مختارات

تركيا أردوغان.. والإخوان المسلمون في أفريقيا

في منتصفِ فبراير 2020، اكتشفت خليةٌ سرية لجماعةِ الإخوان المسلمين المصرية المحظورة في السودان، كانت تخطِّط لتنفيذِ عملياتٍ إرهابية في الخرطوم والقاهرة. واعترف أحدُ المصريين بأنه دخل السودان مستخدمًا جوازات سفر سورية مزورة، قدَّمتها الحكومة التركية. كان الإرهابيون على صلةٍ ببرلمانيين مصريين سابقين من جماعة الإخوان المسلمين، بمن فيهم جمال حنفي، وياسر حسنين، وعبد الهادي شلبي، الذين كانوا جزءًا من الحكومة المصرية التي أُطيح بها في عام 2013. ووفقًا للسلطات السودانية، فإن أعضاء مصريين من جماعة الإخوان المسلمين وصلوا إلى السودان قادمين من تركيا. وكان العقل المدبر لعملياتهم محمد عبد المالك الحلوجي الذي تُوفي في تركيا، في نوفمبر الماضي، ومحمد البحيري، الذي قاد عمليات الإخوان في أفريقيا.

شبكة البحيري في السودان

يُعتبر البحيري إحدى الشخصيات المحورية في تنظيم الإخوان العالمي، يبلغ من العمر 77 عامًا، ومطلوب من قِبل الأمن المصري، منذ أيام الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر «1970-1952». دخل البحيري السودان في فترة التسعينيات، وعاد لفترةٍ وجيزة إلى مصر، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2011، ليعود إلى الخرطوم في عام 2013، حيث اتُهم بتهريب أعضاء مصريين من جماعة الإخوان المسلمين إلى خارج مصر، سواء إلى الصومال والسودان وتركيا. كما كُلِّف بوضعِ الأساس لخلايا الإخوان السرية في مصر والسودان وليبيا. وساعد البحيري أعضاء من نظام الرئيس عمر البشير على الفرار من السودان إلى تركيا بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019. وتشمل القائمةُ الطويلةُ للأسماءِ العباسَ البشير، وعبد الله حسن البشير، شقيقي الرئيس السابق، وكلاهما ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وتجدر الإشارةُ إلى أن جماعة الاخوان المسلمين تنشط في السودان منذ عام 1949 وتدعو إلى إقامة نظام إسلامي تحكمه الشريعة الإسلامية. وبعد أربعين عامًا، تعاونتِ الجماعةُ مع البشير، وسيطرت على الدولة من خلال «الجبهة الإسلامية القومية» التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، المعروفة سابقًا باسم «جبهة الميثاق الإسلامي». وكان هدفها الرئيس أسلمة المجتمع «من القمة» وإضفاء الطابع المؤسسي على جماعة الإخوان المسلمين في جميع المفاصل الرئيسة للحكومة، والتعليم، والقضاء. وبعدما جُرِّدوا من النفوذ والحصانة بعد الإطاحة بالبشير في العام الماضي، اضطروا إلى العودة مجددًا إلى أحضان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وفَّر لهم، بسخاء، الملاذ وجوازات السفر والمال والمتفجرات والأسلحة. علاوة على ذلك، فإن سفير أردوغان في الخرطوم، عرفان نزير أوجلو، ينتمي إلى عضوية جماعة الإخوان المسلمين. وكان لسفير أردوغان في السنغال، أحمد قاواس، صلاتٌ بتنظيمِ القاعدة، وفقًا لما ذكره عبد الله بوزكورت لموقع «عين أوروبية على التطرف»، وهو صحفي تركي بارز وعضو في حركة «جولن» المناهضة لأردوغان التي تتهمها الحكومة التركية بتدبير محاولة الانقلاب في عام 2016.

رحّل حكام السودان، في مرحلة ما بعد البشير، مئاتٍ من أعضاء جماعة الإخوان المصريين، الذين يقيمون في السودان منذ عام 2013. كما أغلقوا مكتب قناة الجزيرة، وهي قناة الإخوان التي تتخذ من الدوحة مقرًا لها، بعد استدعاء سفير السودان من قطر. كان أردوغان غير راضٍ بشكل واضح عن الانقلابِ السوداني في عام 2019، الذي كان مؤلمًا مثل الانقلاب الذي أطاح بمرسي في عام 2013، مما حطَّم طموحاته في شمال أفريقيا مع الإخوان. ولم تكن طموحات أردوغان في الخرطوم صغيرة.

لقد استثمر أردوغان، بكثافةٍ، في نظام البشير منذ توقيعِ اتفاقاتٍ عسكرية واستخباراتية مع السودان في مايو 2011. والتزمتِ الدولتان بالتعاون في مجال التدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والاتصالات، والبحوث التكنولوجية. وفي ديسمبر 2017، زار الرئيس التركي السودان، وتم إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي الرفيع المستوى، الذي توّج بتوقيعِ اثني عشر اتفاقًا إضافيًا، بما في ذلك الاتفاق المثير للجدل لتأجير جزيرة سواكن السودانية لتركيا. كان أردوغان يأمل أيضًا في تجديد ميناء سواكن الذي كان يومًا ميناء عثمانيًا سابقًا مهملًا لمدة قرن كامل وإنشاء قاعدة عسكرية للسفن والضباط الأتراك.

غير أن كلَّ هذه الطموحات تبخرت بعد أبريل 2019، ما دفع أردوغان إلى اللجوء إلى المعارضة السودانية السرية التي كان يخترقها أعضاءُ جماعة الإخوان المسلمين بكثافة. وكما هو الحال في مصر وسوريا، قرَّر أردوغان أنه إذا لم يتمكن من السيطرة على الدولة في السودان، فإنه سوف يتبنى جهودًا من شأنها إشاعة عدم الاستقرار لإسقاط الحكومة الجديدة وتمزيق البلاد.

تسريبات من الدائرة الداخلية لأردوغان

وفقًا لتسريباتٍ حديثة، شعر أردوغان بالإحباط من جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن أخفقت في الحفاظ على قبضتها على السلطة في القاهرة. وجاءت هذه التسريبات من خلال عملية تنصت سرية كشفت عن محادثة خاصة في عام 2013 بين إبراهيم كالين، أحد كبار مستشاري أردوغان، ورجل الأعمال التركي عبد الله تيفنيكلي، الذي كان مقربًا من الرئيس التركي. وأعرب كالين عن أسفه لأن تظاهرات الإخوان تذبل في مصر، في حين أعرب تيفنيكلي عن قلقه من أن تكون حركة «حماس» في غزة، وهي حليفٌ آخر لأردوغان، الضحية القادمة للإخوان في العالم العربي. وردًا على سؤال حول ما إذا كانت تركيا قد فقدت نفوذها في مصر، قال مستشار أردوغان إنه لا يزال لديها نفوذ على جماعة الإخوان المسلمين، واقترح تيفنيكلي أن يتم التعامل مع المسألة تحت ستار دعم الديمقراطية في مصر.

دعم تركيا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر

علاقات أردوغان بالفرعين المصري والليبي من جماعة الإخوان المسلمين أكثر وضوحًا من السودان. وفي مصر، احتضن بحرارة نظام مرسي، وتحسّر على سقوطه في عام 2013. وفي ظلِّ حكم الإخوان، وعد أردوغان بمضاعفة الاستثمارات التركية في مصر ثلاث مرات لتصل إلى 5 مليارات دولار، واصفًا القاهرة وأنقرة بأنهما «محور الديمقراطية». ومن جانبها، تتهمه السلطات المصرية بتدبير الاحتجاجات التي نظَّمَتها جماعةُ الإخوان المسلمين في القاهرة بعد الانقلاب الذي أدى إلى مواجهة في أغسطس 2013 أسفرت عن مقتل 43 من ضباط الشرطة و1,000 من أنصار الإخوان.

غير أن العلاقات بين مصر وتركيا ازدادت سوءًا، حيث قطعتِ الدولتان علاقاتهما الدبلوماسية بعد سقوط مرسي وعلقتا التعاون الأمني. ترى الحكومة المصرية الجديدة برئاسة عبد الفتاح السيسي أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة وحزب «العدالة والتنمية» الذي يتزعمه أردوغان وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يُلام على خلق الفوضى في جميع أنحاء العالم العربي. وعندما توفي مرسي في السجن العام الماضي، أعرب أردوغان عن أسفه لفقدان «شهيد»، وأمر بإقامة صلاة الغائب عليه في مساجد إسطنبول. في عام 2017، تم اعتقال 29 شخصًا في مصر، بتهمة التجسس لصالح تركيا. وفي يناير 2020، أصدر مستشار أردوغان، حسين أقطاي، كتابًا يُمجِّد سيد قطب، كبير منظري الإخوان المسلمين الذي أعدمه عبد الناصر في عام 1966.

دعم فايز السراج في ليبيا

بعد خسارته لنظامي الإخوان المسلمين في القاهرة والخرطوم، ألقى أردوغان بكامل ثقله خلف فايز السراج، رئيس وزراء ليبيا المدعوم من الأمم المتحدة، والمحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، الذي يخوض معركة شاقة ضد المشير خليفة حفتر، المدعوم من قبل روسيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وعلى غرارِ السودان، تم تأسيس الفرع الليبي لجماعة الإخوان المسلمين من قبل دُعاة مصريين في عام 1949. وبعد اضطهادهم لفترة طويلة في عهد العقيد معمر القذافي، عادوا إلى الظهور كلاعبين نشطين في عام 2011 عندما أطيح بالقذافي من خلال تدخل حلف الناتو، عبر حزب «العدالة والبناء»، الذي فاز بـ 34 مقعدًا من أصل 200 مقعد في أول انتخابات برلمانية بعد القذافي. وفازت الأحزاب السلفية بـ 27 مقعدًا آخر، أي ما مجموعه 61 مقعدًا للإسلاميين.

تحالف فايز السراج مع حزب «الوطن» الذي يتزعمه عبد الحكيم بلحاج، رفيق أسامة بن لادن، وكان قد نصّب نفسه «أميرًا» للجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة. ووفقًا للجيش الوطني الليبي الذي يتزعمه حفتر، فإن عبد الحكيم بلحاج استولى على 50 كيلو من الذهب، و80 مليون يورو، و75 مليون دولار، و80 كيلو من المجوهرات من داخل منزل القذافي. واستند هذا الاتهام إلى مكالمةٍ هاتفية تم اعتراضها بين بلحاج وحليفه مهدي الحاراتي؛ جهادي ليبي أنشأ جماعة سلفية متمردة في سوريا باستخدام أموال تركية.

وقد أرسل الرئيس التركي بالفعل قواتٍ تركية إلى ليبيا لدعم السراج، إلى جانب طائرات دون طيار ومركبات عسكرية، وآلاف المرتزقة السوريين من «فيلق الشام»، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وفرقة «السلطان مراد» وهي وحدة من المتمردين التركمان. واتهم حفتر البنك المركزي الليبي بتحويل أموال النفط إلى الإخوان المسلمين. ووفقًا لأحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، فإن محافظ البنك المركزي في ليبيا، صادق الكبير، موَّل جماعاتٍ أخرى لها صلات بتنظيم القاعدة بمبلغ 11 مليون دينار، من خلال علاقته مع علي الصلابي، زعيم الفرع الليبي المقيم في قطر من جماعة الإخوان، المقرّبة من العرّاب الروحي المصري للجماعة، يوسف القرضاوي.

علاوة على ذلك، فإن المستشار القانوني للبنك المركزي الليبي، مصطفى المانع، هو عضو رسمي في جماعة الإخوان المسلمين، يحظى بدعمٍ من رجب طيب أردوغان، ويشغل عضوية مجلس أمناء المؤسسة الليبية للاستثمار. ويشغل سليمان عبد القادر، وهو زعيمٌ آخر في جماعة الإخوان المسلمين، حاليًا منصب المدير الإداري لمعهد الدراسات المصرفية في ليبيا، التابع أيضًا للسراج. يشار إلى أن البنك المركزي الليبي أودع 1.5 مليار دولار أمريكي في «بنك زراعات» التركي، الذي يستخدم لدفع تكاليف أنشطة الإخوان في ليبيا.

وختامًا، قال عبد الله بوزكورت: «ما دام أن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، وهي نظير تركي للإخوان المسلمين، لا تزال تدعم شبكة «الإخوان المسلمين»، إلى جانب قطر، فإنها ستظل هيكلًا قابلًا للحياة في أفريقيا». «يعمل العديد من قادة «الإخوان» خارج تركيا وينسقون تخطيطهم للمؤامرات من هناك. ليبيا مثال على مدى استعداد أردوغان وشركائه للمضي «في دعم الإخوان» من خلال ضخ السلاح، وإرسال المقاتلين، وتوفير الخدمات اللوجيستية لدعم الشبكة في ليبيا».

نقلا عن: European Eye on Radicalization

الوسوم

سامي مبيض

باحث وأستاذ جامعي سوري، متخصص في الدراسات التاريخية، عمل باحثا في مركز كارنيجي

مقالات ذات صلة

إغلاق