فن

الفتى الذي سخر الريح.. موارد محدودة وإبداع لا محدود

اعتادت عيون المشاهدين في عصرنا الحالي على الانبهار بالعنف والعري والألوان الساطعة والأحداث المتلاحقة، أما في فيلم «The Boy Who Harnessed the Wind»  «الفتى الذي سخر الريح» فإن القصة مختلفة تمامًا، فغالبًا ما سيتعرض الجمهور لصدمة بسبب بساطة المشاهد، حيث يبدأ الفيلم بإيقاع بطىء يجعلك تنظر في ساعتك منتظرًا الحدث الكبير، ولكن الممثل البريطاني ذا الأصل النيجيري «شيواتال إيجيفور» يُدخلنا في تجربته الإخراجية الأولى في سياق مختلف تماما، حيث ينقل إلينا قصة الملهم «ويليام كامكوامبا» اعتمادًا على المذكرات التي نشرها عام 2009، التي حكى فيها كيف نجح في إنقاذ قريته بالكامل من خلال توليد الطاقة من الرياح وهو في عمر ال14 فقط.

الصعوبات 

يحيلنا عنوان الفيلم إلى نهاية متوقعة، فمنذ اللحظة الأولى ورغم كل الصعوبات التي يواجهها الفتى الصغير فإنك تعلم بالفعل أنه سينجح في النهاية في عمل طاحونة الهواء، لذا فإن عامل المتعة في الفيلم ليس الإثارة أو التشويق وإنما التفاصيل، حيث يأخذنا الفيلم إلى إفريقيا، تحديدًا مالاوي في مطلع الألفية قبيل المجاعة التي حدثت هناك في عام 2002، ما يجعلك تحمد الله تلقائيًا على حياتك المرفهة، حيث يعيش الناس بالحد الأدنى من كل شيء حتى الطعام، فكل ما يأملونه أن يكفيهم لنهاية الشهر، بعدما ضرب الجفاف كل المحاصيل، فأصبح الجميع مهددا بالموت جوعًا.

أما عن التعليم فإن إرسال الأولاد إلى المدرسة رفاهية لا يقدر عليها الجميع، ورغم أن والديّ بطلنا الصغير كانا مُصريْن على تعليمه، إلا أن الأموال تنفد منهما فيفصل  الطفل من مدرسته، ولكن هذا لا يقف عائقًا أمام حبه للفيزياء الذي يظهر منذ بداية الفيلم وهو يعمل على إصلاح أجهزة الراديو لزملائه وجيرانه، حتى تأتي له فكرة ذات يوم حينما يرى مصباح دراجة معلمه الذي يعمل بمولد كهربائي، فكلما حرك أحدهم بدال الدراجة نتجت طاقة تنير المصباح، ومن هنا يستنتج أن هناك وسائل متعددة يمكن من خلالها توليد الكهرباء.

صورة حقيقية لويليام وأسرته 

العلم نور 

يتسلل «كامكوامبا» إلى مكتبة المدرسة بحيلة ذكية بعد طرده منها، ويعثر على كنز وهو كتاب باللغة الإنجليزية اسمه «استخدام الطاقة»، من الكتاب يجد شرح لنموذج طاحونة الهواء لتوليد الطاقة من الرياح، ولإنهاء معاناة قريته التي لم يعد بها كهرباء للإنارة ولا ماء بسبب الجفاف، يقرر الفتى الصغير أن يولد لهم الكهرباء لينقذهم من تلك المأساة، ورغم أن الأمر يبدو مستحيلًا للجميع، إلا أنه يبدأ في تجميع المواد اللازمة من الخردوات ويفكك دراجة والده ويصنع بالفعل طاحونة الهواء بعمر ال 14 عامًا، ويصبح بطل القرية، ويذيع صيته بعدها في العالم كله.

أهم رسالة في الفيلم هي أن «كامكوامبا» نجح في إنارة قريته كلها بنور العلم، والعلم هنا ليس بمعنى الذهاب إلى المدرسة وعمل الواجبات، حيث كان الفتى مطرود من مدرسته بالفعل، ولكن العلم الذي يفتح الآفاق ويضع بذرة البحث والتعلم الذاتي داخل الطفل، فبينما كان أهل القرية يتمنون ويدعون أن ينزل عليهم المطر، أو حتى يغادرون القرية هربًا من الجفاف، فكر الفتى الصغير في أن يأتي هو بالماء والكهرباء، ونجح بالفعل في خلق حل لم يخطر ببال أحد، وذلك فقط من خلال ما تلقاه من معلومات بسيطة عن الفيزياء، وبكتاب واحد عكف عليه، نفذ مشروعه بأقل الإمكانيات.

الحداثة والتقليدية

يستعرض الفيلم أيضًا مشكلة صراع الأجيال، فعلى الرغم من أن والد «كامكوامبا» كان مصرًا على تعليم ابنه منذ البداية، إلا أنه عند تأزم مشكلة الجفاف لم يتقبل حل ابنه، فبالنسبة له توليد الكهرباء من الرياح هو محض خرافة، ففي النهاية كل ما يعرفه عن الحياة هو الزراعة والحصاد، وبالتالي كان من الصعب على الفتى الصغير أن يقنع والده بفكرته، ويأخذ منه دراجته ليستخدمها في صنع طاحونة الهواء، ولكن خلال أحداث الفيلم تغير تفكير الأب تدريجيًا، وأدرك أنه إلى جانب الإخلاص والحفاظ على الأرض والمثابرة لابد من البحث والتفكير خارج الصندوق، ليصبح في النهاية فخورًا بابنه الذي أنقذ القرية كلها.

يتميز الفيلم بالأصالة حيث صور «إيجيفور» المشاهد في مالاوي، وبدأ بالعمل على مشروع الفيلم لمدة عقد كامل، كما تعلم هو وبعض الممثلين الشيشيوا وهي اللغة المحلية في مالاوي، نظرًا لحرصه على أن يعيش المشاهد القصة الأصلية قدر الإمكان، إجمالًا ينتمي «الفتى الذي سخر الريح» إلى فئة السينما النظيفة، لا يوجد به صخب أو أحداث مبالغ بها، وفي الوقت نفسه يتضمن رسائل عميقة، يأخذ المشاهد معه إلى عالم حيث يمكن للمستحيل أن يتحقق ببساطة، فلا يحتاج الإنسان لشروط حتى يصبح مبدعًا، وإنما كل ما يحتاجه فقط هو أن يستغل الموارد المتاحة مهما كانت محدودة، وأن يثق في قدراته، ووقتها لا شىء يمكن أن يقف أمامه، هكذا عبر «كامكوامبا» عن نفسه في لقاءه على منصة  «تيد» العالمية حيث قال: «لقد حاولت.. وفعلتها»، هكذا بكل بساطة يمكن للإنسان أن يصل إلى أحلامه كل ما عليه أن يحاول.. وسيفعلها!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: