فن

«عندما يروننا».. أبرياء مجرمون.. عنصرية وظلم.. وعدالة متأخرة

كثيرًا ما نسمع عن قصص الظلم الموجودة في السجون، لكن في مسلسل «عندما يروننا -when they see us» – الذي تُذاع حلقاته على شبكة «نتفليكس» منذ آواخر مايو الماضي–  فأنت تعيش مع كل ما تحمله التجربة من ألم وغضب، وحتى تعاطف يصل إلى حد البكاء.

فقد نجحت المخرجة «آفا دوفيرناي» عبر أربع حلقات فقط في أن تعيد رسم أحداث أكثر قصص الجرائم انتشارًا في فترة الثمانينات وفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، وهي القضية المعروفة باسم «سنترال بارك 5»، والتي حُكم فيها على 5 مراهقين من ذوي البشرة الملونة بعقوبات تراوحت ما بين 6 – 13 سنة في جريمة اغتصاب، لتثبت براءتهم بعد أكثر من عقد كامل من الزمن، عقب اعتراف الفاعل الحقيقي عام 2002.

المخرجة آفا دوفيرناي

مجرمون بالصدفة

تبدأ أحداث القصة في 19 إبريل عام 1989، حينما كانت المصرفية «تريشا ميلي» التي تبلغ من العمر 28 عامًا تركض كعادتها في منتزه «سنترال بارك»، حيث تعرضت للاغتصاب والضرب المبرح، ما أدي إلى إصابتها بغيبوبة لمدة 12 يومًا وفقدان لذاكرتها ولحاسة الشم أيضًا، وقد تزامنت هذه الواقعة المفجعة مع وجود مجموعة كبيرة من أكثر من 30 مراهقا كانوا يثيرون الشغب ويضايقون المارة، حتى أن الأمر وصل إلى ذهاب اثنين من ضحايا هذا اليوم إلى المستشفى بسبب أعمال الشغب والفوضى. ولكي تثبت شرطة المدينة أن الوضع تحت السيطرة، القت القبض بشكل عشوائي على عدد كبير من أولئك المراهقين ذوي الأصول الأفريقية والإسبانية.

وبعد تضييق دائرة المشتبه بهم، بناءً على فرضيات أفراد الشرطة، استقر الاختيار على أربعة فتيان من ذوي البشرة الداكنة تتراوح أعمارهم ما بين 14 – 16 عامًا. ولأن الشرطة لديها جريمة وضحية دون متهمين، تم تلفيق الاتهامات للفتيان دون أي دليل مادي، من خلال الضغط عليهم وعلى أسرهم للاعتراف بجرائم لا يعلمون عنها شيئًا، على أمل أن تطلق الشرطة سراحهم إذا تعاونوا كما تم إيهامهم بذلك، ولأن 4 متهمين لم يكونوا كافين أضافت الشرطة إلى اللائحة صديق أحد المشتبه بهم، الذي كان قد حضر إلى القسم للاطمئنان على صديقه، ورغم عدم تطابق الحمض النووي لأيً من الفتيان مع العينات التي جمعتها فرق التحقيق، إضافة إلى تضارب رواياتهم وكأن هناك من لقنهم إياها، استمرت الإجراءات دون أدنى شك في كونهم مذنبين، تحت قيادة رئيسة وحدة الجرائم الجنسية آنذاك «ليندا فيرستين»، والمدعية العامة «إيلزابيث ليدرر».

العنصرية والتمييز

يعتبر المسلسل عملًا دراميًا من الطراز الأول، ترصد فيه المخرجة «دوفيرناي» مراحل الظلم القاسية وآثاره على حياة أسر كاملة بطريقة يصعب معها حبس الدموع، حيث يتغير مصير أولئك المراهقين من مجرد مشتركين أو حتى متفرجين على الأعمال الصبيانية في المنتزه، إلى مغتصبين ومعتدين تلاحقهم وصمة العار هم وأسرهم طوال حياتهم، فقط لأن الشرطة قررت ذلك.

 فإلى جانب ما واجهوه من فظائع أثناء قضائهم مدة العقوبة، لا يتمكنون من العيش بشكل طبيعي حتى بعد إطلاق سراحهم، لأنه لا أحد سيقبل بمغتصب في وظيفة، ولن ينسى أحد تفاصيل القصة التي لاقت رواجًا كبيرًا في الإعلام والصحف.
يعرض المسلسل أيضًا بوضوح قضايا العنصرية والتمييز، حيث كانت تلك القضية محط اهتمام لكون الضحية امرأة بيضاء، وكان أساس اختيار المشتبه بهم لون بشرتهم، الذي جعل منهم مجرمين محتملين تلقائيًا، لدرجة أن «دونالد ترامب» (الرئيس الأمريكي الحالي) والذي كان أحد أقطاب ملاك العقارات في نيويورك حينذاك، صرح في لقاء مع شبكة «سي إن إن» تعليقا على هذا الأمر، قائلًا: «ربما الكراهية هي ما نحتاجه إذا كنا نرغب حقًا في فعل شيء»، كما أنفق حوالي 85 ألف دولار على إعلانات – تطالب بإعدام الفتيان- نشرت على أربع صفحات كاملة في جرائد نيويورك بعنوان: «فلنستعيد عقوبة الإعدام، لنستعيد شرطتنا».

تبدو نهاية تلك القصة سعيدة، حيث اعترف «ماتياس رييس»، وهو قاتل ومغتصب في عدة جرائم، بأنه المغتصب الحقيقي عام 2002، ما جعل الفتيان الخمسة يتمكنون من رفع دعوى قضائية ضد شرطة نيويورك عام 2003 بتهمة التمييز العنصري  والمقاضاة دون دليل، ورغم رفض المدينة لتسوية الدعوات على مدى عشر سنوات، إلا أنه عندما أصبح «بيل دي بلاسيو» عمدة نيويورك عاود فتح الملف، وتقرّر تعويض المدانين السابقين بمبلغ 41 مليون دولار عام 2014.

تعويض جزئي

كما فتح المسلسل النار على «ليندا فيرستين» منذ بدء عرضه العام الماضي بسبب ضلوعها بشكل رئيسي في إلصاق التهم بالمراهقين الخمسة والضغط عليهم للاعتراف بما لم يرتكبوه، ما دفع الناس للمطالبة بمقاطعة رواياتها التي كانت تحقق مبيعات عالية، كما أن الناشر الذي يتعامل معها أعلن عن تخليه عنها، إضافة إلى إجبارها على تقديم الاستقالة من مجلس المنظمة غير الربحية التي كانت عضوا به، وأيضًا تخلت عن منصبها بجامعة فاسار، فضلًا عن تقديم «إليزابيث ليدرر» -المحامية الرئيسية في فريق الإدعاء والاستجواب- لاستقالتها من التدريس في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، عقب صدور المسلسل العام الماضي.

لكن الحقيقة أن النهاية ليست بهذه السعادة، حيث لم تكتشف الحقيقة بواسطة الشرطة أو ممثلي العدالة، وإنما لأن المغتصب الأصلي قرر بإرادته أن يعترف بجريمته، ولو لم يفعل ذلك ،لكان الوضع بقي على ما هو عليه، كما تمتع كل من شارك في هذه الجريمة بالمناصب والشهرة التي فقط تخلوا عن جزء منها بعد 30 عامًا من الواقعة الأصلية. بينما أصبح الشخص الذي طالب بإعدام أبرياء رئيسًا للولايات المتحدة، كما ضاعت سنوات من أولئك الأولاد في الإصلاحيات والسجون لن تعود، ولن ينسوها أبدًا.

من المفترض أن الهدف الرئيسي من وجود الشرطة والقضاء هو حماية المواطنين، والدفاع عنهم حتى تثبت إدانتهم، لكن يبدو أنه مع مرور الوقت تحول دور بعض تلك المؤسسات إلى دور أكثر سلطوية، يرهب الناس ويجرهم رغمًا عنهم إلى أماكن بشعة، حتى وإن كانوا أبرياء، فقط لأنهم يناسبون جريمة ما، سواء بسبب لونهم أو عرقهم أو حتى توجههم السياسي. ومن هنا فإن هذا المسلسل يذكرنا أيضا، بالدور الحقيقي لمؤسسات الدولة في حماية مواطنيها، والتعامل مع الجميع بحيادية، بغض النظر عن الاختلافات، ليطمئن الجميع على أنهم لن يصبحوا يومًا في مكان أولئك الصغار، لا يدرون كيف يتصرفون، كل ما يملؤهم هو الخوف والفزع ممن يفترض به حمايتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق