فن

سقوط الملاك.. فيلم يفضح زيف السياسات الأمريكية

جرت العادة في السينما الأمريكية على أن يكون الممثل الذي يؤدي دور الرئيس الأمريكي قريب الشبه بالرئيس الذي يحكم وقت إنتاج العمل.. ويمكن أن نلحظ ذلك في عدد كبير من الأفلام.. لكننا في «سقوط الملاك» نرى النجم «مورجان فريمان» في دور الرئيس الأمريكي «آلان ترومبل» وهو اسم قريب من اسم الرئيس الحالي.

وكان «فريمان» قد أدى دور رئيس مجلس النواب في الجزء الأول من سلسلة «سقوط» الذي جاء بعنوان «سقوط البيت الأبيض» 2013، للمخرج: أنطوان فوكوا، وفي الجزء الثاني «سقوط لندن» 2016، للمخرج الإيراني«باباك النجيفي» لعب «مورجان» دور نائب الرئيس. ومن المؤكد أن الابتعاد عن شخص الرئيس الحالي سينمائيا له أكثر من مبرر، ربما يصبح الأمر هزليا إذا تصورنا أن بعض الجُمل التي وضعها المؤلفان «كاترين بنديكيت» و «كرايتون روثن برجر» على لسان الرئيس «فريمان» مؤداة بأسلوب يشبه أسلوب «ترامب».. ومن الواضح أنَّ شخصية الرئيس «آلان ترومبل» هي الشخصية النقيض لشخصية ترامب، ولعل المؤلفَين أرادا المبالغة في إظهار «ترومبل» في صورة مثالية اتساقا مع صياغة العديد من أحداث الفيلم التي لا يمكن تمريرها في إطار منطقي.

الحارس الأول

في المشاهد الأولى نرى البطل «مايك باننيغ» الذي أدى دوره «جيرارد باتلر» يخوض تدريبا قاسيا يُعرف بـ «الصدمة» وهو عبارة عن محاكاة لقتال بهدف الوصول لنقطة النهاية بعد تجاوز عدد كبير من المقاتلين في مواجهات مباشرة، ويظهر من خلال الحوار الذي يدور مع مدير المكان ومالكه، وهو زميل قديم لـ «مايك» يُدعى «وايد جينينجز» قام بالدور «داني هيوستن» أن الأخير يعاني البطالة بعد أن أنهى «البنتاجون» تعاقده على خلفية فضيحة شركة «بلاك ووتر» في العراق، ويصارح «وايد» «مايك» أنه بحاجة للمساعدة لاعتماد هذا المكان كساحة تدريب لرجال الخدمة السرية، بعد علمه أنَّ «مايك» مرشح لتولي منصب مدير هيئة الخدمة السرية، وهي الهيئة المسئولة عن حماية الرئيس الأمريكي.. نلاحظ أنَّ «مايك» يعاني من آلام مبرحة في منطقة العنق، أعلى العمود الفقري، وقد تناول مسكنا قويا فور ركوبه السيارة.. سنعرف بعد ذلك أنَّ حالته الصحية خطيرة، وأنَّ حبله الشوكي معرض للتلف، وأنَّه صار «كارثة توشك أن تقع» كل ذلك ولا أحد في البيت الابيض ولا المؤسسات الأمريكية كافة يدري أنَّ هذه هي الحالة الصحية للحارس الاول للرئيس الامريكي! 

pastedGraphic.png

 الرئيس «آلان ترومبل» أثناء المؤتمر الصحفي

صراع الإرادات

يبدو الرئيس في مشهده الأول في المؤتمر الصحفي مستاءً من الأسئلة.. لكننا من خلال إجاباته المقتضبة نعرف ميله لعدم استخدام القوة العسكرية في حسم الصراعات، وأنَّه يعمل على تغيير وجهة النظر الأمريكية التي تعتمد الحرب كحل، فهو يرى أنَّ الحرب لابد أن تكون الخيار الأخير الأكثر وضوحا.. وينهي الرئيس المؤتمر ضجرا، وأثناء خروجه يلقي على مسامع رجاله هذه العبارة «أقسم أنَّ هذه الحوائط بها تسريبات أكثر من غواصة بابها مفتوح» قبل أن يتساءل عن من يسرب المعلومات الخاطئة للصحافة. هذه الملاحظة تؤكد أنَّ مؤسسة الرئاسة – في الفيلم- ليست مخترقة فحسب؛ إنَّها تقريبا شبه متداعية، ونستطيع أن نصل بسهولة إلى الهدف من هذا الطرح، وهو أن الحال يكون هكذا في ظل وجود رئيس ديمقراطي ذي توجه إنساني معاد للحرب يرفض الإجراءات الاستثنائية.. وربما كان ذلك إشارة لصراع الإرادات القائم بين بعض المؤسسات الأمريكية ومؤسسة الرئاسة في عهد «ترامب».

لكن الإنصاف يقتضي القول أن «رومان» قد أبلى بلاء حسنا في عدد من المشاهد بعد أن اجاد اختيار مواقع التصوير الذي تم بشكل رئيس في المملكة المتحدة وبلغاريا. في استوديوهات «نوبويانا» ببلغاريا كما شملت مواقع التصوير الأخرى برج «فيرتيجو» في صوفيا – وهو عمل معماري معاصر مثير للإعجاب يشبه ماسة عملاقة – ومستشفى Guy في لندن.

نفذ «ريك» مشهد محاولة الاغتيال بالطائرات المسيرة على نحو بالغ الروعة، بداية من انطلاق الطائرات في توال منتظم، ثم انتظامها في تشكيلات، وقيامها بعدد من المناورات قبل أن تستهدف أطقم الحراسة ومعداتهم، وقد أحسن «رومان» اختيار بحيرة «فرجينيا ووتر» وهي بحيرة صناعية بإنجلترا- كمكان لتصوير المشهد.

لكنه يسارع إلى التكفير عن إبداعه بمشهد يبتعد كثيرا عن المنطق حين يقوم مرتزقة «سالينت» باختطاف «مايك» أثناء ترحيله في مشهد حافل بالتفاصيل العجيبة.. فبعد حبك خيوط المؤامرة حول «مايك» ليصبح المتهم الأول في عملية الاغتيال، يتم نقله ليلا في حراسة لا تكفي لسجين متهم باقتحام سوبر ماركت، ما يجعلنا في حيرة بين القبول بانعدام كفاءة الأجهزة وتواطؤها مع الشركات الخاصة العاملة في مجال الحرب.

الرئيس «ترومبل» يقنع حارسه «مايك» بالبقاء في عمله

أخطاء كبيرة.. وممثلون كبار

ولا يكف الفيلم عن تقديم المفارقات اللطيفة التي تليق بفيلم كوميدي، إذ نكتشف – كمشاهدين- وقبل السلطات الامريكية أن والد البطل محارب قديم في حرب فيتنام، دفعه رفض الحرب إلى الهرب والعزلة والعيش في الغابات، ولا يصح أن نسأل كيف اهتدى إليه البطل بهذه السرعة، أثناء رحلة هروبه.. رفض الأب للسياسات الأمريكية العدائية التي تعتمد شن الحروب نهجا لها جعله ينقم بشدة على كل شيء، وفي عتاب هو أقرب إلى التشفي يقول لابنه: هذا هو مصير من يصدق أكاذيبهم.. مساويا بين كل الحروب من فيتنام إلى العراق.. إنَّها في نظره حروب لا أخلاقية وقذرة.. وما تزال وجهة النظر تلك تنتشر بشكل متزايد في المجتمع الأمريكي، فالانفتاح على العالم والغوص في مشاكله والتورط في صراعاته لم يَجُر على أمريكا إلا الخراب الذي تصغر إلى جواره أية مكاسب، ما يحبب فكرة العودة إلى العزلة التي لم يقطعها سوى دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء بداية الأربعينات في القرن الماضي.

لكن المحارب القديم لا يتأخر عن إنقاذ ابنه من الموت على يد مرتزقة شركة «سالينت» كما ينجح في إنقاذ زوجة ابنه وحفيدته من الوقوع في أيدي رجال «جيننجز» في إشارة إلى أنَّ الوضع يقتضي الاستعانة بحكمة الأجيال وعدم نبذهم والانسياق وراء أوهام القوة.

pastedGraphic_1.png

الممثل القدير «نيك نولتي» في دور والد البطل الذي أداه ببراعة

في سعيه الدائب لتغطية الثغرات في فيلمه سعى المخرج «ريك رومان» إلى إغراق الفيلم بمشاهد الحركة التي بلغت ثلاثة وعشرين مشهدا، رفعت درجة التوتر لدى المشاهد، ولتخفيف ذلك لجأ المخرج لإقحام مشاهد حوارية جاءت بالغة الضعف ربما باستثناء مشاهد الأب الذي قام بدوره «نيك نولتي» إذ من الممكن اعتبار تلك المشاهد إحدى التكئات القوية للعمل؛ وإن بدت تغريدا خارج السرب الهزلي العام للفيلم.

ورغم الأخطاء العديدة التي وقع فيها منفذو الفيلم إلا أنَّ هناك ما يمكن الإشادة به كأداء معظم الممثلين باستثناء «جيرارد باتلر» في دور البطل «مايك باننيغ» إذ لم يكن مقنعا، وهو يقهر كل أعدائه – دون الوقوع في خطأ واحد- رغم علامات التقدم في السن البادية عليه، وزيادة وزنه وتراجع بنيته الجسدية وآلامه الرهيبة وإدمانه على تناول المسكنات القوية، لم يكن مقنعا أيضا وهو يبرر للرئيس خطأه الفادح في مسألة إخفاء حالته الصحية – بشعوره القوي حيال وظيفته التي لا يريد لأحد أن يسلبه إياها «عذر أقبح من ذنب» ويقبل منه الرئيس هذا التفسير في حالة تسامح فريدة من نوعها.

أما «مورجان فريمان» فقد جاء أداؤه بسيطا هادئا موحيا بالثقة والحكمة، كذلك جاء أداء «تيم بليك نيلسون» رائعا في دور «كيربي» نائب الرئيس ذي التوجه العدائي المؤيد للحرب، وقد أشرنا سلفا إلى براعة «نيك نولتي» في دور الاب.. وقد لفت النظر بشدة «داني هيوستن» في دور «وايد جيينجز» رفيق البطل الذي صار عدوه وأوقع به، وقد برر له ذلك عندما تحادثا هاتفيا أثناء هرب «بانييغ» بأن الهدف كان «ترومبل» أما هو فكان مجرد عقبة. وربما يؤكد الأداء التمثيلي الرائع لأبطال العمل على نظرية جديدة يحاول إثباتها «ريك رومان» وهي أنك تستطيع أن تصنع فيلما رديئا بباقة من الممثلين الرائعين.

pastedGraphic_2.png

الرئيس «آلان ترومبل» في المكتب البيضاوي بعد نجاته من محاولة الاغتيال الثانية

ومن العجيب أن فيلما يحتوي على هذا الكم من التجاوزات غير المنطقية التي تصل في بعضها إلى درجة السذاجة -يظل متصدرا للإيرادات في الولايات المتحدة لأشهر.. إنَّه ما زال يراوح في المساحة ذاتها التي تؤكد على أن السياسات الأمريكية العدائية التي لا تعرف سوى خيار الحرب والدمار- هي نهج يجب التراجع عنه، وأنَّ هناك رغبة أكيدة في ذلك لكنَّ الحقيقة أنَّ لا أحد يملك تغيير هذه السياسات.. على نحو ما يؤكد الفيلم على أنَّ المؤسسات الأمريكية ربما تشعر بالتململ تجاه تلك السياسات لكنَّها في المقابل لا تود خوض المخاطرة التي ربما تترتب على تغييرها، هناك دائما ما يوحي بأنَّ تلك السياسات مملاة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وأنَّها لا تستطيع لها ردا.. وأيا كانت صفات الجالس في المكتب البيضاوي، وأيا كانت توجهاته، فالمؤسسات أو الجهات صانعة السياسات تنأى بنفسها عن التحولات الكبرى، وهي طبيعة الاستبداد  التي تجيد التخفي في ثياب الديمقراطيات العتيقة التي لا تحب الهزل ولا يسقط ملاكها الحارس إلا في عالم السينما فقط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق