المدرسية، ومن ثم تم دمج تعليم الدين داخل المقررات الدراسية، وقد أدت التغييرات التي عرفها المجتمع البريطاني إلى وجود حالة من المساواة في المجال التربوي التعليمي، بين مختلف الديانات، إبتداء من الكاثوليك، مروراً باليهودية، وإنتهاء بالإسلام، وبناء عليه تطور قانون التعليم فيما يخص التعليم الديني من كونه «تربية دينية» في «قانون التربية لسنة 1944» إلى «تعليم ديني» ثقافي وغير طقوسي «قانون التربية لسنة 1988».

وبشكل عام شهد التعليم الديني في بريطانيا حالة من التعددية وليس «المذهبية» القائمة على التنميط، فالديانات الرئيسية باتت تُدَرس للتلاميذ أينما وجدوا داخل البلد، وفي المقررات المدرسية الدينية هناك اعتراف رسمي بعدد من «التقاليد» الدينية الرئيسية، وبالتالي فإنه لا توجد على سبيل المثال أي مشكلة تتعلق «بالملبس الديني» داخل الفضاء العام.

ينتقل دكتور العلمي لتناول التجربة الألمانية فيشير إلى أنه وعلى الرغم من كون ألمانيا تعد إحدى البلاد التي أنتجت إحدى أكبر الفلسفات المعادية للدين «الماركسية»، وعرفت الأنوار الفلسفية مثل فرنسا، إلا أن هناك إختلافا في الرؤية بين فرنسا وألمانيا فيما يخص علاقة الدولة بالدين، حيث تعترف ألمانيا بالكنائس وتتعامل معها بوصفها مؤسسات ذات «مصالح عمومية» وتعترف بها شريكاً في تأسيس الجمهورية، وفي ضمان الديمقراطية في لحظات حاسمة من التاريخ الألماني.

وبشكل عام يعد التعليم الديني في المدرسة «مادة إجبارية» محمية بالدستور، كما أن هناك مقاطعات في ألمانيا مثل مقاطعة «باتنبرغ» تعرف فيها المدرسة العمومية بكونها «المدرسة العمومية المسيحية» ويشير دستور تلك المقاطعة أن «الأطفال يُنَشَؤون على أساس القيم التربوية الثقافية المسيحية والغربية».

غير أن التعليم الديني قد تطور في مقاطعات أخرى وبات تعليما دينيا تعدديا لكل التلاميذ، مهما كانت دياناتهم، ويشتمل هذا النوع من التعليم على تلاميذ مسلمين يتعلمون دينهم في حوار مع الأديان الأخرى، ورؤى أخرى للعالم. وفي مقاطعة «براندبورغ» على سبيل المثال تم إدخال مادة بديلة عن التربية الدينية سميت: «تكوين في الحياة والأخلاق وعلم الدين».

بلجيكا وإسبانيا.. الديني بجانب العلماني

يتناول دكتور العلمي التجربة البلجيكية في تعاملها مع قضية التعليم الديني مشيرا إلى أن بلجيكا تعد دولة محايدة في تعاملها مع الدين، حيث لا يوجد دين رسمي لها، ما يجعلها تعترف بالأديان الموجودة على أراضيها على قدم المساواة «نظريا».. وهو ما أفسح المجال للمسلمين فيها من أن يتمكنوا من دراسة الدين الإسلامي بالمدارس العمومية.

ومع ما تتسم به الدولة البلجيكية من تعامل محايد مع التعليم الديني، برز سجال سياسي وثقافي خاص بجدوى التعليم الديني، حيث يرى البعض أن فصل التلاميذ أثناء حصص الدروس الدينية على أساس ديني أو مذهبي لم يعد أمراً مقبولاً، وأنه ينبغي التوجه إلى نوع من تعليم «الظاهرة الدينية» من الوجهة السوسيولجية والعلمية.

وفي إسبانيا هناك إتفاق عام على حق الأطفال في تلقي تعليم ديني داخل المدرسة العمومية والخاصة، شريطة أن لا يدخل هذا التعليم في حالة صراع أو تناقض مع فلسفة المدرسة، ويتلقى الأساتذة والمدرسون أجورهم من الدولة، وتشرف عليهم المجالس الممثلة لكل دين أو مذهب، كما تشرف على البرامج الدينية، ومحتوياتها.

غير أن تعليم الدين الإسلامي في إسبانيا وإن كان حاضرا بالمدارس الخاصة والعمومية، إلا أن الحزب اليميني خلال فترة حكمه كان يرفض بشكل واضح إدماج تعليم الدين الإسلامي وهى القضية التي باتت محل صراع بين الحزب اليميني والحزب الاشتراكي، وهو ما جعل إسبانيا أمام محك رئيسي يتعلق بالتعددية الدينية والثقافية.

من جانب آخر شهدت إسبانيا مؤخرا دعوة تتبناها مؤسسات المجتمع المدني تتعلق بإدماج البعد النقدي في تعليم «الظاهرة الدينية»، وتبني مقاربة علمانية تتماشى مع تطور المجتمع الإسباني المعاصر.

فرنسا.. التعليم الديني.. الحاضر الغائب

يطرح العلمي رؤيته حول التعليم الديني في فرنسا مشيرا إلى أنها تعد البلد الأوربي الوحيد الذي لا توجد فيه دروس خاصة بالدين في المدرسة العمومية، فبجانب إجبارية الإلتحاق بالمدارس ومجانية التعليم، تشكل العلمانية أحد المبادىء الثلاثة المؤسسة للمدرسة العمومية.

إلا أن تقرير لجنة «ريجيس ديبريه» الذي أعده بطلب من الحكومة الفرنسية قد أشار بوضوح إلى ضرورة الانتقال من «علمانية غير مختصة.. الدين لا يعنينا.. إلى علمانية ذكية.. من واجبنا فهم الدين».

ويلفت العلمي النظر إلى أن المطالبين بإعادة النظر في مسألة تعليم الدين داخل المدرسة العمومية الفرنسية لا يقصدون إدخال التربية الدينية بطقوسها وشعائرها كما هو الشأن في المدارس العمومية البلجيكية والإسبانية والألمانية وغيرها، لكن أكثرهم يطالبون بالأخذ بعين الاعتبار، كون معرفة الثقافات الدينية ضرورية لفهم مجتمعاتنا، وماضيها وحاضرها، وتراثها الأدبي والفني، وأنظمتها القانونية والسياسية.

المنهاج والهدف

يستعرض العلمي رؤيته حول «مناهج التعليم الديني» والهدف منها مشيرا إلى أن مناهج «تبليغ» أو «انتقال» المعارف الدينية من الآباء إلى الأبناء، ومن المعلمين إلى التلاميذ وماهية التعليم الديني شغلت حيزا كبيرا لدى باحثي علم الاجتماع الديني وسيكولوجيا التطور المعرفي وطرحت في هذا الإطار عدة تساؤلات كان منها ما الذي ينبغي فعله فيما يسمى بالتربية الدينية: «التبليغ أم تنمية الاعتقاد والثقافة الدينيين، أم تطوير فهم نقدي للدين؟» ما هدف التعليم الديني: «دراسة الدين، أم المساهمة في تنمية شخصية التلميذ؟».

ويجيب العلمي على تلك التساؤلات مشيرا إلى أنه حتى حدود الستينيات من القرن الماضي كانت التربية الدينية تعني نشر وتنمية الإيمان والأخلاق المسيحية عند التلاميذ، غير أن بداية السبعينيات قد جاءت محملة بطرح تساؤل جديد يتعلق بأثر «العلمنة» ومن ثم تطور منهاج التعددية الدينية، وصولا لتطبيق مبدأ يقوم على التعامل مع التعليم الديني وفق رؤية غير متحيزة يحاول فيها الأستاذ والتلميذ «تعليق» أحكامهم المسبقة، وتفادي أية أحكام لاهوتية أو دينية، والدخول في «تطابق عاطفي» مع المؤمنين.

ويختتم العلمي تناوله لحالة التعليم الديني في أوروبا بالإشارة إلى أن التحولات الاجتماعية المعاصرة نجم عنها ضرورة إعادة النظر في علاقة الثالوث: «الدولة، الدين، والمجتمع»، ذلك أن فصل الدولة عن الكنيسة ببعض البلاد لم يمنع من ظهور دعوات أهمية الاعتراف بالدور العمومي للأديان، وليس أدل على أزمة غياب التعليم الديني في فرنسا مما شهدته تلك الدولة خلال العقود الأخيرة من توتر كبير أرجعه المهتمون بقضايا التعليم الديني إلى غياب هذا النوع من التعليم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق