رؤى

ما الذي يصنع العنف الديني: النص أم السياق؟

النقاش العلمي والسياسي عن أسباب العنف الديني، وتحديدا ما اصطُلح على تسميته بالتطرف الإسلامي العنيف، ظل منقسما بين مدخل يركز على مسئولية النص الديني، وآخر ينظر للواقع الاجتماعي والسياسي كسبب لهذا التطرف العنيف، وبينهما ظلت هناك رؤى تدمج بين المدخليْن بدرجات متفاوتة.

 والحقيقة أن المقصود بالنص الديني هو التفسيرات الدينية المتطرفة أو المتشددة لهذه النصوص، وكيف أنها قادرة في حد ذاتها أن تمثل عنصر استقطاب للكثيرين نحو التطرف وممارسة العنف، بصرف النظر عن السياق السياسي والاجتماعي المحيط بها. أما الرؤية الأخرى فتستند إلى أن هذه النصوص والتفسيرات المتشددة موجودة منذ القدم، ولكن هناك ظروف اجتماعية وسياسية في فترات تاريخية بعينها تحفز على الإقبال علي هذه النصوص وإخراجها من كتب التراث وتحويلها إلى ميثاق للعمل والحركة والعنف.

الأسئلة الكبرى

السؤال الذي يطرح نفسه حين نقترب من قضية التطرف العنيف، هو لماذا لم يفرز النص الديني الموجود معنا منذ قرون تكفيرا في العالميْن العربي والإسلامي طوال العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي مثلا؟ فلم يكن هناك تنظيم القاعدة ولا داعش رغم أننا كنا بلادا محتلة وكان من يقود التحرر الوطني في بلادنا هي جماعات وأحزاب وطنية كثير منها ارتبط بالإسلام ولكن لم يكن لها علاقة بالفكر التكفيري وجماعاته؟ في حين ظهرت جماعات التطرف العنيف بصورها التكفيرية المختلفة في بلادنا بعد الاستقلال، فلماذا حدث ذلك؟ هل لأنه كان هناك أمل بالانتصار والتقدم عرفته كثير من البلاد العربية حين كانت تناضل ضد الاستعمار، وشعرت أنها أنجزت حين حققت التحرر الوطني والاستقلال فلم تحتاج للتطرف الديني والتفسيرات المطلقة؟ أم أن ذلك نتيجة استبداد نظم ما بعد الاستقلال؟ هل ذلك بسبب مؤامرات الخارج؟ ولماذا وجد الخارج تربة خصبة في بلادنا لإنجاح مؤامراته ولم يجدها في مراحل سابقة؟

النصوص كانت واحدة ثابتة لا تتغير، وتفسيراتها تحولت وتغيرت تبعا لظروف كل عصر وخلقت وسيطها السلمي المتعايش في أغلب الأحيان مع الواقع والنظم القائمة، بل وحتى في ظل دول الاستعمار بقي التطرف العنيف والإرهاب في أغلبه صناعة عصر ما بعد التحرر الوطني.

النصوص لا تصنع عنفا إنما هي أشبه بالمادة الخام أو مثل البنزين الذي لن يشتعل إلا إذا أُلقى عليه عود ثقاب، وهذا هو السياق الاجتماعي والسياسي الذي صاغ التفسيرات الدينية وفق رؤية من قاموا به.

ولعل هذا ما جعل التعامل مع هذه الظاهرة يتجاوز المداخل الأمنية والدينية، فالأولى لا يمكن بمفردها أن تقضي على تنظيمات التطرف العنيف، والثانية لا يمكن بتجديد الخطاب الديني أن تقضي عليها لأن لها أبعادا اجتماعية وسياسية أخري.

والحقيقة أن كل المجتمعات التي واجهت جماعات التطرف العنيف طرحت على نفسها أسئلة كبري تتعلق بأبعادها المركبة، وحاول من خلالها علماء الاجتماع والسياسة والخبراء النفسيون والأمنيون ورجال الدين الإجابة، ولم يبدأوا بالقول إن المشكلة فقط أو أساسا في بعض رجال الدين المتشددين أو بعض الأفكار الدينية المتطرفة أو بعض الجماعات الإرهابية، إنما ناقشوا أسباب المرض، «ولماذا الإرهاب والإرهابيون ولماذا الانتحاريون؟» وبعدها تكون الإجابة كيف يمكن مواجهتهم، أما البدء بالإجابات السهلة بأنهم قتلة ومجرمون وخارجون عن صحيح الدين ولا بد من إعدامهم جميعا دون أي جهد لمعرفة أسباب اتجاههم نحو تنظيمات التطرف العنيف وممارستهم الإرهاب، فهذا منهج لن يحل المشكلة.

تغير الأوزان النسبية

وقد تبلورت ظاهرة التطرف الديني العنيف في صيغتها المعاصرة منذ منتصف الستينيات بفعل أفكار سيد قطب وكتابه الشهير معالم في الطريق ثم ظهر مع بداية السبعينيات تنظيما الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر اللذان دخلا في مواجهات دموية مع النظام القائم وصلت إلى حد اغتيال الرئيس السادات، ثم ظهرت الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر التي دخلت في مواجهات عنيفة ودموية ضد الدولة الجزائرية انتصرت فيها الأخيرة بجراح كثيرة، كما ظهرت «الجماعة السلفية المقاتلة في بلاد المغرب الإسلامي» في تسعينيات القرن الماضي ومارست عنفا داخل بلاد المغرب العربي وأفريقيا.

وحين كان يطرح التساؤل عن دوافع الإرهاب في ذلك الوقت كان النص الديني حاضرا بقوة في الإجابة، فقد امتلكت هذه الجماعات نمطا فكريا وعقائديا متكاملا يدور حول مفهوم الحاكمية  لله واعتبار كل القوانين الإنسانية والوضعية هي خروج عن أحكام الشريعة، وأن النظم القائمة هي نظم جاهلية لا تطبق أحكام الله، ولذا وجب تكفيرها وإسقاطها بالعنف، وأن مدخل أي عضو للانضمام إلي التنظيمات الجهادية الكبرى كان يبدأ بالإيمان بنسق عقائدي متكامل مستند إلي تفسير خاص للنص الإسلامي يدفع العنصر بعد سنوات من الانخراط في التنظيمات الجهادية إلي ممارسة العنف والإرهاب في مواجهة ما كان يعتبره «النظم الكافرة» والمجتمع الجاهلي.

صحيح أن هذه المفاهيم مثلت نوعا من الانحراف الفقهي والعقائدي عن «صحيح الإسلام»، وسبق أن دحضها علماء دين كثيرون، إلا أنها ظلت الدافع الرئيسي وراء انضمام الكثيرين لتنظيمات العنف، وأيضا أساس التوبة والتوقف عن ممارسة العنف. وقد تغير الأمر مع بدايات العقد الماضي حين تراجع دور النص الديني كمحدد أساسي في عملية التجنيد لتنظيمات القاعدة ثم داعش لصالح التأثير الكبير للسياق الاجتماعي والسياسي المحيط.

 صحيح أن النص الديني ظل حاضرا كمبرر للقتل أو الانتحار، ولكن من يصنع الكراهية والإرهاب وتكفير المخالف لم يعد أساسا تفسير منحرف للنص الديني، إنما هو-على سبيل المثال- واقع طائفي في العراق أشعر قطاعا واسعا من السنة بالاضطهاد والتهميش، أو مظالم سياسية وطائفية وجرائم حرب ارتكبها النظام في سوريا دفعت جزءا من الشعب لأن ينضم أو يتواطأ مع القاعدة وداعش، ونفس الأمر ينطبق على دواعش أوربا الذين كانوا ضحايا سياق مجتمعي عانوا فيه من التهميش والعنصرية والفشل الدراسي والمهني، فبحثوا جميعا عن نص ديني يبرر العنف والإرهاب، وهذا أمر مختلف عن ما فعله أعضاء التنظيمات الجهادية في القرن الماضي حين كان النص الديني أو تفسيرهم له هو صانع العنف وطريقهم لحمل السلاح.

صناعة التطرف العنيف عملية مركبة، ويقينا التفسيرات الدينية المتشددة حاضرة كدافع لممارسة العنف والإرهاب ولكنها ليست الدافع الوحيد، ولا يمكن عزلها عن السياق الاجتماعي والسياسي المحيط بها والذي يدفع الكثيرين في اتجاه التفسيرات المتطرفة. ومن الواضح أن الوزن النسبي للدوافع العقائدية قد تراجع في العقود الأخيرة وأصبحنا نجد عناصر تمارس العنف والإرهاب لأسباب تتعلق بالتهميش الاجتماعي أو الانتقام والثأر السياسي أو لأسباب مذهبية و طائفية وتغلف موقفها بقشرة دينية لإبراء الذمة أو الذهاب نحو الجنة الموعودة.  

اقرأ أيضا:

من أي الطبقات يأتي الإرهابيون؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. سيدي : ركز المقال على مدخلين (النص ) و (السياق )
    اسمح لي ان اضيف مدخل ثالث ولنسميه (صراع الكبار وامتطاء المسلمين لتحقيق مصالحهم )

    اولا : ارادت بريطانيا تقسيم الهند فامتطت المسلمين وتراثهم الديني ونصوصه وسياقه وشقتها وانتجت باكستان وبنجلاديش . وبالطبع الناس لا تذكر المؤامرة البريطانية الان ويذكرون فقط ابو العلى المدودي وفكره المتشدد .

    ثانيا : ارادت بريطانيا ضرب الدولة العثمانية فامتطت المسلمين ونصوصهم وسياقهم وتراثهم وانتجت الحركة (الوهابية ) لتكون شوكة في خاصرة العثمانيين . والناس لا تذكر المؤامرة البريطانية الان – بل تذكر فقط تشدد الوهابية .

    ثالثا : ارادت اميركا ان تضرب الإتحاد السوفييتى وتحد من انتشاره في آسيا الوسطى . فامرت قادة المنطقة العربية باعادة نشر الفكر الجهادي السلفي الوهابي – وتواطؤوا معها – وقدموا مليارات الدورات وعشرات الآف من ابناء المسلمين لخدمة (مؤامرتها ) في صراعها مع السوفييت وذهب ابنائنا الى افغانستان والشيشان ليقاتلوا (بالوكالة ) في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل – وبالطبع لا احد يذكر المؤامرة المريكية الان – وكل ما يذكر هو تطرف القاعدة وتشددها .
    حتى بعد ان اعترف المريكان بالمؤامرة – وحتى بعد ان اعترفت النظمة العربية بالتواطؤ في المؤامرة – مازال سدنة البيت البيض مع العرب يلقون باللائمة على (النص والسياق ) ويغضون الطرف عن ان النص والسياق والمسلمون وتراثهم كانوا مجرد (مطايا ) لتنفيذ المؤامرات البريطانية سابقا – والمريكية حاليا . https://youtu.be/9_2B0S7tj9E

إغلاق