ثقافة

رحلة استعادة الحياة في «قصور مصر».. الحجر يروي تاريخ البشر

أكثر من 50 قصرا في القاهرة والإسكندرية والمنصورة، وثَّقتها الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد في كتابها الصادر حديثا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بعنوان «قصور مصر». أفرد الكتاب مساحة لقصور الأجانب في المحروسة ومنها قصر اللورد ديجيليون الموجود في منطقة وسط البلد، وقصرا بوغوص و نوبار في غمرة ومصر الجديدة واللذان يشهدان على المكانة التي تمتع بها الأرمن في مصر في ظل حكم محمد علي باشا وأسرته. ويتعرض الكتاب لقصور الجالية اليونانية التي كانت الأكبر والأهم في مصر حتي قال اللورد كرومر«أينما حركت حجرا فى مصر وجدت يونانيا» ومن أهمها قصر البارون اليوناني أنطونيادس الذي قرر إهداءه وحديقته إلى الحكومة المصرية كما تناول الكتاب تاريخ قصور يهود الإسكندرية.

خفافيش وفئران

روت الكاتبة حكايات رحلتها أثناء إعداد الكتاب ما بين الخفافيش في ردهات قصر إسماعيل المفتش القابع في قلب حي لاظوغلي بالقاهرة، والكلاب المسعورة في باحة قصر المرج، وبين الصالونات الفخمة في قصر الأمير كمال الدين حسين، وصدى قصة «غرام وانتقام» في قصر عائشة فهمي زوجة الفنان يوسف وهبي. القصر الذي شهد قصص زواج وطلاق وخيانة وكأن به لعنة أصابت أصحابه وأولهم «على بك فهمي» أغنى أغنياء عصره الذي قضي بالقصر أجمل أيام حياته قبل أن تقتله زوجته الفرنسية بعد اتهامه لها بالخيانة. ثم نالت اللعنة من الوريثة شقيقته عائشة هانم فهمي التي لم تنجب من أزواجها الثلاثة ومنهم الفنان يوسف وهبي الذي أسست له شركة رمسيس للإنتاج السينمائي فحول حادث شقيقها إلى فيلم.

واجهة قصر إسماعيل المفتش

وأخذتنا المؤلفة إلى قصة الفئران التي كانت «وش السعد» على المقاول ذي الأصل الشامي حبيب السكاكيني، الذي نال إعجاب الخديو إسماعيل فمنحه تلك الأرض في القاهرة التي شيد عليها قصره المهيب.. والحكاية بدأت عندما امتلأت خنادق حفر قناة السويس بالفئران، فجلب السكاكينى باشا عربات من القطط التهمت تلك الفئران وقضت عليها بعد أن حار الجميع في أمرها.

ومن ضمن القصور التي يتناولها الكتاب قصر شامبليون.. والطريف أن هذا القصر بناه الأمير سعيد حليم لزوجته التي لم يعجبها القصر فأهداه لوزارة التربية والتعليم.. وللأسف فإن أي مار يستطيع دخول القصر والتجول فيه بلا حسيب أو رقيب.. وكذلك قصر المرج الذي قامت فيه المؤلفة بجولة وهو قصر الأميرة نعمت مختار الذي تحول إلى خرابة بعد أن كانت حدائقه تمثل مصر في مهرجانات البساتين الدولية.

قصر شامبليون

قصور المنصورة والإسكندرية

لم تكتف المؤلفة بزيارة قصور القاهرة، بل جابت قصورالمنصورة وهناك التقت السيدة ثريا ابنة محمد النشاوى السياسي البارز والذي كان بيته العامر بمثابة بيت الأمة في المنصورة لتستمع إلي ذكرياتها عن القصر وزيارة النحاس باشا لهم.

وفي الإسكندرية زارت قصر «يوسف عاداه»، واستمعت إلى روايات من عاصروا ذلك الثري اليهودى الذي ظل يعيش بمصر حتى صدور قرارات التأميم تاركا سيرة عطرة حفظها خادمه المخلص الحاج حسن الذي أرسله سيده اليهودي لأداء شعائر الحج.

كما تناول الكتاب قصة «جناكليس» تاجر الدخان اليوناني الذي زرع أفضل أنواع العنب في مزرعته القريبة من الإسكندرية والذي مازال معروفا باسمه.

قصر يوسف عاداه

حكايات بين الجدران

«قصور مصر» كتاب لا يصف الأماكن وطرز الأسقف والجدران وجمال النقوش فحسب، لكنه يروي حكايات وتفاصيل الحياة بين تلك الجدران وقصص من سكنوها وعاشوا فيها فتركوا فيها من أرواحهم بصمة وعلامة. كما يُعيد الاعتبار لتلك البنايات التراثية التي أُهيل عليها الركام، فتحولت القصور المبهرة إلى مبان مدرسية أو مقار لهيئات حكومية، ولوثت أصابع الطباشير الأعمدة الرخامية في قصر السلطانة ملك بمصر الجديدة وعششت الخفافيش في قصر إسماعيل المفتش الذي تحول إلى مبنى حكومي تابع لوزارة المالية، وأصبح قصر الأمير يوسف كمال رهينة معهد بحوث الصحراء.

وعن سؤالنا حول أسباب شغفها بانجاز كتاب عن قصور مصر المهجورة؟ تجيب الكاتبة سهير عبد الحميد: أنا من مواليد حي الظاهر… وكنت أمر يوميا ببنايات ذات طرز معمارية متميزة.. وطبعا لم أكن أعرف وقتها معنى كلمة طراز معماري… لكني كنت أتذوق جمال تلك المباني… من جامع الظاهر بيبرس.. لمبان القاهرة الخديوية.. وبالتأكيد قصر السكاكيني الذي كنت أطيل النظر إليه كلما مررت بجواره… كنت أنظر إلى التماثيل المطلة من واجهته وأشعر بشئ من الخوف.. كان خيال الطفولة يهيىء لي انها تبحلق فيَّ وكنت كلما شاهدت السيدة العجوز التي تطل من إحدى شبابيكه يزداد تعجبي.. وقد عرفت لاحقا أنها إحدى حفيدات حبيب السكاكيني وآخر من سكن بالقصر… باختصار كانت نشأتي في منطقة وسط البلد اول ما جذبني إلى تلك المبان التراثية.. ثم كانت مجموعة مقالات كتبها الشاعر فاروق جويدة عما يحدث من انتهاك لحديقة قصر المنيل على يد إحدى الشركات، وكنت وقتها طالبة في الجامعة؛ التي كانت نافذة أخرى جعلتني أهتم بالصور في مصر.. فقد أعددت وقتها برنامجا إذاعيا عن أزمة حديقة قصر المنيل في قسم الإذاعة والتليفزيون بكلية إعلام القاهرة والتقيت طواشي الأمير محمد على صاحب قصر المنيل المهيب وكانت جلستي معه بداية اهتمام حقيقي بالقصور ..

 

قصر المنيل

تلفت الكاتبة سهير عبد الحميد إلى أنها قررت البدء في الكتابة عن قصور مصر بشكل مختلف عن كل ماسبقها وتقول: «لم أكن أريد كتابة تاريخ أصم وأرقام سنوات وأسماء من صمموا تلك القصور أو قاموا ببنائها.. ولكن كنت أريد أن أكتب ما شهدته جدران تلك القصور من حياة وأحداث وما تعكسه من روح عصرها وزمانها.. أردت كتابة سطور يستشعر من يقرأها وكأنها ماثلة أمامه من دم ولحم»

وتختم الكاتبة سهير عبد الحميد بأن كان من بين من أهدتهم الكتاب أرواح الفنانين الذين أبدعوا تلك القصور بتفاصيلها المنمنة: «انطونيو لاشياك»، و«جوسبار» و«دى فوستو» و «إيرو كولاني» وأرواح الأساتذة الراحلين يونان لبيب رزق و جمال بدوى و رءوف عباس الذين جعلوا المادة التاريخية تنبض بالحياة، أولئك الأساتذة الذين حاولت المؤلفة الاسترشاد بمنهجهم في سطور كتابها فجاءت حواديته لتوثق تاريخ الحجر المعجون بروح البشر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق