رؤى

تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.. الموجة القادمة الأشد غموضا

مايكل هورتون – زميل في قسم الشئون العربية بمؤسسة جيمستاون
عرض وترجمة: أحمد بركات

في 29 يناير الماضي، قُتل «قاسم الريمي»، أمير تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (AQAP)- الذي تقلد قيادة هذا التنظيم في عام 2015- على إثر غارة جوية.. وكان البيت الأبيض قد أصدر بيانا في 6 فبراير الماضي أكد فيه مقتل الريمي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ماذا يعني مقتل الريمي بالنسبة لمستقبل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، سواء على المستوى العملياتي، أو الاستراتيجيات طويلة الم دى؟ الإجابة باختصار: «لا يعني الكثير».

قاسم الريمي

بنية تنظيمية مختلفة

بينما كان الريمي – وفقا لروايات وشهادات عديدة- تكتيكيا ماهرا، إلا أن تأثيره داخل التنظيم لم يكن واضحا كتأثير سلفه، ناصر الوحيشي. وبينما يعكس هذا الأمر جزئيا الأساليب المختلفة والكفاءات الأساسية التي كان يتمتع بها كلا القائدين، إلا أنه يعكس أيضا – وهو الأهم – حقيقة أن التنظيم قد تخلى عن الاعتماد على الشكل الهرمي للقيادة، وأنه يتبع حاليا بنية تنظيمية مختلفة تقوم على تعدد الوحدات وتصاغرها، بما يساعد على تمكين النشطاء المحليين. كما يعكس أيضا قيام التنظيم بإعادة ترتيب قائمة أولوياته وأهدافه.

بدأت هذه التغيرات منذ عام 2017، وكانت استجابة للضغوط المتزايدة التي فرضتها القوات المدعومة من التحالف، والبيئة الاجتماعية السياسية السائلة التي كان يتعين على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قيادتها وتوجيهها. وبينما يحاول التنظيم تمسكه بهيئته الأيديولوجية، إلا أنه لم يعد يمنح الأولوية لفرض تفسيراته المتشددة للشريعة، أو للسيطرة على جزء من الأرض، أو لتنفيذ هجمات ضد أهداف أجنبية. وبدلا من ذلك اتجه التنظيم – في واقع الأمر – نحو مزيد من البراجماتية والمحدودية.

تكتيكات السياقات المحلية

تتمثل إحدى الاستراتيجيات الأساسية لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب في نشر نشطائه ومقاتليه وسط قوات الأمن والميليشيات المتنوعة في اليمن. وقد تم تجنيد العديد من مقاتلي التنظيم – سرا وعلنا – للعمل ضمن صفوف كثير من هذه القوى التي تنتشر في جميع أنحاء جنوب اليمن وفي عدد من الجيوب في الجزء الشمالي. ويحظى المقاتلون والنشطاء القاعديون بتقدير وافر من قبل القوى المقاتلة – حتى تلك المعارضة لبعضها البعض – بسبب ما يمتلكونه من خبرات قتالية والتزام تنظيمي وانضباط تكتيكي وقدرة على التواصل مع الشبكات السرية.

قد استفاد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم الدولة الإسلامية في اليمن (ISY) بشكل مباشر وغير مباشر من دخول كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية في اليمن، حيث عزفت كلتا الدولتين في بعض الأوقات عن محاربة هذين التنظيمين لحساب محاربة الحوثيين، والسعي وراء تحقيق أهدافهما في اليمن. وتقاتل عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب إلى جانب العديد من الميليشيات وقوى الأمن اليمنية في العديد من الجبهات، أبرزها في مدينة تعز المتنازع عليها حتى الآن، ومحافظات مأرب والجوف.

ويمثل نشر مقاتلي التنظيم في الميليشيات المتنوعة وسيلة للحصول على النفوذ وجمع الأموال والتواصل مع الشبكات التجارية غير المشروعة، وجميعها أمور جوهرية لضمان الاستمرار الوجودي طويل الأمد للتنظيم ولنشطائه. وقد اتبع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الخطوات التكتيكية والاستراتيجية التي التزمت بها كثير من الجماعات الإرهابية والمتمردة. فالجماعات مثل «تنظيم القاعدة في سوريا»، الذي تحول ببراعة إلى جماعات متنوعة متمردة و«معتدلة»، وغيره من الجماعات، تصمم استراتيجياتها وتكتيكاتها وفقا للسياقات المحلية التي تعمل فيها، حيث يعد التواصل مع شبكات التجارة غير الشرعية والتشبيك مع النخب الناشئة والقوى الخارجية أكثر نفعا من الالتزام الأيديولوجي والهجمات المكلِّفة ضد أهداف خارجية.

تنظيم القاعدة في سوريا

الموجة القادمة

ربما يكون تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أضعف في بعض النواحي؛ إذ لم تعد لديه القدرة التي كان يتمتع بها في السابق لتنظيم هجمات في الخارج، رغم أن هذه القدرة كانت دائما محدودة. كما لم يعد التنظيم قادرا على الهيمنة على مساحات واسعة، وحكمها على غرار ما فعل في عامي 2015 و2016. رغم ذلك، فإن هذا الضعف يرجع أيضا – ولو بصورة جزئية – إلى جهود مكافحة الإرهاب. ويعكس محاولات التنظيم لإعادة اكتشاف وإنتاج نفسه في خضم الصراعات متعددة الجوانب التي تدور رحاها على الساحة اليمنية.

وتستلزم التعقيدات التي تفرضها الحروب المتشابكة والمتداخلة على الساحة اليمنية أن ينصب تركيز تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على ما يعد في الغالب أجندات ومعارك مغرقة في المحلية، حيث يشبه فهم كيفية الاستفادة من الحروب المستعرة في اليمن إلى حد كبير لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد ولكنها غير مكتملة القطع. وتواصل التحالفات دائمة التغير بين الأطراف المتحاربة المتعددة في اليمن ومؤيديها الخارجيين إعادة توزيع الأدوار على الفصائل السياسية الراسخة والناشئة في اليمن، والميليشيات التابعة لها، فضلا عن التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم الدولة الإسلامية في اليمن.

وتمثل حالة التشظي التي يمر بها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب – على الأقل بصورة جزئية – استراتيجيته الجديدة للاستفادة من حالة الفوضى التي تسود المشهد اليمني. فعن طريق الانتقال إلى ما يمكن وصفه «بالمنظمة المظلية» التي لا تعتمد على تراتبية هرمية، يستطيع تنظيم جزيرة العرب أن يدمج نفسه – أو على الأقل عناصره ونشطاءه – بسهولة أكبر في الصراعات ذات الطابع المحلي. وتنشط حاليا عناصر التنظيم السابقون والحاليون في مساحات كبيرة من اليمن، حيث يعملون إلى جانب مختلف الميليشيات وقوات الأمن. هذه تحديدا هي الحالة على طول خطوط المواجهة الساخنة بين الحوثيين وحلفائهم، والقوات التي تدعمها السعودية والقوات التي تدعمها الإمارات في جنوب اليمن. وقد منحت مناطق، مثل مدينة تعز ومحافظة البيضاء، فرصا كبرى لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وبدرجة أقل لتنظيم الدولة الإسلامية في اليمن، لبناء النفوذ والاستفادة من الشبكات السرية (خاصة تلك التي تعمل في الإتجار بالسلاح)، وبيع خدماتهما – كالمقاتلين الذين يعملون كمرتزقة – للجيوش والميليشيات المتناحرة.

ومثلما تقود الحروب إلى الابتكار والتغيير في التقنيات القتالية، فإنها تقود أيضا إلى شحذ توجهات التطور والتحور لدى الجماعات الإرهابية والمتمردة، إذ يعجل دائما فشل أي تنظيم في التغير وفقا لديناميات البيئة التي يعمل فيها بسقوطه وزواله. وتمثل المرونة التي يتمتع بها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب شاهدا حيا على قدرته على إعادة إنتاج نفسه. فالتعقيدات التي تفرضها الحروب المتشابكة والمتداخلة في اليمن والمشاركة الممتدة للقوى الخارجية تعني فيما تعني أن تنظيم جزيرة العرب قد حُمل حملا على التطور والتحول إلى تنظيم أكثر انتشارا. سيؤثر هذا حتما على النمط الذي كان يمثله تنظيم جزيرة العرب، وربما يعني أنه سيصبح مجموعة من الجماعات التي يربطها تحالف فضفاض في اليمن. في الوقت نفسه، سيكون تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أقل وضوحا وأصعب قراءة مما كان عليه في الماضي. وسيفيد هذا النقص في الوضوح التنظيم كثيرا في محاولاته لتفادي جهود مكافحة الإرهاب، والوصول إلى الشبكات غير الشرعية، والاستفادة من الحروب التي تشهدها اليمن. وقد يمثل تطور تنظيم جزيرة العرب إشارة لما سيكون عليه نشاط الموجة القادمة من الجماعات الإرهابية، والتي ستكون غير متبلورة، وأكثر محلية، وأشد غموضا.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: