منوعات

كورونا والسياسة الدولية: هل يطلق الوباء رصاصة الرحمة علي العولمة؟

كتب: ستيفن إرلانجر

ترجمة ومراجعة: تامر الهلالي

   أثار وصول كورونا إلى أوروبا وعدد كبير من دول العالم، أسئلة جوهرية مثل الاعتماد على الصين كمصنع للعالم و كشريك تجاري أساسي لدول كثيرة، إضافة لمخاطر السفر الجوي، وتغير المناخ، والعنصرية الجديدة التي عادة ما تصاحب السياسات الشعبوية.

ضربات كورونا

   لطالما تعرضت العولمة، التي تمثل هذا الوشاح الواهي لترابطِنا المتبادل، للنقد والهجوم من قبل الشعبويين والإرهابيين والمحاربين التجاريين ونشطاء المناخ، والآن، أكثر من ذي قبل، أصبح من السهل إدراجها كسبب أساسي للآلام التي نعانيها.. الآن يأتي فيروس كورونا.

   ويقول محللون وخبراء إن انتشار كورونا قد يكون لحظة حاسمة في المناقشات المحمومة حول مدى إمكانية اندماج العالم بشكل فعلي أو عودة الدول للانفصال مرة أخرى.

   حتى قبل وصول الفيروس إلى أوروبا، أدى تغير المناخ والمخاوف الأمنية والشكاوى بشأن التجارة غير العادلة إلى تعاظم المخاوف بشأن السفر الجوي العالمي وسلاسل الإمداد الصناعية المعولمة، بالإضافة إلى تعزيز الشكوك حول موثوقية الصين كشريك. وقد وجه الفيروس بالفعل ضربة أخرى تؤدي للمزيد من تباطؤ الاقتصاديات، وشجع الشعبويين على إحياء الدعوات المشوبة بالعنصرية وكره الأجانب، لفرض ضوابط أكثر صرامة على المهاجرين والسياح وحتى الشركات المتعددة الجنسيات.

    من بين التحديات الكثيرة التي واجت العولمة – وكثير منها سياسي أو أيديولوجي – قد يكون هذا الفيروس مختلفًا.

ارتباط هش

    إيفان فيجفودا، الزميل في معهد العلوم الإنسانية في فيينا، يقول «ننسى دائمًا أننا تحت رحمة الطبيعة، وعندما تمر سنوات ننسى ونستمر، لكن هذا الفيروس طرح كل الأسئلة حول الترابط بين العالم كما أنشأناه، حيث شبكات السفر الجوي وسلاسل التوريد العالمية كلها مرتبطة ببعضها».

    ويتابع فيجفودا: «انتشار الفيروس إلى أوروبا وخارجها يجعل الصين تبدو أكثر هشاشة قليلاً كما يجعل الاعتماد على الصين باعتبارها مصنع العالم» افتراضا يجب إعادة التفكير فيه.

إيفان فيجفودا

   ويرى روبين نيبليت، مدير مؤسسة تشاتام هاوس، المؤسسة البحثية اللندنية أن «الانتشار السريع للفيروس من آسيا هو «قشة أخرى تقصم ظهر بعير العولمة» وأشار نيليت إلى أن التوترات السياسية بين الولايات المتحدة والصين بشأن التجارة  فضلاً عن المخاوف بشأن تغير المناخ، أثارت بالفعل تساؤلات حول معنى وتكلفة شحن أجزاء من دولة إلى أخرى، إلى جانب خطر سلسلة التوريد التي تكون عرضة لاختراق الموجة التالية من الفيروس، علاوة على نقاط الضعف في النظام السياسي في الصين الاستبدادية بشكل متزايد».

   ويشير السيد نيبليت إلى «الاستخدام المتزايد من الدول للعقوبات والاعتماد المتبادل الاقتصادي كشكل جديد من الدبلوماسية القسرية»، إضافة إلى «حالة النفور المتزايد إزاء المخاطرة تجاه العولمة».

روبين نيبليت

خلل في العولمة

   وأشار غونترام وولف، مدير مؤسسة Bruegel «بروجيل»، وهي مؤسسة للأبحاث الاقتصادية في بروكسل، إلى أن عولمة المرض ليست جديدة، مشيراً إلى الوفيات الهائلة التي أعقبت وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين، أو انتشار داء الطاعون في أوروبا، ويرى وولف أن «الأمر المختلف هو أنه مع الطيران يمكن أن تنتشر الأمراض بسرعة كبيرة وبالطبع سيكون الرد الفوري هو الارتداد وإنشاء الحواجز»، ويضيف «نرى بالفعل أن أرقام رحلات الطيران تنخفض بشكل كبير، وحتى قبل انتشار الفيروس كان النشطاء المدافعين عن المناخ يدعون دائما لتقليل معدلات السفر الجوي، ولتخفيض استخدام التقنيات الرقمية التي تسمح بالمشاركة عن بعد ونقل المعلومات. أتساءل الآن عما إذا كانت ذروة طفرة الطيران العالمي قد انتهت… كثير من الناس يتساءلون عما إذا كنا حقا بحاجة إلى هذا النوع من السفر اليومي المنتظم عن طريق الجو إلى جميع أنحاء العالم».

غونترام وولف

   ويضيف وولف: «بطريقة ما، يؤكد هذا الفيروس الخلل في العولمة. فبينما أصبحت سلاسل التوريد في القطاع الخاص فعالة للغاية… إلا أن الاستجابات الحكومية المنسقة غالبًا ما تكون ضعيفة وغير منظمة – سواء فيما يتعلق بتغير المناخ أو الصحة أو التجارة وكذلك الجهود المبذولة لتعزيز الجهود العامة المعولمة التي تتعرض للهجوم من قبل القوميين والشعبويين باعتبارها  تعديا على السيادة. ولا يمكن للحكومات أن تفعل الكثير لإلغاء تجميد سلاسل التوريد، وقليل من الحكومات في أوروبا لديها المرونة المالية لضخ الكثير من الأموال الإضافية في الاقتصاد».

   وتتفق الخبيرة الاستراتيجية تيريزا فالون على أن الكثير من هذا الضغط قد يكون موجهاً الآن إلى الصين.. «مثل نمو الصين قصة طويلة وإيجابية، لكن جاذبية النموذج بَطُلت الآن… مع ظهور الفيروس الذي هو أشبه بالبجعة السوداء التي تؤكد مدى اختلاف الصين». وتضيف فالون أن العديد من الشركات «تعيد التفكير في وضع الكثير من البيض في السلة الصينية»، خاصة وأن الآمال في أن تصبح الصين أكثر ميلاً إلى الغرب تتلاشى. إننا نرى المزيد من انعدام الثقة في الصين سواء في إحصاءاتها أوقدرتها على إدارة الأزمة، وذلك على الرغم من محاولات القادة الصينيين التأثير على ما يسمونه «إدارة الخطاب مع المؤسسات الدولية مثل الصحة العالمية بهدف تنظيم محاولات التقليل من حدة الوباء». 

تيريزا فالون

تعزيز اليمين المتطرف

   ويقول سايمون تيلفورد، مدير منتدى الاقتصاد الجديد، وهو مؤسسة بحثية في برلين، «إن أزمة الثقة في الصين تتجاوز قدرتها على التعامل مع الفيروس، مشيراً إلى إن انعدام الثقة سيعزز فقط الاتجاه الحالي بين الشركات للحد من تبعيتها وتقليص المخاطر». لكن السيد تيلفورد يرى أن انتشار الفيروس إلى أوروبا سيكون له أيضًا تأثير كبير على السياسة، ومن المرجح أن يعزز اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين والعولمة، ويضيف تيلفورد أن الفيروس يسمح أيضًا لبعض الناس بالتعبير عن عدائهم للصينيين، وهو أحساس ربما شعروا به ولكنهم كانوا مترددين في التعبير عنه.. «هناك بالفعل خوف من الصينيين في أوروبا والولايات المتحدة لأنهم يمثلون تحديا للهيمنة الغربية. هذا الخوف ظهر تماما في حملة إدارة ترامب ضد شركة هواوي الصينية للاتصالات السلكية واللاسلكية، وامتد أيضًا من خلال تقارير عن القمع والرقابة على الصينيين من خلال استخدام التكنولوجيا المتقدمة».

سايمون تيلفورد

   في هذا السياق أبلغ العديد من الصينيين الذين يعيشون أو يسافرون إلى الغرب عن ارتفاع متزايد في وتيرة الإساءة إليهم وتجنبهم في الأماكن العامة ووسائل النقل. ويرى ستيفانيني و تيلفورد أن وسائل الإعلام أيضا تسهم في نشر هذا الشعور بالاختلاف الثقافي.

   ويلاحظ تيلفورد أن «الأحداث في أستراليا تحظى بتغطية هائلة، لكن الفيضانات الجماعية والوفيات في بنجلاديش بالكاد  يتم تسجيلها. ويبدو أننا نتعامل مع تفشي المرض في الصين، البعيدة جغرافيًا وثقافيًا، بإضافة لمسة من العنصرية، كما لو أننا نقيس المسافة قبل أن نعلن عن الأرواح المفقودة»!! وأشار السيد ستيفانيني إلى أن مناقشات جرت بالفعل في وزارة الخارجية الإيطالية حول ما إذا كان سيتم إرسال رسائل تعزية، اعتمادًا على عدد الوفيات ومدى بعدها الجغرافي!!

   أما قلق عالم الاجتماع الإيطالي إلفو ديامانتي فكان مفعما بالفلسفة، حيث كتب في صحيفة La Repubblica «لاريبابلكا» «إن انتشار الفيروس إلى إيطاليا أكد شكوكنا، لأنه كشف أن أنظمة الدفاع القائمة في مواجهة التهديدات لأمننا مبالغ فيها، إن لم تكن غير ضرورية». وأضاف «لم يعد في العالم حدود لا يمكن اختراقها. وجب على المرء أن يدافع عن نفسه في مواجهة العالم. أن يختبئ في المنزل ويغلق التليفزيون والإذاعة والإنترنت، لكي لا يموت ملوثًا بالآخرين ويصبح نقطة انتشار للفيروس. علينا أن نموت وحدنا «!! مضيفا أن «هذا الشعور أخطر على البشرية من فيروس كورونا نفسه».

تعريف بالكاتب:

ستيفن إرلانجر: كبير المراسلين الدبلوماسيين في أوروبا لصحيفة نيويورك تايمز، وهو المنصب الذي يتقلده منذ عام 2017

ستيفن إرلانجر

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق