ثقافة

(الشمندر).. جدل السيرة والحكاية والتوثيق والتخييل

تتقدم تجربة الروائي المصري خالد الخميسي على مهل، وهذا ما يبدو في روايته الجديدة (الشمندر) والصادرة في القاهرة عن (دار الشروق)، حيث بدت مساءلة الواقع الاجتماعي بتحولاته العاصفة، على نحو ساخر، هاجسا مركزيا في كتابه الأول (تاكسي حواديت المشاوير)، ومثّل الواقع السياسي والفضاء العام عنصرا مسيطرا في روايته (سفينة نوح)، وقد حوت التجربتان – على اختلاف فيما بينهما- ولعا بالواقع، ومحاولة لرصد تمثلاته المختلفة.

وهنا في «الشمندر» يحفر خالد الخميسي في منطقة مغايرة، يستدعي فيها آليات السيرة الذاتية موهما المتلقي بأنه بازاء نص سيري أو كتابة سيرة ذاتية. لتصبح سيرة شهاب الشمندر – البطل المركزي في الرواية- مادة للحكاية، ومركزا للسرد داخلها، وهذا ما يتجلى في التقديمة الدرامية للنص، والتي تعد مفتاحا من مفاتيح تأويله، حيث يصدر خالد الخميسي روايته بهذا المقطع السردي (كتب الفنان شهاب الشمندر سيرته دون فصول أو فقرات؛ فقمت بتقسيم النص لتسهيل القراءة، ومنحت لكل فصل اسم لوحة من لوحاته، مستندا إلى قائمة لوحاته الكاملة التي نشرت في العام السابق لتكون سيرته معرضا من معارضه التي أتحفنا بها عبر تاريخه. لم أتدخل في النص فلوحته/ سيرته تمثل اعترافاته الأخيرة).

خالد الخميسي

  ثمة مراوغة فنية إذن بالايهام بالواقع يعززها استحضار شخصيات حقيقية وتضفيرها في متن السرد (عدلي يكن باشا/ قوت القلوب الدمرداشية/..).

يوسع خالد الخميسي من المتخيل السردي حين يجعل من اللوحات التشكيلية بؤرة للسرد والتشكيل الفني معا، بدءا من الاختيار الدال لبطله المركزي (شهاب الشمندر)، الفنان التشكيلي المحب للفن والنساء، وليس ثمة مفارقة هنا، بل تآزر للمدلول السردي لمعنى الجمال الكامن داخل النص، حيث تبدو اللوحة والمرأة في رواية «الشمندر»، مثل وجهين للبهجة والألم أيضا، وتيمات للحياة و الرغبة والشغف.

 يعتمد النص في بنائه على آلية عين الكاميرا، حيث نرى العالم عبر عيني البطل المركزي في الرواية (شهاب الشمندر)، ويأتي كل فصل معبرا عن لوحة درامية وتشكيلية في آن، ليتجادل البصري والحكائي في متن السرد داخل رواية تشف وتقول في آن.

تنفتح الرواية على الفنون الأدائية والبصرية، مستفيدة من بعض تقنيات المسرح والسينما تحديدا، فالاستهلال السردي في الشمندر يعتمد على توظيف آلية البرولوج المستقاة من العروض المسرحية، حيث يتجلى حضور آلية البرولوج في الاستهلال السردي، الذي يبدو وكأنه بصوت الكورس المسرحي، كما تلوح في المختتم الروائي أيضا عبر استخدام أفعال الحركة في نهاية الرواية، وتستعير الشمندر من السينما تقنية المشهدية البصرية، وتضفرها في متن الرواية بحيث يمكنك تخيل بعض مشاهد الرواية تخيلا بصريا ضافيا.

تتأسس الرواية أيضا على مفهوم الصورة السردية التي تبدأ من الصورة البيانية المعتمدة على المجاز اللغوي، الي الصورة البصرية الكامنة في استحضار البعد التشكيلي للصورة. أما الأهم فيتمثل في إفساح طاقة التخييل الروائي وما يصنعه من أثر نفسي داخل سيكولوجية المتلقي

يتعدد الأداء اللغوي داخل الرواية، بدءا من الاستهلال المفعم بلغة كلاسيكية سامقة وحس أبوي يقيني يتسم بالصرامة: «في الطريق إلى مبعث السرور/قبالة منزل سيد الخلود/ يوم كيل الكلمات/ أقول ولا أكذب أمام من يصنع الضياء/ عسى أن أرتحل فوق الأرض دون عائق/ لأنظر قرص الشمس/ وأرى القمر بلا انقطاع/ كل يوم/ كل يوم/ كل يوم».

 ثمة مستوى لغوي ثان يتمثل في تلك اللغة الخبرية الحاكية عن الجدة بستان مثلا أو خريستينا وغيابها ثم عودتها، وتتخذ اللغة طابعا مجازيا في منحى ثالث من مناحيها داخل الرواية، حاملة حسا تعبيريا في توصيف اللوحات التي يتأسس عليها النص، وصولا إلى لغة الحوار السردي، المتوائمة مع وعي الشخوص، والتي تتخذ من الفصحى صيغة لها، لكنها الفصحى التي تأخذ أحيانا منطق العامية في تركيبها (الحقي جدي. يا جدتي. الحقي جدي)، وإن كان النص بحاجة أحيانا إلى مساحة من العامية في الحوار بما يضفي طزاجة على الحدث الروائي، خاصة مع اللغة الكلاسيكية التي انتخبها الكاتب في السرد.

يبدأ خط القص الرئيسي من لحظة زمنية يحددها السرد بوفاة عدلي يكن باشا، وعبر جملة دالة وعابرة في آن، وفي ظل رواية تجدل الذاتي بالموضوعي وتطرح العام عبر الخاص، عبر إشارات سياسية واجتماعية مبثوثة في متن الرواية: «في مساء المعمودية نام الوالد جرجس ولم يستيقظ من نومه. تنيح ولحق بزوجته، ومع المسيح ذاك أفضل جدا. كان ذلك في نفس يوم وفاة عدلي يكن باشا رئيس الوزراء الأسبق. ما أهمية ربط الحادثتين؟ لا أهمية على الإطلاق. ولكن هذا ما تكرر على سمعها وهي طفلة».

تلعب الرواية على مساحات التداخل بين الأزمنة، فلا تسير في خط متتابع، وإنما تبدأ من نقطة ما ثم تعود عبر تقنية الاسترجاع Flash Back إلى زمن أبعد نسبيا، مثل استعادة زيارة الوفد المصري إلي أوروبا لطرح قضية الاستقلال عن المحتل الانجليزي إبان ثورة 1919، ودوما ثمة رابط بين الخاص والعام، يتجلى في سرد التفاصيل الصغيرة، من قبيل حياة الزوج الثاني للجدة بستان الذي كان من مناصري القضية الوطنية والمنافحين عنها مع الوفد المصري في أوروبا بزعامة سعد زغلول وإعارته جواربه الشتوية الثقيلة!.

وتحضر أيضا تقنية الاستباق Flash Forward، حيث الإلماح الي وقائع ستحدث بعد اللحظة الراهنة، من قبيل حكايات شهاب الشمندر ذاته التي صارت امتدادا مغايرا لحكايات جدته (بستان).

ينهض النص بنائيا على آلية التوالد الحكائي، حيث تتناسل الحكايات من بعضها البعض، مثل حكايات صفاء وماجدة وفرانشيسكا، والتي يبدو الرابط الأساسي بينها شهاب الشمندر ذاته، الذي يمثل حلقة الوصل بين الوحدات السردية المتصلة/ المنفصلة التي تتشكل منها الرواية وفصولها التي تتعدى الثلاثين  فصلا.

 يبدو الحس الإيروتيكي بارزا في الرواية، وموظفا داخل المسار السردي، ومانحا النص بعدا أكثر جسارة. وفي كل يظهر شهاب الشمندر ممزقا وتائها في آن، يعاني اغترابا عن الذات، حيث الإخفاق في أن يكون ما يريده، على الرغم من البهجات الصغيرة التي عاشها، أما النهم للعالم فقد أورثه حالا من الأسى الشفيف الذي يعقب الذكرى الخاملة، والأيام الحافلة بالحيوية والذبول، الصحة والاعتلال، الحياة والموت.

لكن الشمندر الذي يعني في القاموس اللغوي الصبي الجلد، قد أرهقته الأيام، وتصاريف الحياة وملذاتها اللانهائية، في مفارقة جديدة ضمن مفارقات لفظية ودرامية عديدة تنهض عليها الرواية.

 وعلى الرغم من ثقافة الاستمتاع بالحياة ومصافحة كل شيء، فإن الشمندر يتأخر خطوتين في نهاية الرواية، حيث يردد الجمل المأثورة أملا في النجاة من غرفة العمليات، ليبدو أسيرا للتصورات المستقرة في العقل العام، والممارسات السائدة لدى الكثيرين في مثل هذه المواقف الفارقة من حياة البشر.    

 تختتم الرواية بجيهان التي قابلها السارد البطل من قبل، مقتربا من نهاية دراماتيكية و رامزة معا في رواية حوت أحيانا استطرادات مجانية، ومثّل فيها شهاب الشمندر عين الكاميرا التي تنقل الأحداث وتتدخل أحيانا بالتحليل أو باستعمال الوظيفة التحليلية للسرد، والتعقيب على الحدث الروائي في أحيان أخرى.

 وبعد.. تمثل (الشمندر) نقلة نوعية في مسيرة الكاتب ونصه المنفتح على جدل السيرة، والحكاية، والتوثيق، والتخييل، في بنية سردية متجانسة ومتناغمة في آن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: