رؤى

الصعيدي الذي قلب الأزهر رأسا علي عقب

 قيد الطلاق ودعا لتوثيقه وأنكر حد الردة

اجتهاده المتقدم يعري الفكر العربي ويكشف أننا ندور في حلقة مفرغة 

 

يتحدث الكثيرون من المفكرين المعاصرين عن أهمية تجديد وإصلاح الفكر الإسلامي، ولكن الأغلب منهم لم يضع لنا المبررات، أو بالأحرى لم يبدأ بطرح السؤال الصحيح: لم الحاجة للتجديد؟ وماهي المعوقات التي يمكن أن تعرقله؟

ضرورة التجديد

وضع الإسلام- كدين – أصول الاعتقاد والتشريع للجماعة المسلمة، وذلك عبر نصوصه المؤسِسِة، ولما كانت أمة الإسلام  تعيش في مجتمع متطور عبر التاريخ والبيئة، فإن تطور حال الاجتماع الإسلامي الذى يختلف من زمان إلي زمان، ومن بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى مجتمع يفرض أهمية التجديد، لأن الدين ثابت والاجتماع متغير ومتطور، فما التجديد إلا قراءة لنصوص الدين المقدسة عبر الفكر الديني – الذي هو نتاج تفكير بشر- وفقاً لتطور حركة الاجتماع. وقد كان للشيخ عبد المتعال الصعيدي أحد أبرز شيوخ الأزهر الذين نادوا بتجديد الفكر الديني اجتهادات كثيرة في هذا السياق المهم.

أوان التجديد

لقد تعرضت مصر خلال تجربة حكم محمد على، وحكم المستعمر الغربي إلى الكثير من المستحدثات في حياتنا المعاصرة، وهو ما فرض ضرورة التجديد، وإلا فإن يكون البديل إقصاء الدين عن المجال العام نتيجة لتجمد الفكر الديني السائد وعدم مجاراة حركة الاجتماع.

    كان الشيخ الصعيدي يمتلك من الذكاء الاجتماعي والوعى التاريخي ما جعله قادرا على إدراك طبيعة التطور الحادث في حالة مصر الاجتماعية، وبالتاي إدراك أهمية التجديد لمسايرة الدين – عبر الفكر الديني – لتطور حركة المجتمع، وذلك لأن الإسلام كدين جامع لصلاح الدنيا والآخرة لا يقتصر الأمر فيه على ما يصلح الآخرة وحدها، فحتي العبادات التي يرى المسلمون أن الله كلفهم بها من أجل الآخرة، شرعت من أجل خير الدنيا وصلاحها أيضا.

 الإسلام فيما يري الصعيدي يتسع للتجديد في كل زمان ومكان لأن غايته النهوض بالإنسانية، وليس أدل على ذلك من نهوضه بحالة العرب لينتقل بهم من حالة التفرق إلي وضعية بناء الحضارة الإسلامية، وقد تطور الفكر الديني عبر تاريخ الحضارة الإسلامية ليساير تطور حركة المجتمع.

      ومن ثم كانت هناك محفزات في الواقع الاجتماعي كان لها الدور الأبرز في تشكيل وعى الشيخ الصعيدي بضرورة التجديد، فنظر الشيخ إلى قوة الحضارة الغربية التي هيمنت على الأرض من مشارقها لمغاربها، وقدمت للعالم معظم المستحدثات، فوجد أنها حضارة تقوم على أساسين: العلم والحرية، فما كان من الشيخ إلا أن قدم رؤية لتجديد النظر في هاتين القضيتين في أعماله، فكان حريصاً أن يبين أهمية العلم في الإسلام، ومكانة العلماء فيه، ومن جانب آخر كان الشيخ الصعيدي حريصاً علي أن يدعو إلى إدخال علوم الدنيا إلى الأزهر الشريف والدعوة لها، وأن يكون تعليم العلوم الدنيوية العصرية بعيدا عن الخلافات اللاهوتية للعلوم الدينية، وأن يكون تدريسها مستقلاً عن مماحكات علوم الدين، وقد كانت دعوة الصعيدي في ذلك استمراراً لدعوة الإمام محمد عبده، والتي أتت ثمارها بعد ذلك في الأزهر الشريف.

الإمام محمد عبده

حرية الاعتقاد.. لا حد للردة في الإسلام

فيما يتعلق بالأساس الأول للحضارة وهو الحرية، وضع الصعيدي اثنين من أهم مؤلفاته وهما (الحرية الدينية في الإسلام) و(حرية الفكر في الإسلام) ليقدم فيهما رؤية جديدة لقضية الحرية، فيتناول قضية حرية الاعتقاد في الإسلام، وأن أساس الايمان هو الاختيار، ولا يمكن لأحد اجبار آخر على الاعتقاد في دين بعينه، ونفي الصعيدي في قراءته مسألة حد الردة في الإسلام، وأعاد قراءة القرآن والسنة بما يكفل مسألة حرية الاعتقاد، ومن جانب آخر أبرز الصعيدي أهمية حرية التفكير، وحرية التعبير في الإسلام بما يبرز تقديس الإسلام للعلم والفكر.

 

الأصل في الحدود .. الإباحة لا الوجوب

      كان تطور التشريع في عهد الدولة العلوية حافزا للشيخ الصعيدي بتقديم اجتهاده الشهير في مسألة الحدود، فرأى أن الحدود هي على سبيل الإباحة لا الوجوب، وأن تطبيقها تسبقه عقوبات تعزيرية كثيرة مثل السجن أو الغرامة ، وأن عقوبة قطع يد السارق مثلاً هي العقوبة الأغلظ والأخيرة، وهي ليست العقوبة الوحيدة التي ينبغي القفز إليها مباشرة. ولقد تعرض الشيخ بسبب هذا الاجتهاد إلى الهجوم الشديد من قبل المشايخ الجامدين، كما تعرض للمحاكمة التي أوقعت عليه أكثر من عقوبة ومازالت رسالته في الحدود حبيسة الأدراج في مكتبة الأزهر الشريف!!

      ونظر الشيخ الصعيدي إلى شعائر العبادات فوجد أنها تحولت إلى عادة أكثر منها عبادة، وأنها تركز على المسار الأخروي للإنسان، فقدم قراءة تجديدية اجتماعية للعبادات، فالصلاة لابد أن تَنهي عن الفحشاء والمنكر، وترفع من درجة الرقي الأخلاقي، والزكاة هي تكافل اجتماعي بين الناس، وهنا قدم الصعيدي رؤية تركز على الدلالات الاجتماعية لشعائر العبادات لحاجة المجتمع إلى أن يكون الدين بطقوسه طاقة روحية خلاقة لبناء وتغيير المجتمع في كافة المجالات. 

تقييد الطلاق مشروع وضروري

وكانت اجتهادات الصعيدي الفقهية تنبع من ذرائع وأسباب في الواقع الاجتماعي تدعوه إلى ضرورة التجديد حتي يساير الدين -عبر الفكر الديني- حركة الاجتماع، فكانت له اجتهاداته القيمة حول تقييد الطلاق، وأهمية توثيق الطلاق كتابياً، وإباحة الفنون الجميلة، والتمثيل، والعديد من القضايا التي دعته الأسباب الاجتماعية المتطورة إلى ضرورة  طرحها في إطار تجديد الفكر الديني.

     ولكن الصعيدي كان يري أن هناك العديد من المعوقات التي تعوق انطلاق عملية التجديد، أبرزها تفشي الجمود لدي جمهور العلماء الذين طبعوا جمهور العامة من المسلمين بجمودهم، بينما لم ينتبه إلى الإصلاح إلا نفر يعد على أصابع اليد الواحدة الذين لم يتمكنوا من أن يصبحوا قوة تضاهي قوة أصحاب الجمود، وبالتالي عجزوا عن النهوض بالإصلاح المطلوب.

     ويري الصعيدي أن أهم معوق للتجديد أن ملوك المسلمين وأمراءهم لم يؤيدوا الحركات الإصلاحية في بلادهم، بل نظروا إليها على أنها ثورة من القائمين بها عليهم، فأخذوا يحاربونها بكل ما في وسعهم، فكان نصيب المصلحين السجن والتعذيب.

الإصلاح.. عملية شاملة

    كان الصعيدي يري أن عملية الإصلاح والتجديد في أي مجتمع هي عملية شاملة، وأن العامل السياسي، خاصة الديمقراطية ومواجهة الفساد، هو المركزي في عملية الإصلاح، ولكن العديد ممن سعوا للنهض بمجتمعاتنا العربية والإسلامية  لم يدركوا من النهضة الحديثة إلا إصلاح الجيوش الوطنية لأنهم شاهدوا دول أوروبا تغلبهم بجيوشها الحديثة، فانصب اهتمامهم على إصلاح جيوش بلادهم للتحرر من الاستعمار، وأخذوا بالأنظمة الحديثة التي أخذت أوروبا جيوشها بها، ولم يعلموا أن أوروبا لم تصل إلى تنظيم جيوشها إلا بعد أن أتمت نهضتها العلمية والدينية والاجتماعية والسياسية فكان إصلاح جيوشها كنتيجة لهذه النهضة، ومن هنا يري الصعيدي أن عملية الإصلاح والتجديد الديني هي جزء من علمية إصلاح شامل ينبغي أن تتبناها الأنظمة السياسية في العالمين العربي والإسلامي.

     ومن المفارقات الغريبة أن الأسباب التي دعت الصعيدي إلى الخوض في غمار التجديد، والمعوقات التي تعوق عملية التجديد منذ قرن مضي، هي نفسها الأسباب التي تجلنا ننادي بأسباب التجديد الآن، ونفس المعوقات تقريباً التي شخصها هي نفسها تقريباً المعوقات الآن، وهذا ما يكشف لنا عن ركود الزمن العربي، وأنه زمن ساكن لا يتحرك ولا يتغير، فما شخصه الشيخ الصعيدي منذ قرن يصلح لتشخيص حالنا الآن، وكأننا نمشي في دائرة مغلقة بمسار ساكن جامد لا يتحرك.  

اقرأ أيضا:

«المجددون في الاسلام».. كنز التنوير المجهول

الوسوم

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. التجديد – التصحيح – التحديث
    لماذا لا اسمع هذه الكلمات الإ ان جاء بعدها كلمات لصيقة مثل – التراث الديني – الفكر الإسلامي – الخطاب الديني ؟
    هل تراثنا الديني بفقهه وتفسيره ومؤسساته هو ما يحتاج للتجديد والتحديث والتصحح فقط ؟
    هل تراثنا ووضعنا في باقي النواحي وامور جيد ؟
    ما رايكم في وضعنا السياسي ؟ الإقتصادي ؟ العلمي ؟ التعليمي ؟ البحثي ؟ الصحي ؟ الزراعي ؟ الصناعي ؟ الإداري ؟ الإجتماعي ؟
    هل بلغنا في كل هذه الأوضاع قمة الهرم ؟
    هل اصبحنا في كل هذه الأوضاع مثلا يحتذى به بين المم والشعوب ؟
    ال ترون ان اوضاعنا هذه كلها محتاجة للتجديد والتصحيح والتحديث مثل تراثنا وخطابنا الديني وربما اكثر ؟

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: