ثقافة

خريطة أيام الشمندر

رواية «الشمندر» لخالد الخميسي تبدأ وتنتهي بالموت. وبين البداية والنهاية رحلة حياة صاخبة مغتربة عاشها الفنان شهاب الشمندر (1958- 2018) صبيًّا وشابًّا، وكهلا يقترب من النهاية لكنه لا يكف عن طلب الحياة، مولعًا باللذة، ومستعينًا بالفن، ومشجعًا للتنوع، ومفكرًا في الأسئلة الكبرى التي تطرحها حياة البشر في كل عصر.

خالد الخميسي

وشهاب الشمندر، شأن كل أبطال الروايات، شخصية لم تعش في الواقع، شخصية مصنوعة من خيال وورق، لكنها شأن أبطال الروايات أيضًا، تتحول في النهاية إلى شخصية من لحم ودم، وربما أكثر حياة من كثير ممن نصادفهم في الحياة الفعلية.

قيمة أبطال الروايات، أنهم إشكاليون يختلفون حتى مع أنفسهم، يرون تدرجات اللون كاملة ويتعذبون بهذه الرؤية. الشمندر تركيبة روائية خاصة جدًّا: والده ابن قرية مصرية، بينما ينتمي هو إلى العالم الأوسع، حاملا ميراث أجداد تنوعت أعراقهم ودياناتهم وحكاياتهم، شهاب الشمندر الذي يحاسِب ضميره قبل أن يحاسَب، هو نفسه الانتهازي الشهواني المهووس بلذة الجنس، يزرع بذرة الحياة في أرحام كثيرة لكنه يهرب من مسئولياته على كل المستويات، يشعر بعذاب الضمير لكنه لا يتورع عن التخلي عن كل نسائه واحدة بعد أخرى. فصول الرواية كلها تقريبا حكايات متنوعة تهيمن عليها فكرة مطاردة اللذة، وكأننا في سباق مع الموت قاتل اللذات.

أين عاش الشمندر؟ ومتى وقعت أحداث الرواية؟ حياته امتدت من 1958 إلى 2018، عاش في مصر زمن عبد الناصر والسادات ومبارك والإخوان والمجلس العسكري والسيسي. أصداء الوقائع السياسية تتردد في مواضع مختلفة من الرواية، لكننا لا نرى أثرها المباشر في حياة البطل أو مجرى الأحداث، على العكس كانت الحياة العامة تمضي في طريق، وحياة الشمندر تمضي في طريق آخر.

الأمر كله يرتبط برؤية الكاتب، وطريقته في حكي الرواية. الرواية كلها محكية بضمير المتكلم شهاب الشمندر نفسه، لكنها مسبوقة بإطار أولي في عبارات موجزة كلها بضمير الغائب.

خيري دومة

لعبة قديمة معتادة في الحكي: يعثر المؤلف على سيرة البطل مخطوطة في مكان ما، فيقتصر دوره على توصيلها إلينا مع تعديلات طفيفة. الصيغة التي حاول أن يصوغ بها المؤلف سيرة الشمندر أو يرسم «خريطة أيامه»، صيغة قائمة على الانتقاء من الزمن السائل الممتد، لحظات متنوعة لكنها فارقة، ترسم خطًّا أو شريطًا ممتدًا مسجلاً في أعماق الروح. كل يوم من هذه الأيام المتفرقة ينطوي على شخصية وحكاية متكاملة تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، وفي مجملها تشكل الحكايات حياة الشمندر.

تنهض الرواية على 31 لوحة خلّدها الشمندر وأعطاها عناوين غريبة. مجمل هذه اللوحات يمكن أن يرسم لوحة هذا البطل الكاملة المتكاملة، سيرته وعالمه المتناقض. وبقدر ما تسير هذه الفصول/ المشاهد/ اللوحات/ الحكايات على نحو خطي من بداية سيرة البطل إلى نهايتها، من طفولته إلى صباه ومراهقته وكهولته المتأخرة، فإنها تعمل أيضًا في مطلق الزمن، وكثيرا ما تكسر هذا الخط المتنامي لحياة الشمندر، بحيث تتطلب من القارئ أن يضع هذه اللوحات متجاورة لكي يدرك العلاقات المركبة بينها، وبقدر ما تركز اللوحات على حكايات وشخصيات حية تركت بصماتها في سيرة الشمندر، فإنها تطرح أفكارًا عامة لها طابع تعليمي بعيد عن حياة الشمندر وسيرته، وقريب إلى فكر المؤلف ومواقفه.

تتوالى الفصول، كل فصل يرسم لوحة كاملة مستقلة، بطلتها في الغالب امرأة ممن طاردهن الشمندر، أو تركن في نفسه أثرًا عميقًا، من خريستيانا العرافة التي تعيش على الحدود بين عالم الجن وعالم الإنس، عالم الحياة وعالم الموت، إلى الجدة الحكاءة الأسطورية بستان، إلى جليلة وعائشة وصابحة وفريال وبرلنته وفرانشيسكا وأفروديت وأنجلو وإيليني وصفاء وليلى وماجدة وفيرونا وبونا وناريمان وجيهان وزوفين، إلى آخر هذا الصف الطويل المتنوع الأسماء والأشكال والألوان، لكل امرأة حكاية، ولكل حكاية مذاق.

لعبة سردية أخرى نكاد ننساها مع توالي أيام الشمندر وحكاياته ونسائه، لكنه يعود إلى تذكيرنا بها وسط طوفان النزوات واللذائذ، تمامًا كما يذكرنا بين الحين والآخر أن شخصياته تعيش في المجال العام وتلتحم بتفاصيل السياسة اليومية. كل وجه من وجوه الحياة والجمال، يرتبط في ذهنه بإله أسطوري كان له مكانه في تاريخ البشر القديم وفنونهم، وله حضوره في عناوين لوحاته/ فصوله.

من الغريب أن الشمندر الذي تبدأ روايته وتنتهي بالخوف من الموت والحساب، يعيش حياة تكاد تنبني على فلسفة أبيقورية نفعية عمادها تقدير اللذة وعدم الخوف من الموت. فلسفة لا تمثلها أفعاله فحسب، بل مثلتها أقواله وتأملاته المنثورة على طول الرواية. حياته وحياة البشر جميعًا كما يقول سلسلة من المصادفات.

الصدفة أحد القوانين الأساسية الحاكمة لطبيعة علاقته بالنساء، وربما بالحياة كلها، ولنتأمل قصته مع زوفين ومع بونا.

رواية الشمندر مليئة بحكايات لا تنتهي، بعضها يرصد شخوصًا تقاطعت حياتهم مع الشمندر لمرة ثم مضوا، وبعضها يقدم حكايات مكتملة عن مسيرة شخوص مروا في حياة الشمندر، لكن حكاياتهم تمتد وتنمو من لوحة إلى أخرى، من فصل إلى فصل.

لا تنبني رواية الشمندر على شكل زماني يتطور من فصل إلى فصل، وإنما تنبني في الأساس على شكل مكاني تتفاعل فيه الحكايات والشخصيات والتأملات والزخارف على لوحة واحدة كبيرة قائمة على التنوع. والتنوع الحر قيمة أخرى من القيم التي يدافع عنها الشمندر دفاعًا مستميتًا، مع أنه في الغالب شخصية لا تدافع عن شيء إلا لذتها. وليس أدل على هذا التنوع من أسماء الشخصيات التي مرت بها رحلة الشمندر، أسماء تنتمي إلى أعراق وجنسيات وأديان وطبقات مختلفة، فضلا بالطبع عن اللوحات التي يخصصها لأنماط من الشخوص تقف في منطقة الأقليات العرقية المتمردة على فكرة القومية الجامعة، وأبرزها لوحتان، إحداهما لزوفين والأخرى ليهودي عراقي التقاه صدفة في سيناء. حيث يدير الكاتب حوارًا خلاصته العداء المطلق لفكرة الهويات الأحادية القاتلة.

ملاحظة أخيرة تتعلق بعناوين اللوحات/ الفصول. السرد في الغالب لا يحتل المساحة الأهم في اللوحة أي لوحة، وإنما الوصف والخطوط والألوان وما ينتج عن هذا من انطباعات، والغرابة تأتي من حرص المؤلف أن تتحول عناوين اللوحات إلى سرد على حساب الوصف، كل عنوان طويل جدا ويتضمن فعلا أو فعلين أو أكثر، ويحكي حكاية: «بستان الزهر تغزل الحكايات بمغزل من ذهب»، «كشك الموسيقى الياباني يهتك عرض النسيج الوطني»، «رمح داجون يخترق الجسد وحضن الربة عنات يقتل العزيز»، «تموت السادية عندما تقضي الماسوشية نحبها».

هذه رواية لها مذاقها الخاص بين الروايات العربية المعاصرة، وستبقى بطبيعتها المراوغة مؤهلة للتأويل الجديد، وبطبيعتها المفتوحة مؤهلة للإضافة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: