منوعات

الماميز والكورونا: إشاعات وقلق وكوميديا

مع بداية انتشار فيروس الكورونا المتطور، وذيوع أخبار حول وفيات، وتأكيدات منظمة الصحة العالمية أن الفيروس سيجتاح العالم، وربما يقتل الملايين، ظهرت -أول ما ظهرت – حالة الفزع عندنا في مصر بين الأمهات: أكثر المخلوقات حرصا على الحياة الإنسانية واستمراريتها.

هلع الأمهات

تم استغلال حالة الحب والقلق المفعمة بها قلوب الأمهات من قبل بعض الأشخاص لنشر شائعات حول انتشار فيروس الكورونا. مما أعقب حالة هلع بين الأمهات، ترتب عليها مطالبات باتخاذ تدابير احترازية وتعليق الدراسة وتشديد الحصار حول الوباء، حرصا على حياة أطفالهن في المقام الأول، وعلى حياة أشخاص يتعلق استمرارهم بمصلحة أبنائهن، كحياة الآباء، والجدات، والخالات، وكل من هم من مصلحة أبنائهن أن يظلوا على قيد الحياة.

أعقبت تلك الموجة من الهلع، موجة أخرى من السخرية، والاستهزاء بمخاوف الأمهات، والتي بالفعل احتوت على عدد من المفارقات، مثل بحث الأمهات عن وسائل للوقاية الطبيعية، والإصرار على عدم الخروج من المنزل، والشجار مع كل من يحاول تقبيل الأبناء. وبوصفنا شعبا يرى المفارقة في أحلك المواقف، فقد انطلقت الكوميكس والتسجيلات المصورة لتصوير هلع الأمهات بشكل كاريكاتيري لم تغضب منه أي أم أيا كانت، لأنها هي ذاتها ترى المفارقة في تصرفاتها وقلقها، وتضحك أثناء البكاء (الضحك أثناء البكاء عادة مصرية أنثوية قديمة).

إلا أن الأمر تطور للتشكيك في نوايا الأمهات، وإلقاء اللوم عليهن، واعتبارهن خطرا على مصلحة البلد، وأنهن ألعوبة في يد قوى الشر لضرب السياحة المصرية.. ولنا هنا وقفة.

هيدا حشيشة قلبي

المشهد بشكل جامع، يذكرني بفيلم من إخراج المبدعة نادين لبكي، بعنوان «وهلق لوين؟»

يحكي الفيلم قصة ضيعة (قرية)، في لبنان، يعيش فيها مسلمون ومسيحيون، لهم تاريخ من الحرب الأهلية والقتل تسبب في ثكل الأمهات وفقد الأحبة. ثم هدأت الحرب، وعاش المسلمون والمسيحيون في سلام فوق صفيح ساخن. رماد السلام يقبع فوق أجيج نار الطائفية التي تتحين الكلمة واللفتة والهمسة وحتى لعب الأطفال لتأكل الأخضر واليابس، وتعود بالنساء إلى الاتشاح بالسواد، حتى يتصادف أن يُقتل أحد سكان القرية المسيحيين أثناء عبوره من قرية لأخرى. تخفي الأم خبر موت ابنها الأصغر، وتدفنه سرا في بئر بعيد، خوفا على ابنها الأكبر من اللا منطقية التي ستدفعه للانتقام من المسلمين الذين قتلوا شقيقه، بالرغم من عدم وجود القتلة في القرية بالأساس. إلا أن نساء القرية تنتابهن الشكوك، فيذهبن، مسلمات ومسيحيات، لبيت الأم لتفقد الابن الأصغر، فيعرفن الخبر.

تنتاب النساء جميعا حالة من الذعر خوفا من تأجج الحرب مرة أخرى، فيبذلن قصارى جهدهن، في قالب كوميدي، لإخفاء مقتل الابن، وإلهاء الرجال في الراقصات والخمر والمخدرات كي لا يسأل أحدهم عن الشاب الغائب، وهن يغنين لرجالهن: هيدا حشيشة قلبي. بعد أن يسكر الرجال حتى الثمالة، تتسلل النساء لتغيير أماكن السلاح بالقرية وإخفاء الأسلحة، وأخيرا، وبعد أن ينكشف الخبر لشقيق القتيل، تلجأ النساء لحيلة يائسة أخيرة: حيث يستيقظ الرجال ذات صباح، ليجد المسيحي زوجته وهي تصلي صلاة المسلمين، ويجد المسلم زوجته أو والدته أو أخته وهي ترتدي الصليب، تواجه كل امرأة الرجل في أسرتها قائلة: إذا كنت تريد قتلهم فابدأ بي فقد أصبحت منهم.

هنا يقع الرجال في معضلة تجبرهم على التراجع والتفكير، وأخيرا، تخرج جنازة الشاب، يحملها الرجال على الأعناق وتسير النساء باكيات، وفور وصول الجنازة إلى المقابر، يقف الرجال في حيرة بين مقابر المسيحيين والمسلمين ثم يلتفتوا إلى النساء متسائلين: وهلق لوين؟

حب منزوع الشروط

الشاهد من استحضار مشاهد هذا الفيلم أثناء متابعتي لمجموعات الأمهات على تطبيق الواتساب، أو كما يطلق عليها: جروبات الماميز. هو أن الله خلق الأمهات لتستمر الحياة، فهن الأكثر حرصا على استمرارها على هذا الكوكب. وحدهن من يتصرفن بمسؤولية وهن في غير موقع مسؤولية، وحدهن من يبحثن عن حلول، وهن في غير مكان يسمح لهن بإيجاد الحلول: لا هن وزراء، ولا علماء، ولا رؤساء، لكنهن المسؤولات الوحيدات، ليس فقط عن الحفاظ على حياة أبنائهن، ولكن عن  ضمان سعادتهم واستقرارهم واطمئنانهم

نعم، الأمهات كوميديات، هذا إقرار منهن بذلك، وهن لا يغضبن من ضحكات الجميع، بل ويضحكن معهم. بالطبع، هذا الخليط من الحب منزوع الشروط، مع القلق منزوع المنطق، مع الرغبة في الحل منزوعة الصلاحيات، لابد أن يخلق مواقف كوميدية كثيرة.

أما وقد اتهمت الأمهات بالجهل وتعريض البلاد للخطر والتآمر عليها…. فلاااااااااا، تعالوا هنا بقى.

حين نتحدث عن «جروبات الماميز» فنحن هنا نتعرض إلى طبقتين: إما طبقة متوسطة عليا ذات عز زائل، تتشبث بأهداب طبقتها لتحافظ لأبنائها على مستوى جيد من التعليم والتربية، أو طبقة صاعدة من الفقر إلى التوسط بسبب التعليم أو التجارة أو أي وسيلة كانت، وترغب في الارتفاع بمستوى أبنائها بتوفير تعليم وتربية أفضل مما تلقاه آباؤهم وأمهاتهم. أي أن هؤلاء «الماميز» محل السخرية والتشكيك، ما هن إلا جنديات مجهولات يخدمن الوطن، ليس فقط دون تقاضي أجر، بل وعلى نفقتهن الخاصة.

هؤلاء الطلبة المتفوقون، واللاعبون الفائزون الذين «يرفعون اسم مصر عاليا» في المحافل والبطولات الدولية، هم نتاج أسرهم حصرا، لم تساعدهم الدولة في بناء الإنسان، ولا في نفقات التعليم، أو التدريبات الرياضية، هذا مال الأسر، ومجهود الأسر، وسهر الأسر، وتعب الأسر، وقلق قلوب الأمهات.

وهلق لوين؟

لماذا تلجأ الأمهات إلى الاستماع إلى الشائعات؟ ببساطة لأن أحدا لم يأبه أن يخبرهن بالحقائق. كما أن لديهن شعورا غريزيا بأن أحدا لن يحرص على حيوات أبنائهن سواهن: هن المسؤولات أولا وأخيرا عن الحفاظ على الصغار وضمان سعادتهم وصحتهم. أيا كانت الجهة التي تسدي النصح، فهذه الجهة لم تحمل وتلد وترضع، هذا هو شعور الأمهات، وهو شعور لو تعلمون  عظيم وصادق وحنون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: