ثقافة

من الروهينجا إلى الأرمن.. «رواية» التطهير العرقي.. إبداع مختلف

تحت عنوان «الرواية والتطهير العرقي»، نظم مركز الدراسات الثقافية، ندوة بالتعاون مع كلية التربية بجامعة عين شمس، وذلك بمقر الجامعة وأدارتها الدكتورة مروة مختار أستاذ الأدب العربى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وخلال الندوة قدم عدد من النقاد قراءة أدبية في المنتج الأدبي المتعلق بالروايات التي ناقشت فكرة التطهير العرقي، منهم: الدكتور ماهر عبد المحسن. والدكتور يسري عبدالغني، والناقد نبهان رمضان، والدكتور شريف حتيتة، والباحث معتز محسن.

 في البداية قال الدكتور ماهر عبد المحسن: «التطهير العرقى» هو محاولة خلق حيز جغرافي متجانس عرقيا بإخلائه من مجموعة عرقية مغايرة باستخدام القوة المسلحة، أو التخويف، أو الترحيل القسري، أو الاضطهاد، أو طمس الخصوصية الثقافية واللغوية والإثنية، عبر القضاء عليها نهائيا أو تذويبها في المحيط الإثني الذي يُراد له أن يسود.

واضاف عبد المحسن أن إشكالية الهوية تأتى كمقولة مفتاحية لحل معضلة العنف الجمعى الممنهج. فعدم الاعتراف بالآخر، والعمل بكل الطرق، على إقصائه، مادياً ومعنويا.. حدودياً ووجودياً، هو ما يبرر هذا السلوك غير الإنسانى الذى يصدر عن بنى الإنسان. بل ولعله كان سبباً فى إعادة النظر فى مفهوم الإنسان من الأساس.

ربما تكون للسياسة اليد الطولى فى تحريك الأحداث، لكن يظل الأدب هو الأقدر على الاقتراب من الحدث وملامسته من الداخل من أجل فهم أعمق للإنسان وللسياسة وللتاريخ.

ولأن العنف لا يرتبط بمكان أو زمان أو دين، فقد اخترنا روايتين هامتين فى هذا السياق لنضعهما تحت مجهر البحث النقدى المقارن. وهما «الطيور العمياء» للكاتبة العراقية ليلى قصرانى، و«عائلة من الروهينجا» للكاتب الأردنى مصطفى القرنه، فالأولى تقع أحداثها فى بدايات القرن الماضى، بينما تقع أحداث الأخيرة فى بدايات القرن الحالى، والثانية تصور المسلمين فى دور الضحايا، فى حين تصورهم الأولى فى دور الجلادين. وهى مسألة تستحق التأمل والدراسة.

 وتحت عنوان من التهميش إلى التطهير: قراءة في «الهجرة إلى المقابر» قدم الدكتور شريف حتيتة الصافي تحليلًا لأهم مظاهر التطهير العرقي في رواية «الهجرة إلى المقابر» للكاتب اليمني عمار السروري، الصادرة في 2019م عن دار رواية الخليجية، وهي رواية تتناول قضية مسكوتٌ عنها وبعيدة عن الضوء والمعالجة الأدبية، وهي قضية التطهير العرقي الذي يتعرض له عرب منطقة الأحواز/ الأهواز على يد النظام الإيراني، وذلك من خلال تخييل سردي لسيرة «سجَّاد» الذي تهاجر عائلته إلى المقابر واحدًا تلو الآخر، بفعل الإفقار والتهميش والقمع، يشتركون في ذلك مع كثيرين من العرب الذين تعرَّضوا لممارسات وحشية من قبل النظام الإيراني، فأصبحوا يرون في الموت مصيرًا أكثر أمانًا. وتشتمل الرواية أيضًا على عرقيات أخرى غير عربية مهمَّشة، بما يعمِّق من أبعاد فعل التهميش المتجاوز فكرة التقاطب بين العرب والفرس؛ فهو مدفوع بحالة من العداء الشامل مع كل عرق غير فارسي. وتركِّز هذه الورقة على استراتيجيات النظام الإيراني في ممارسة أفعال التهميش والإقصاء وصولًا إلى التطهير العرقي، مع محاولة الوقوف على جماليات النص في تخييله هذه الممارسات على نحو يتضافر فيه الوثائقي مع السيرذاتي.

شريف حتيتة

تاريخ الإبادة في ثلاث روايات

أشار الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الغني إلى أن ورقته النقدية تتناول بالعرض والتحليل والنقد ثلاث روايات تحدثت عن الإبادة بجميع أنواعها، وهي كالتالي: «رواية (قصة سربرينيتسا) للكاتب البوسني إسنام تاليتش، ترجمة: صهباء محمد بندق، تقديم / مهاتير محمد و شنكا لنامه»، للروائي السوري، المقيم في الإمارات، إبراهيم اليوسف و رواية «وردة الأنموروك»، للروائي عوّاد علي.

د. يسري عبد الغني

وقد تناولت رواية (قصة سربرينيتسا) مقاومة سربرينيتسا وسقوطها يرويها بطل الرواية مرجان جوزو بالإضافة إلى قصة أخرى من دفتر يوميات الحرب الخاص بجده رحمن بيك جوزو الجندي الأسير الذى وقع في الأسر الروسي أثناء الحرب العالمية الأولى

بينما ترصد رواية «شنكالنامه»، واحدة من أصعب مآسي الإنسانية على أرض العراق، عندما شنت عناصر تنظيم داعش في عام 2014 حربا وحشية استهدفت إبادة المواطنين الإيزيدين، عبر قتل رجالهم وخطف النساء والأطفال وبيعهم في أسواق الرقيق.

وعن رواية «وردة الأنموروك»، للروائي عوّاد علي، وقد ذيّلها بعنوان فرعي، هو «سنة الأرمن»، يقول دكتور يسري عبد الغني إن  فيها ثمة إشارة واضحة إلى مجازر الأرمن التي وقعت عام 1915، وما تلاها من عمليات الإبعاد والتهجير ألقسري، حيث توزّع الناجون بين المنافي العربية والأوروبية، وقد اتخذ بعضهم من بغداد وبقية المدن العراقية ملاذاً آمناً لهم، يرممون فيه خساراتهم الكبيرة، ويبدأون خطواتهم الأولى في تحقيق أحلامهم التي فاضت بها أذهانهم الإبداعية المتوهجة.

تبدأ أحداث الرواية زمنياً بافتتاح كنيسة شهداء الأرمن في دير الزور في شتاء 1991، لكنّ بطلة الرواية الساردة تعود إلى سنة الإبادة (عام 1915)، وتذهب أبعد من هذا التاريخ، لتغطي جانباً من حياة أبويها وارتان وتامار، أو تلمح ببعض الإشارات والإيماءات إلى حياة جدها هوانيس.

من رواندا إلى بولندا

وجاءت الورقة النقدية للناقد نبهان رمضان عن رواية «نوتردام النيل» للكاتبة الرواندية سكلاستيك موكاسونجا و تدور أحداثها داخل مدرسة داخلية تقع فوق قمة صخرية مرتفعة تجعلها أقرب للسماء، وهناك نجد نخبة نسوية جديدة لمجتمع رواندا، وصورة واقعية لذلك المجتمع بمختلف أطيافه، إذ نجد الدبلوماسيين و أصحاب النفوذ وكيف يتعاملون مع الأقلية من ممثلي الشعب.

 ويلفت نبهان إلى أن الكاتبة سكلاستيك موكاسونجا رسمت الصراع بين أكبر طائفتين في المجتمع الرواندي في عدة مستويات وقد  تطور الي تطهير عرقي و قتل علي حسب العرق. وقد حازت الرواية على جائزة المعرض الدولي للكتاب في جنيف عام 2012، وصدرت، مؤخرًا، بترجمة لطفي السيد منصور عن سلسلة الجوائز.

الناقد نبهان رمضان

 أما الناقد خالد محمد عبدالغني قد تناول في ورقته رواية «مواسم الإسطرلاب» لـ «علي لفتة سعيد»، وهي رواية ليس فيها اسم لمكان أو لشخصية أو لزمن محدد ، مع محاولة صناعة واقع على أرض غير محددة وسط جماعات من البشر غير محددة أيضا باعتباره «تطهير ثقافي»، وهذه الجماعات استطاعت صناعة ديكتاتور في تلك الأرض، إنه شكل مغاير في شكل لمفهوم التطهير العرقي التقليدي

 وتناولت الورقة النقدية للكاتب معتز محسن عزت رواية (أعداء) أو (قصة حب) التي كتبها الكاتب اليهودي البولندي الأمريكي «إسحق باشيفس سنجر» باليديشية في العام 1972، من أدب التطهير العرقي وهي سمة روايات «سنجر» منذ بدايته الروائية ببولندا حيث يمكث عدد كبير من الطائفة اليهودية بها، كانت المعين الرئيسي في إلهام رواياته على هذا النمط الذي إشتهر به لتكون السبب الرئيسي في فوزه بجائزة نوبل للآداب في العام 1978.

الكاتب معتز محسن عزت

ويلفت الكاتب إلى أن رواية (أعداء) أو (قصة حب)تطرح تساؤلات المضطهدين الوجودية، خلال الحرب العالمية الثانية في فترة مذابح الهولوكوست، الكابوس الدائم للشخصية اليهودية حتى بعد تكوين الكيان الصهيوني في 1948، كفزاعة مستديمة تعطي التبرير لما يقترفه الصهاينة من قتل و ذبح و إراقة دماء الفلسطينيين أبناء الوطن الأصلي.

يقدم لنا «سنجر» تبريرًا فنيًا لهذه المشكلة بتقنية فنية عبر شخصية «هيرمان» أحد الناجين من مذبحة الهولوكوست في العام 1942 و توالي الأحداث عبر الراوي العليم، لما يواجهه من قضايا مختلفة ما بين الحب و الحرب و التضحية و الغدر و الخيانة و كل ما يواجه الإنسان في أوقات المحو والإبادة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق