دار الكتب

أمين معلوف.. الكائن الحدودي الذى أصبح عالميا

«منذ أن غادرت لبنان في عام 1976 لأستقر في فرنسا، سُئلت مرات عديدة، بأفضل ما في العالم من نوايا، إن كنت أشعر أو لا أنني فرنسي أو لبناني وكنت أجيب دائماً: هذا وذاك!. ليس من قبيل الحرص على التوازن أو المساواة، وإنما لأنني إن أجبت بشكل مختلف لكذبت. إن ما يجعلني نفسي وليس شخصاً آخر هو أنني بهذا النحو على تخوم بلدين، ولغتين أو ثلاث، والعديد من التقاليد الثقافية. هذا بالضبط ما يحدد هويتي. هل أكون أكثر أصالة إن اقتطعت جزءاً من ذاتي؟» هكذا قدم «أمين معلوف» نفسه في كتاب «الهويات القاتلة».

قلد الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» الروائي والكاتب اللبناني الفرنسي الشهير «أمين معلوف» وسام الاستحقاق الوطني خلال حفل أقيم مؤخرا بقصر الإليزيه. ذلك الوسام الذي يعد من أرفع الأوسمة الفرنسية التي لا يحظى بها سوا قلة نادرة للغاية من أبناء فرنسا المخلصين، تُري كيف تمكن «أمين معلوف» ذلك اللبناني الفرنسي من نيل تلك الثقة، أو بمعنى أدق كيف تمكن من استيعاب الثقافة العربية والأوربية بكل تلك السلاسة؟، لعلنا من خلال كتابه «الهويات القاتلة» نجد إجابة على ذلك التساؤل.

بين النشأة.. والهوية

يروي معلوف في مقدمة كتابه «الهويات القاتلة» عن نشأته الأولى بلبنان، مشيرا إلى أنه عاش في لبنان حتى بلغ السابعة والعشرين من عمره، وأن العربية هى لغته «الأم» وأنه في قريته الجبلية – قرية أجداده- عرف أفراح الطفولة الأولى وسمع بعض القصص التي استوحى منها فيما بعد بعض رواياته، لكنه من جانب آخر بات يعيش في فرنسا، وتُلامس يداه أحجارها القديمة يومياً ويكتب بلغتها، لذا لن تكون فرنسا أرضا غريبة بالنسبة له.

يقدم معلوف عائلته في لبنان وكيف أنها تضم تقليديْن دينييْن متخاصميْن، وبأنه أثناء فترة طفولته كان شاهداً على هذا التجاذب بين التقليدين، وقد التحق بالمدرسة الفرنسية مدرسة الآباء اليسوعيين لأن أمه كانت كاثوليكية متشددة حرصت على إبعاده عن التأثير البروتستانتي المسيطر آنذاك في عائلة والده، حيث كانوا يوجهون الأطفال نحو المدارس الأمريكية أو الإنجليزية ولذا أصبح «معلوف» فرانكوفونيا نتيجة لهذا الصراع العائلي، وهو ما ترتب عليه سفره إلى فرنسا خلال الحرب في لبنان، ومن ثم بدأت رحلته في الكتابة بالفرنسية. غير أنه بشكل أو بآخر أصبح يرى نفسه صاحب انتماءات مشتركة مع كل كائن حي.

يضيف معلوف: «أن أكون مسيحياً وأن تكون لغتي الأم اللغة العربية، لغة الإسلام المقدسة، أحد التناقضات الأساسية التي شكلت هويتي، وهى لغة مشتركة بيني وبين أكثر من مليار شخص آخر، ولكون انتمائي إلى المسيحية فإن هذا يربط بيني وبين ملياري مسيحي في العالم، هناك أشياء تفصلني عن كل مسيحي وكذلك عن كل عربي وكل مسلم، ولكْنْ هناك تقارب بيني وبينهم .. دينية وفكرية مع المنتمين للمسيحية ولغوية وثقافية مع كل عربي وكل مسلم».

فالهوية عند أمين معلوف «لا تتجزأ أبدا ولا تتوزع أنصافاً أو أثلاثاً أو مناطق منفصلة» فهو وفق ما قدم نفسه لا يمتلك هويات عدة، بل هوية واحدة مكونة من كل تلك العناصر التي تشكلت وفقا لمعايير خاصة تختلف من شخص لآخر.

أن تكون مهمشا.. أو مندمجاً؟

يلفت معلوف النظر إلى نماذج من البشر تحيا بين ثقافتيْن أو إنتمائيْن فإذا تحيز الشخص لانتماء منهما دون الآخر بات «مهمشاً»، مثال ذلك الشاب الذي ولد بفرنسا من أبويْن جزائرييْن فهو يحمل في داخله انتمائين، حيث تختلط التأثيرات الفرنسية والأوربية بالتأثيرات العربية والأفريقية والمسلمة .. ومن ثم فإن هذا الشخص سوف يشعر بالإضطراب فإذا ما أكد على أنه فرنسي سوف ينظر له بوصفه خائن، وإذا اعطى أولوية لروابطه مع الجزائر وتاريخه وثقافته وديانته فأنه سوف يصطدم بعدم التفهم والحذر والعداء حد «التهميش»، وبذا يصبح هؤلاء البشر الذين يعيشون بين ثقافتين وفقا لوصف معلوف «كائنات حدودية» قدرهم أن يكونوا صلات وصل، ووسطاء بين مختلف الجماعات والثقافات المتنوعة.

يتناول أمين معلوف مفهوم الهوية مشيرا إلى أنها تتشكل بالنسبة للغالبية العظمى من الناس بناء على الانتماء إلى تقليد ديني وإلى جنسية وأحيانا جنسيتين وإلى مجموعة أثنية أو لغوية وإلى عائلة كبيرة أو أقل اتساعا، وإلى مهنة ومؤسسة ووسط اجتماعي ما. ويوجد في كل العصور انتماء واحد مسيطر يفوق كل الانتماءات الأخرى ندعوه «هوية» هذا الانتماء هو الوطن بالنسبة لبعضهم والدين بالنسبة لبعضهم الآخر، ولكن يكفي أن نجول بنظرنا على مختلف الصراعات التي تدور حول العالم لننتبه إلى أن أي انتماء لا يسود بشكل مطلق، فحيث يشعر الناس أنهم مهددون في عقيدتهم يبدو أن الانتماء الديني هو الذي يختزل هويتهم كلها. ولكن لو كانت لغتهم الأم ومجموعتهم الأثنية هى المهددة لقاتلوا بعنف ضد أخوتهم في الدين، فالأكراد والأتراك على سبيل المثال كلاهما مسلم ولكنهما يختلفان في اللغة، ويدور بينهم صراع دموي.

يعود معلوف ليشير إلى أن كل شخص مختلف عن الآخر فإذا كان هناك مسيحي لبناني يختلف عن المسلم اللبناني فإنه لا يوجد كذلك مسيحيان متماثلان، مثلما لا يوجد في العالم فرنسيان أو أفريقيان أو عربيان أو يهوديان متماثلان، فلا يمكن لفرد أن يحل مكان الآخر. والهوية لا تعطى مرة واحدة وإلى الأبد، فهى تتشكل وتتحول على طول الوجود، وأن ما يحدد انتماء شخص إلى مجموعة ما يتمثل في تأثير الآخرين بشكل أساسي، أي القريبين منه، كأهله ومواطنيه وأخوته في الدين الذين يسعون إلى تملكه، وتأثير من في مواجهته ومن يعملون على إقصائه.

الهويات القاتلة

لماذا توصف الهويات بكونها «هويات قاتلة؟».. يجيب معلوف على هذا التساؤل مشيرا إلى أن المفهوم الذي يفضحه في كتابه هذا يتمثل في كون الهوية التي تختزل في انتماء واحد، تضع البشر في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومتسلط وأحيانا إنتحاري، يحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة، ذلك أن رؤيتهم للعالم رؤية مشوهة. فالذين ينتمون لجماعتنا ذاتها هم أهلنا الذين نتضامن مع مصيرهم، ولكننا نسمح لأنفسنا أحياناً في الوقت ذاته بأن نكون طغاة تجاههم، أما بالنسبة للآخرين الموجودين على الضفة الأخرى، فلا نسعى أبداً لأن نضع أنفسنا مكانهم.

هنا ينوه معلوف إلى أن كل المذابح التي حدثت خلال السنوات الأخيرة وكذلك معظم الصراعات الدامية ترتبط بملفات الهويات، غير أن هذا لم يمنع من بروز أفكار جديدة فرضت نفسها ببطء وتمثلت في أن لكل شخص حقوق يجب تحديدها واحترامها.

دفاعا عن الإسلام

المهتمون بالعالم العربي يتساءلون لماذا كل هذا الحجب، وهذه اللحى التعيسة وهذه الدعوات إلى القتل؟ لماذا كل هذا القدر من مظاهر السلفية والعنف؟ أكل ذلك ملازم لهذه المجتمعات وثقافتها وديانتها؟ ألا يتوافق الإسلام مع الحرية، والديمقراطية ومع حقوق الرجل والمرأة ومع الحداثة؟

يجيب معلوف على تساؤلاته تلك مشيرا إلى أنه من الطبيعي أن تطرح تلك التساؤلات، غير أنها لا تعطي الحق في إصدار تلك الأحكام المسبقة المعادية للإسلام، كما أنه عندما يرتكب عمل ذميم باسم عقيدة ما أياً ما كانت فإن هذا لا يعني أن تصبح العقيدة مذنبة، ذلك أن كل من ينضوي تحت عقيدة معينة يحق له تماماً أن يقول بأنه يقر بهذا التأويل أو ذاك للعقيدة.

يضيف معلوف أنه لكي نفهم علاقة الديمقراطية بالإسلام على سبيل المثال لابد من أن نتساءل هل كانت الديمقراطية في تاريخ العالم الإسلامي مطلبا دائما؟ والجواب بوضوح هو «لا» كما أن تأسيس مجتمع يحترم الحريات كان تدريجياً وغير كامل ومتأخر جدا بالنسبة إلى تاريخ المجتمعات في المجمل، وإذا كانت الكنائس قد ساهمت في هذا التطور فقد تبعت عموما حركة التطور بنوع من التحفظ أكثر مما حفزت عليه، وإن الإندفاع التحرري أتى في أغلب الأحيان من أشخاص يقعون خارج إطار الفكر الديني.

يعود معلوف ليذكِّر القارىء بأن أسوأ مآسي القرن العشرين من حيث الإستبداد والاضطهاد والقضاء على كل حرية واحترام إنساني لم تكن ملازمة للتعصب الديني، ولكن لأنواع أخرى من التعصب تعتبر نفسها معادية للدين كما في حالة الستالينية، أو تتجاهل الدين كما في الحالة النازية وبعض العقائد القومية الأخرى.

من جانب آخر يوجد في تاريخ الإسلام ومنذ بداياته قدرة عالية على التعايش مع الآخر، ويضرب معلوف المثل بفترة نهاية القرن التاسع عشر حين كان يعيش بمدينة أسطنبول على سبيل المثال أغلبية غير مسلمة تتألف من اليونانيين والأرمن واليهود، أما في باريس أو لندن أو فيينا أو برلين فحتى اليوم يتفاجأ العديد من الأوربيين لسماع نداء المؤذن في مُدنهم. وعلى ذلك فإنه لابد من التأكيد على أنه حدث خلال حقب تاريخية متتالية من التاريخ الإسلامي أن وجدت حالة من التعايش والتسامح مع أصحاب الديانات الأخرى. غير أن المهم بطبيعة الحال يتمثل في أن يتمكن الفرد بصرف النظر عن ديانته في أي مجتمع من المجتمعات من أن يكون مواطناً كامل الحقوق مهما كانت عقيدته.

يوصي معلوف في ختام كتابه بضرورة العمل على تشجيع كل شخص على الاضطلاع بتنوعه الخاص وإدراك هويته بوصفها حصيلة انتماءاته المختلفة، بدلا من اختزالها إلى انتماء واحد، ومن ثم يتمكن الشخص الذي يعيش في إطار منظومة ثقافية لا تلتقي مع ثقافته الأصلية من الاضطلاع بانتمائه المزدوج دون الكثير من التمزقات، حتى لا يشعر الفرد أنه مُجبَر على إخفائها كمرض مخزٍ، والانفتاح بالتوازي على ثقافة البلد المضيف. والأمر بهذه الصياغة لا يخص المهاجرين فحسب وإنما يخص أيضا كل الذين يشعرون أنهم مختلفون لأسباب دينية أو أثنية أو اجتماعية أو غيرها في الوطن الذي ينتمون إليه.

بذات الطريقة يوصي معلوف المجتمعات المختلفة بضرورة الاهتمام بانتماءاتها المتعددة التي شكلت هويتها وهو ما يحتم عليها أن تجتهد لتظهر من خلال رموز مرئية أنها تضطلع بتنوعها لكي يتمكن كل فرد في المجتمع من التماهي مع ما يراه حوله، وبالتالي لا يشعر أي شخص أنه مستبعد من الحضارة المشتركة التي باتت وليدة عصر العولمة الراهنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق