رؤى

الإسلاميون ومبارك.. إعادة قراءة وتقييم

يشكل رحيل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك مناسبة لتقديم دراسة متأنية وجادة للعلاقة التي كونها الرئيس مبارك طوال الثلاثين عاما التي أمضاها في السلطة، مع التيارات الإسلامية بمختلف تكويناتها وأفكارها المتعددة.

وقد بدأت علاقة مبارك مع هذه التيارات منذ أصبح نائبا لرئيس الجمهورية عام 1975، حيث اتيحت له فرصة دراستها عن قرب من خلال الدراسات والتقارير التي قدمت له من شخصيات مقربة. وكان أولها الدراسة اشرف عليها مدير مركز أبن خلدون للدراسات الإنمائية الدكتور/ سعد الدين إبراهيم وطبقها على المحكوم عليهم في قضيتى الفنية العسكرية عام 1974 وتنظيم التكفير والهجرة عام 1977.

سعد الدين إبراهيم

أما على المستوى النفسي والشعوري فقد كانت أول خبرة مباشرة لمبارك بالإسلاميين ملطخة بالدماء مع طلقات خالد الإسلابولي وزملائه لحظة اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات أثناء احتفالات السادس من أكتوبر عام 1981.

حُكم على المتهمين فى قضية الجهاد الكبرى عام 1981 بالسجن، لكن في المقابل تم الافراج عن الكثير من الإسلاميين، وهو الأمر الذي كان كفيلا بتأسيس واقع مختلف وعلاقة من نوع جديد بين السلطة والإسلاميين في عهد مبارك مقارنة بالعهود السابقة.

فى بداية حكمه وعندما سُأل عن الفارق بينه وبين الرئيس الرحل أنور السادات كان رده حاسما: إسمي حسني مبارك. وقد التقط الإسلاميون الإشارة، وانتهزوا الفرصة وانطلقوا يتعاملون مع مبارك ببرجماتية كبيرة، بدأت بعد أن غازل عمر التلمساني «مرشد جماعة الإخوان المسلمين الأسبق» نظام مبارك بطريق غير مباشر، عندما صرح لبعض الصحف بأن السادات قٌتل مظلومًا كما قتل سيدنا عثمان ابن عفان.

أربع مراحل

مر العلاقة بين السلطة والإسلاميين فى عهد مبارك بأربع مراحل تاريخية، بدأت المرحلة الاولي بتوليه الحكم عام 1981  وانتهت عام 1986، وهى المرحلة التي شهدت انفراجة ديمقراطية خرج معها جميع المتحفظ عليهم فى قرارات سبتمبر الشهيرة، والذين بلغ عددهم 1536 من رموز المعارضة السياسية فى مصر بكافة أطيافها، إلا أن معظمهم كانوا من الإسلاميين. كما ُسمح بهامش من الحرية لصحافة المعارضة التي كان أبرزها الوفد والاحرار والشعب والأهالي.

وفيما بعد سُمح للإخوان بدخول محدود ومقنن في اللعبة السياسية من خلال تحالفات انتخابية مع حزبى الوفد والأحرار، كما قدمت مساحات كبيرة للدعاة المفرج عنهم الذين كان أشهرهم حافظ سلامة وأحمد المحلاوي وإبراهيم عزت.

 أما المرحلة الثانية فبدأت عام 1985 واستمرت إلي أواخر عام 1992، وذلك في أعقاب حادثين اضطر معهما النظام للتفكير في التعامل مع الإسلاميين بطريقة مختلفة. تمثل الحادث الأول في الدعوة التي أطلقها الشيخ حافظ سلامة  لـ«مسيرة خضراء» تنطلق من مسجد النور فى العباسية إلي القصر الجمهوري فى كوبري القبة عقب صلاة الجمعة 11 يوليو 1985، للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، حيث تجمع أعضاء في معظم الفصائل الجهادية مع أنصارهم، وتصدت لهم قوات الامن بحزم، ومنعتهم من الخروج، فتراجع حافظ سلامة عن استكمال المسيرة في هذا اليوم. أما الحادث الثاني فتمثل فى مقتل شعبان راشد الطالب بكلية التجارة عضو الجماعة الإسلامية فى (أبريل) 1986 عندما أطلق شرطي النار عليه أثناء تعليقه إعلاناً عن اللقاء الأسبوعي للجماعة الإسلامية بمسجد الجمعية الشرعية بأسيوط، وهو القتيل الأوّل للتنظيم منذ اغتيال السادات.

وقد حاول مبارك بأوامر شخصية منه استيعاب الحادث إلا أن الطالب توفى وهو فى طريقة إلي العلاج عن متن طائرة إلي مستشفى المعادي العسكري، وتم القبض على الشرطي قاتل الطالب وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام.

 خلال هذه المرحلة عادت سياسة القبض على المجموعات التي تقوم بتأسيس تنظيمات مسلحة والتخطيط للاغتيالات أوالعنف، في مقابل ترك الساحة للمنابر الدعوية، سواء الإخوانية أو الخاصة بالجماعات والجمعيات الإسلامية أو المشايخ المستقلين، وفى هذه المرحلة تم القبض على العديد من أعضاء التنظيمات مثل (الناجون من النار) و تنظيم (حرائق الفيديوهات) وتنظيمات عديدة للجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد ، حتي تم ضبط تنظيم «العائدون من أفغانستان»، والذي تبين من خلاله محاولات التنظيمات العنيفة النيل من سيادة الدولة واستقرارها، ثم محاولة اغتيال الكاتب فرج فودة. وهنا اخرج مبارك سلاح المحاكم العسكرية فاصدر سلسلة جديدة من قوانين الإرهاب وأوجب على المشرع تحويل القضايا المدنية للمحاكم العسكرية وكانت هذه بداية عصر جديد لمبارك مع الإسلاميين.

الصدام الكلي

أما المرحلة الثالثة للعلاقة بين نظام مبارك والإسلاميين فيمكن وصفها بأنها مرحلة الصدام الكلي، وكانت منذ عام 1992م إلي عام 2001، وقد انتهت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وفى هذه المرحلة اعتقل مبارك آلاف الشباب المنتمي إلي تنظيمات العنف، سواء الدعوية أو الإرهابية، وقدم العديد منهم  لمحاكمات عسكرية، وصادر كثيرًا من المساجد وأمّم العديد من الزوايا لصالح الاوقاف والأزهر الشريف، واطلق العنان لأجهزة الأمن فى ضبط إيقاع جميع الجماعات الإسلامية فى الشارع المصري. وكان هناك بالطبع خروج بسيط عن هذه السياسية، وخاصة مع جماعة الإخوان، حيث ترك لهم متنفسا مشروطا لدخول مجلس الشعب لأكثر من دورة، خصوصا عام 2005م، حيث حصلوا على 88 مقعدا فى البرلمان بعد أن اعلنوا سياسة المشاركة لا المغالبة.

المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي نتاج أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حتى احتجاجات أو انتفاضة 25 يناير 2011. وخلال هذه المرحلة استمرت مراجعات الجماعات الإسلامية فى السجون، وتم الإفراج عنهم، وسمح بتأسيس بعض الاحزاب الجديدة ذات التوجه الديني، كان على رأسها حزب الوسط لأبو العلا ماضي والذي يقال انه كان تأسس فى البداية بموافقة ودعم من الإخوان قبل أن يتراجعوا عن دعمه فيما بعد.

اتسم تعامل مبارك مع الإسلاميين إذن بالمرونة والتنوع، حيث تراوحت سياساته بين الاستيعاب الجزئي والاستيعاب المشروط وكذلك الصدام الكلي. وفي أواخر عهده  اعتمد مبارك طريقة جديدة صك بها تجربته السياسية فى فن التعامل مع الإسلاميين، وهي تجربة القبول بالمراجعات والسماح بالمشاركة الإيجابية لبعضهم فى الحياة الفكرية والثقافية والعلمية، سواء فى الجامعات او المراكز  البحثية والصحفية. كما نشأ التعامل الجغرافي مع مناطق المركز والأطراف، فمناطق المركز وهي التي تتحكم فيها الدولة أكثر من مناطق الأطراف التي يوجد بها مشكلات اجتماعية وتنموية. كان مبارك يتعامل مع المركز قلب العاصمة (القاهرة) ومحافظات (وجه بحري) بطريقة «الصدام الكلي»، وهي تختلف عن الأطراف -سواء محافظات الصعيد (وجه قبلي) أو سيناء ومطروح «الاستيعاب الكلي أحيانا والاستيعاب المشروط أحيانا أخري». وهنا استطاع مبارك أن يحتوي العديد من أحداث الفتنة الطائفية، أو الصدام مع القبائل لصالح سياسة الاستيعاب بشقيها التي أشرنا إليها سابقًا. 

فى حين تعاملت الجماعات الإسلامية بكافة فصائلها -باستثناء التيار السلفي بالإسكندرية (الطاعة الكاملة لولي الأمر ــ سلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم)، بطريقة برجماتية كاملة تمثلت فى محاولة الإبقاء على قوة التنظيم وتماسكه بعد استدراجهم فى صدامات سياسية و عسكرية مع الدولة، والنزول على رغبة الدولة بتوجهاتها حتي تستكمل الطريق والقفز عليها حينما تحين الفرصة، وهو ما حدث فى ثورة يناير2011، حيت قفز الجميع على خياراتهم السابقة لخيارات أخري مختلفة، استوجبت تعامل الدولة بطريقة هي الأخرى مختلفة، ترجمها الرفض الشعبي للتواجد الإخواني فى الرئاسة والحكم فى الثلاثين من يونيو2013.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق