منوعات

«الماميز».. في الستينيات «عظيمة» و «هامشية» في الألفية الجديدة

فردوس محمد و أمينة رزق هما النموذجان الأكثر حضورا في الذاكرة الجمعية لجمهور السينما المصرية حول صورة الأم التي تفيض بالحنان والعطف و التضحية و…و… فهل لازالت هي نفس الصوره العالقة بالأذهان والوجدان، أم أن هناك متغيرات كثيرة طالت الأم المصريه سواء شكلا أو مضمونا؟

 

وهل تلك «المتغيرات» أو «التحولات» في الشخصية يمكن تصنيفها في إطار الأفضل أم الأسوأ؟ وكيف انعكست على المجتمع؟ وهل لدينا من يهتم بالرصد و التحليل والتأمل لتفهم الأسباب و استخلاص النتائج لتفادي السلبيات ودعم الإيجابيات؟ أم أن الأمر بين التجاهل التام و «مرور الكرام».

أخيرا وليس أخرا كيف تعاملت القوة الناعمة مع الأم المصريه «الجديده»؟ هل نجحت في ترجمة معاناتها، أحلامها طموحاتها، و .. و عبر أعمال درامية وبرامج تساعد الأم و تعينها علي مهامها أم أن هناك مسافة شاسعه تفصل بين الواقع والخيال لم يفلح أحد في تجاوزها؟

الأسئلة كثيرة و السطور القادمة محاولة لرصد التغيرات التي لحقت بالأم «الجديدة» سواء واقعيا أو عبر صورتها على الشاشة.

يحتاج الحديث عن الأم في الدراما لمجلدات ترصد و تتأمل و تحدد مختلف الصور التي أطلت بها، ومدي قدرتها علي الإقتراب منها واقعيا، الملاحظ و كما أشرنا أنه لم يتبق بالذاكرة من تلك الفترة إلا الأمهات «الطيبات» المضحيات، على الرغم من وجود بعض النماذج الأخرى مثل الأم قاسية القلب التي لا تحمل من صفات الأمومة إلا الإسم فقط والتي جسدتها ببراعة الفنانة زوزو نبيل عبر أكثر من فيلم.

الملاحظ أيضا أنه وعلى الرغم من وجود الأم في كثير هذه الأعمال إلا أنها لم تكن البطله التي تدور من حولها الأحداث إلا في عدد محدود من الأفلام، بتعبير أدق هي موجودة بحكم أنها جزء من الأسرة لكنها ليست محور الحدث، يضاف لذلك أنها ظلت مسجونه فى إطار الصورة التقليدية للأم المسكينة الطيبة التي لا حول لها ولا قوة في الكثير من أعمال.

هذه الصورة ظلت متداولة لسنوات كما تؤكد الناقدة السينمائية ماجدة موريس باستثناءات قليلة انتقلت فيها الأم من علي الهامش لبؤرة الحدث وإن كان للأسف في ظل صوره سلبية تقلل من قيمة ودور الأم لعل أبرزها ما قدمته عبلة كامل في فيلم «اللمبي» أو ماما نونا  الفنانة كريمة مختار في مسلسل «يتربي في عزو».

سلبيه الصوره تراها موريس و غيرها من النقاد و الراصدين لأحوال و أوضاع السينما استكمالا للصوره السلبيه في التعامل فنيا مع بنات حواء بشكل عام، فبعد سنوات العصر الذهبي من تصدرهن للأفيش شكلا و مضمونا، تراجعت الصوره كثيرا و باتت قضايا النساء و همومهن ومعاناتهن علي هامش الإهتمامات الفنيه اللهم فيما ندر.

العصر الذهبي

فما الذي أدي لتراجع الصورة؟ هل التغيرات المجتمعية التي أصبح عليها المجتمع الآن خلقت نماذج مشوهة، مأزومة ومن ثم تراجعت القيم والأخلاق و كثيرا من السلبيات التي تحاصرنا؟

د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس و الكاتبة والأديبه ترى أن منظومة الفن والإعلام عموما لعبت في سنوات الخمسينيات و الستينيات الدور الأهم و الأبرز في التأكيد علي المعاني و القيم و الكثير من الإيجابيات، و أنه كانت هناك عشرات الشخصيات المطروحة من خلال الأعمال الفنية أو البرامج  تساعد المواطن بشكل عام في تحديد خطواته المستقبلية و توضيح الرؤى وتحدد مسؤولياته تجاه نفسه ومجتمعه، إضافة لدور هذه الأعمال في تحفيز الهمم وتأجيج مشاعر الوطنية اضافة لتعظيم دور المرأة بشكل خاص والاهتمام بها علي كافة المستويات من خلال أعمال مثل «الباب المفتوح»، «أنا حره»، «مراتي مدير عام» وغيرها حيث الدعوة للبحث عن الذات والإنخراط في مجتمع جديد يدعو للحرية و يعلي من قيمة العلم والعمل، وهو نفس الدور الذي لعبه الإعلام أيضا، وكلها وسائط ساعدت الإنسان عموما في تطوير نفسه ومن ثم النهوض بالمجتمع، ما أفرز مجتمعا صحيا متماسكا.

باختصار كانت هناك حالة عامة تجتهد في نشر الوعي في المجتمع كله من خلال الإعلام والفنون، ما انعكس بالتبعية علي كل أفراده وفي مقدمتهم الأم بوصفها مربية الأجيال، وهو ما فشلنا فيه الآن للأسف على حد توصيف د. ساميه مشيرة لأن البرامج والأعمال الفنية المعروضة حاليا تتسم بكثير من الاستهتار و عدم الوعي بخطورة ما يروج من خلالها أو ما قد تتسبب فيه من تدني علي مستويات عدة في مقدمتها منظومة القيم والأخلاق ، وكل ذلك في ظل غياب كامل للرقابة والمتابعة ليس من باب الوصاية ولكن من باب التوعيه حتى لا نرى هذا الكم من النماذج السلبيه أو بالأحري الغير سوية التي يحتذي بها البعض مثل مسلسل «زوجه مفروسه جدا» والتي لا يمكن أن تربي أبناء أسوياء أبدا، أو الدور الذي لعبته غادة عبد الرازق مؤخرا في مسلسل «حدوته مرة» وقدمت من خلاله نموذج لإنسانة تجردت منها كل معاني الإنسانيه وليس فقط كأم باعت أولادها من دون ذرة خجل، ناهيك عن البرامج «النسوية» والتي تحاصرنا عبر العديد من الفضائيات وتروج معظمها لقيم شديدة الوضاعة و تهيأ الجميع للخروج عن المألوف اجتماعيا بوصفه السائد والمتداول.

شفافية

بين الواقع والخيال مسافه قد ينجح البعض في اختصارها لحد التطابق فيترجم الواقع ويعبر عنه بحرفيه عاليه، فيما البعض الآخر لا يملك القدرة على رصد «التحولات» التي طالت كل شيء حولنا و في مقدمتها الإنسان المصري عامة والأم علي وجه الخصوص، فماذا عن «الماميز» وهل نجحت الدراما بشكل خاص في التعبير عنهن و بأي قدر من المصداقية؟ أم أن الصورة «تاهت» فنيا؟

الناقدة ماجدة موريس تلقي بالكرة في ملعب الكتاب الذين غابت على أكثرهم القدرة على الرصد والتحليل والتعامل مع تلك المستجدات و مناقشتها فنيا، خصوصا مع اختفاء الأسماء المخضرمة في الإبداع، والإعتماد على أسماء أخري لا تملك من الخبرة الحياتية ما يؤهلها لمناقشة قضايا المجتمع بشفافية، خصوصا مع انتشار ورش الكتابة و تحول الأمر في معظم الأحيان لسبوبة، ورغبة هذه الورش في تلبية رغبات النجوم بطرح قضايا لا تمت للواقع بصله في أحيان كثيرة، أو تركز على نوعيات محددة كالأكشن بتنويعاته ما أفرز نماذج غريبة و سلوكيات أغرب.

الناقدة ماجدة موريس

الضغوط الاجتماعية والتي لم تعد خافية على أحد لعبت دورا كبيرا في التغير الذي لحق بالإنسان عموما و ليس فقط الأم، وهو تغيير لم يواكبه محاولات جادة للرصد والتحليل لتفهم الأسباب ومحاولة الوصول لحلول يمكن طرحها سواء من خلال الإعلام الذي يعاني هو الأخر حصارا وضغوط كثيرة تحد من قدرته على الاشتباك مع الواقع، وكذلك الفنون التي يعاني أصحابها من إشكاليات عديدة من بينها ضعف الإنتاج و الذي يحول دون طرح الكثير من القضايا الاجتماعية الهامة ومن بينها ما تعاني منه النساء عموما و الأم بالتبعية، فقبل سنوات قليلة كانت هناك أكثر من نجمة تلعب بطولة عمل فني، ما يعني طرح إشكاليات كثيرة تتعلق بهذه الفئة، لكن مع انحسار الإنتاج، ومحاصرة الإبداع في قضايا محددة، و إستبعاد «الخبرات» الإبداعية بما تملكه من قدرات على الرصد والتحليل و الطرح، كلها عوامل ساهمت في تراجع الأم بكل ما لها وما عليها من خلال الدراما أو في الإعلام عموما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق