فن

صندوق الدنيا.. حكايات مصرية خاصة جدا

المسافة بين مقعد المتفرج وشاشة السينما قصيرة جدا، تتلاشى هذه المسافة مع أول ضوء يخرج من الشاشة حيث يدخل المتفرج إلى عالم شخصيات العمل، يعيش معهم ومع تفاصيلهم، يشاركهم مشاعرهم وأحاسسيهم، وعلى قدر مصداقية صُناع العمل ونجاحهم تختفي هذه المسافة.

بانوراما المجتمع المصري

فيلم صندوق الدنيا تأليف وإخراج عماد البهات – والذي يعود للسينما بعد غياب 13 عاما منذ أن قدم فيلم البلياتشو لـ هيثم احمد زكي – هذا الفيلم يمكن اعتباره واحدا من تلك الأفلام التي تختزل المسافة بينها وبين الجمهور، والعمل من بطولة خالد الصاوي، رانيا يوسف، باسم سمره، صلاح عبد الله، أحمد كمال، فرح يوسف، عمرو القاضي (منتج العمل) الفيلم يقدم بانوراما للمجتمع المصري من خلال عدد من القصص القصيرة لأكثر من شخص لا يربطهم إلا وحدة الزمان والمكان، حيث تدور الأحداث في ليلة واحدة في منطقة وسط البلد والتي يمر بها كثير من البشر من مختلف الطبقات الاجتماعية، و جاء اسم الفيلم مناسبا لمحتوى العمل، والذي يناسب ما نعرفه من تراثنا وهو صندوق الدنيا الذي قدم لنا ونحن صغار حكايات وقصصا متنوعة ومختلفة، وهو ينتمي لنوعية سينما المؤلف أو المخرج والتي غابت عنا سنوات بعد سيطرة سينما النجم الأوحد.

تبدأ أحداث الفيلم بكابوس لسائق الميكروباص (باسم سمره) والذي يفيق منه صارخا خوفا على ابنه ويكتشف أنه في أمان بجواره وهو ما يمهد لنا ما سوف يحدث لهم، ينتقل السائق وابنه في رحلة لنقل عدد من النساء لزيارة مولد السيدة زينب وخلال الرحلة يحذر الأب ابنه من هذه المدينة الموحشة والتي لا يحب زيارتها أو العيش فيها، وعند وصولهم إلى المدينة يفقد ابنه ثم يُقتل على يد أحد اللصوص، بعدها ننتقل إلى القصة الثانية لريجسير (عمرو القاضي) يقوم بتوريد الكومبارس إلى المسلسلات، ويتعرف على ممثلة شابة (فرح يوسف) التي تقدم له جسدها رشوة طمعا في فرصة أو دور كبير ثم نكتشف أن الريجسير ما هو إلا قواد لكبار النجوم والمخرجين، ولديه حنين قديم لحب فتاة جاءت معه من القرية إلى وسط البلد للعمل ولكنها فضلت بيع الخضار والفاكهة على الزواج من قواد يتكسب من عرق النسوان كما قالت له، ننتقل للقصة الثالثة للمؤلف والشاعر ادم (خالد الصاوي) والذي يخشى من فقد زوجته (فرح يوسف) والتي قدمت نفسها للريجسير بحثا عن عمل بعد أن عجز عن تأمين حياتها ماديا.

وبعد أن يعلم بخيانتها يشتري مسدسا لقتلها إلا أن عصفور صديقه (أحمد كمال) يمنعه- وهو رمز العقلانية والتحرر- حيث يسكن سطوح إحدى عمارات وسط البلد ويعمل ممثلا صغيرا في المسرح والتليفزيون ولكن يضطر للعمل في السيرك بسبب قلة ما يُعرض عليه، ننتقل بعد ذلك إلى قصة الممرضة فاطمة(رانيا يوسف) التي اقتربت من الاربعين وتحلم بالزواج والانجاب وهو ما يجعلها توافق على الزواج عرفيا من الطبيب الكبير خالد (صلاح عبد الله) والذي يسرق ورقة الزواج بعد أن قضى ليلته معها، لتخرج للشارع مهزومة يسير بجوارها مرجيحه (علاء مرسي) الأبكم الغارق في حب الممرضة والتي لا تكف عن السخرية منه، وفي النهاية يجتمع كل أبطال العمل أمام حاوي في الشارع يقوم بأكل الزجاج والنوم على المسامير من أجل جنيهات بسيطة تكفي لبقائه حيا، وأثناء رقصه يدخل الجميع داخل الحلبة والمشاركة في الرقص أو العرض وكأن الجميع لاعبون في السيرك كل يؤدي فقرته بإرادته او رغما عنه من اجل البقاء حيا.

ملاحظات فنية

في المجمل العمل جيد جدا على مستوى الكتابة وكل قصة تم تقديمها بشكل جيد ومترابط وكل منها يصلح فيلما قصيرا متميزا، وإن كان التحول بين القصص لم يكن يحتاج فاصلا وعنوانا قبل كل قصة ويمكن أن يكون بشكل تلقائي و متداخل من خلال شخصية الطفل أو شخصية عصفور خاصة وأنهما متداخلان في أكثر من قصة، ولكن هي رؤية المؤلف والمخرج والذي قدم عملا جيدا أرى أنه من أفضل أفلام العام.

أدار المخرج أبطال العمل بشكل جيد جدا وأخرج منهم أفضل ما لديهم، حيث ظهرت رانيا يوسف وباسم سمره وخالد الصاوي في أفضل حالاتهم و مختلفين عن أعمال أخرى شاركوا فيها وكانت أقل من موهبتهم، تميز العمل هو ما جعله يشارك في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية ممثلا لمصر كما يشارك في مهرجان مراكش وعدد من المهرجانات في الفترة القادمة وهو أمر جيد وعودة للأفلام المصرية للمشاركة في المهرجانات بعد غياب طويل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: