منوعات

كلوت بك ومحمد علي باشا.. وتأسيس «جيش مصر الأبيض»

أظهرت المعركة التي يخوضها العالم الآن ضد فيروس كورونا، أن أصحاب المعاطف البيضاء هم خط الدفاع الأول عن الإنسانية في تلك اللحظات الحرجة، فالطواقم الطبية هي التي تقود حرب البشرية ضد هذا العدو المجهول الذي يتربص بنا.

في محاولة لرد الجميل  لأبناء مهنتىْ الطب والتمريض الذين رهنوا أنفسهم لإنقاذ البشرية، تداول مغردون من شتى بقاع الأرض خلال الأسابيع الماضية صورا لجنود معركة الوجود الجديدة، وهم مرابطون بالمستشفيات ومقرات العزل الصحي يحاولون إنقاذ المصابين رغم ما يحيط بهم من أخطار.

في مصر حرصت معظم مؤسسات الدولة على توجيه آيات العرفان والامتنان إلى كتائب الجيش الأبيض لجهودهم في مكافحة الفيروس، «نقدر جهودكم.. ونحن نخوض حربا أنتم أبطالها»، قالها الرئيس السيسى قبل أيام موجها حديثه إلى الأطباء.

أما شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب فعبر عن اعتزازه وتقديره لما يبذله أطباء مصر وكل العاملين بالمجال الطبي في هذه المرحلة الراهنة، مشدد على أن ما يبذله هؤلاء الأطباء من جهود مضنية وتصدرهم الصفوف لحماية المجتمع من الوباء سوف يسطره التاريخ بحروف من نور في سجلاتهم الحافلة بالبذل والعطاء.

وشد الطيب على أيدي أطباء مصر في يوم الطبيب المصري الذي يوافق 18 مارس من كل عام، وهو ذكرى افتتاح أول مدرسة للطب في مصر والشرق الأوسط بـ«أبو زعبل» في 18 مارس 1827م، على يد الطبيب الفرنسي كلوت بك الذي عينه محمد علي باشا طبيبا للجيش المصري، ثم وافق على مقترحه بتأسيس المدرسة الطبية المصرية.

في السطور القادمة نستعرض في «أصوات أونلاين» قصة تأسيس جيش مصر الأبيض، في أول مدرسة مصرية للطب الحديث، كما نعرض لسيرة مؤسسها، ذلك الطبيب الفرنسي الذي قدم إلى مصر فغير من مفاهيم الطب والدواء قبل قرنين تقريبا.

المماليك والعثمانيون وإماتة العلم

في كتابه «تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر»، يروي المؤرخ والصحفي الشامي جرجي زيدان الذي أقام فترة طويلة في مصر أسس خلالها «دار الهلال» قصة انتقال الطب في مصر من عهدة العطارين وحلاقي الصحة والذين كانوا يستخدمون الأعشاب والحجامة والكي والفصد في عصر المماليك والعثمانيين إلى مدارس الطب الحديث.

يقول زيدان: كانت مصر إلى آخر القرن الثامن عشر في حوزة الأمراء المماليك، ولا يخفى على أحد ما كان من أمرهم في دولتهم، من إماتة العلم والصناعة واستنزاف أموال الناس، حتى لقد كان القطر يئنُّ من شدة عُتّوهم، فلم يكن للعلم باب يدخل منه أو تربة ينمو فيها؛ وخصوصًا علم الطب، فإنه كان من جملة العلوم الدائرة.

كان الأطباء في الغالب من جالية بلاد المغرب؛ يطببون بالحجامة والكي والفصد، وغير ذلك مما لا يزال جاريًا في أماكن كثيرة من هذه الديار، وغيرها من بلاد المشرق.

أما المدارس الطبيَّة فلم يكن لها صورة في أذهان أولئك الحكام أو رعاياهم، على أن بعض هؤلاء الأطباء المغاربة كانوا يلقون دروسًا من تلقاء أنفسهم على من يرغب في تلك الصناعة من أهل البلاد أو غيرهم، وكان الغالبُ  إلقاءها في البيمارستان المنصوري بحي النحَّاسين، أو في أروقة الجامع الأزهر، أو في بيوت أولئك الأطباء، وأما كُتُب التعليم فكانت مما كُتب في العصور الإسلامية القديمة؛ كعصر العباسيين أو الفاطميين أو غيرهما؛ ولذلك كان طِب القرن الثامن عشر طب القرون الأولى في صدر الإسلام، أو هو طب قدماء اليونان والرومان؛ كأبقراط وجالينوس؛ لأن المسلمين أخذوا الطب عنهم.

من الحملة الفرنسية إلى الوالي الجديد

ويشير زيدان في روايته إلى أن الحملة الفرنسية على مصر كانت نقطة فاصلة في تطور بعض العلوم ومنها الطب «ما زالت حال الطب في هذه الديار على ما تقدم إلى زمن الحملة الفرنسية التي أغار بها نابوليون بونابرت على هذا القُطر سنة ١٧٩٨م، فدخلت الجنود الفرنساوية مصر وأوغلوا في مدنها، وكان في جملة تلك الحملة جماعة من العلماء الذين اشتهروا في العلم، ولا تزال أسماؤهم مشهورة في سائر أنحاء العالم، جاء بهم بونابرت إتمامًا لمعدات الاستعمار؛ ظنًّا منه بطول مكثه واستعماره الديار المصرية».

«بحثت جماعة العلماء الفرنساوية في الآثار المصرية وتربة البلاد، وحللوها، ودرسوا طبائع الحيوان والنبات فيها، وكان في عزمهم أن ينشروا لواء العلم بين أهلها، لو لم تفاجئهم طوارئ الحدثان بالانسحاب إلى ديارهم بعد ثلاث سنوات من احتلالهم (سنة ١٨٠١م)، ولم يُتمُّوا شيئًا مما كانوا شرعوا فيه في الإدارة أو العلم أو الصناعة، ولكنهم تركوا آثارًا من التمدُّن الحديث كانت بمنزلة جراثيمَ ضعيفة لو طال الأمد عليها كامنة لعفت آثارها وبادت، ولكن الله قيَّض لها رجل الإصلاح والحزم محمد علي باشا؛ فبعد أن قبض على أزِمَّة الإدارة والسياسة، ودانت له الرقاب؛ أخذ في تنظيم الأحوال وإحياء المعالم المصرية؛ أراد بذلك أن ينشئ دولةً عربية، وقد علم أن الوسيلة الوحيدة لنجاح الأمة إنما هي العلم والصناعة وحُسن الإدارة»، يضيف زيدان في كتابه.

ويرى زيدان أن محمد علي باشا تكفل بحسن إدارة الدولة مع من كان حوله من ذوي شوراه من المصريين وغيرهم، وأما العلم فقرر الباشا أن يتتبعه في مصادره، «بعث الوُفُود إلى أوروبا يستقدمون رجال العلم والصناعة، وأرسل جماعةً من أذكياء شُبَّان هذا القُطر إلى أوروبا؛ يتلقون العلوم عن أهلها؛ حتى يعودوا ويبثوها بين أبناء جلدتهم، وكان ذلك أول الإرساليات العلمية».

كانت طموحات محمد علي لا حدود لها، أراد أن ينشئ دولة قوية فوضع ركائزها في الداخل من اهتمام بالزراعة والري والصناعة والطرق، ثم قادته تطلعاته إلى تأسيس إمبراطورية على غرار إمبراطوريات هذا العصر، فعبر الجيش المصري خارج حدوده، وتنقل من الجزيرة العربية إلى الشام حتى وصل إلى حدود الدولة العثمانية.

محمد علي باشا

كلوت والباشا ولقاء تاريخي

كان هدف محمد علي الأساسي من تكليف كلوت بك بتطبيب الجيش المصري هو منع تفشي الأوبئة والأمراض بين جنوده، خاصة بعد انتشار الطاعون والزهري بين صفوف الجنود خارج الحدود المصرية.

في أواخر عام ١٨٢٤ عقد محمد علي باشا مقابلة هامة مع طبيب فرنسي اسمه انطوان بارثيليمي كلو، ذلك الطبيب الذي سيكون له شأن عظيم في تأسيس الطب الحديث في مصر، وفقا لدراسة الدكتور خالد فهمي أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية «قصة القصر العيني.. نبذة تاريخية عن أول مدرسة لتعليم الطب في مصر».

كلوت بك بالزي الرسمي من متحف تاريخ الطب بكلية طب قصر العيني

ويضيف فهمي: تلك المقابلة التاريخيه كانت بايعاز من القنصل الفرنسي في مصر، برناردينو دروفيتي، فالباشا كان قد طلب منه المساعده في جلب طبيب ماهر يستطيع أن يقيه الخسائر الفادحه في الأرواح التي كان يُمني به في حملاته العسكرية المتتالية، ففي حملته العسكرية ضد الوهابيين في شبه الجزيرة العربية (١٨١١-١٨١٨)، ثم حملته علي السودان (١٨١٨-١٨٢٠)، ثم حملته في شبه جزيرة الموره جنوبي اليونان (١٨٢٤)، ثم محاولته المبكرة في تجنيد الفلاحين عام ١٨٢١، تبين للباشا أن المرض يفتك بالجنود في المعسكرات والقشلاقات، وأن أعداد الموتي نتيجة التكدس في هذه الأماكن تفوق أعداد القتلي في المعارك، كما أن عدم وجود أي رعاية طبية أدي إلي هلاك أعداد كبيرة من الجرحي في المعارك.

دروفيتي أدرك خطوره الموقف، ووافق الباشا علي ضروره استجلاب طبيب أوربي يُعهد له بتكوين خدمة طبية ماهرة تحفظ صحه الجنود، ونظرًا لسابق معرفه دروفيتي بكلوت، أصطحب القنصل الفرنسي الطبيب الشاب الذي سرعان ما أن أبهر الباشا بفطنته ورجاحة عقله.

من حلاق صحة إلى عالم كبير

ويتتبع جرجي زيدان سيرة كلوت بك الأولى قبل وصوله إلى مصر ويقول: «اسمه الأصلي أنطون برطلمي كلوت، وُلد في جرينوبل بفرنسا سنة ١٧٩٣م من أبوين فقيرين، وربِّي في شظف من العيش وضيق ذات اليد، على أَنَّ ملامح النجابة كانت تلُوح على وجهه، ومواهبه الطبية تتجلَّى في أعماله منذ كان صبيًّا؛ لأنه كان على صغره ولِعًا بتشريح الحشرات ودرس طبائعها».

توفي والد كلوت سنة ١٨٠١م بعد أن نزح إلى برينول، وكان له صديقٌ اسمه الدكتور سابيه، فلما عاين ما في الغلام – كلوت- من المواهب على حاله من الفقر جعله مساعدًا له، يرافقه في أعماله الطبية، ويتمرَّن في الجراحة.

«كان كلوت يُطالع ذلك العلم بنفسه في ساعات الفراغ، حتى قرأ كتاب الجراحة تأليف (لافه)، ثم رأى أن برينول لصغرها لا تفي بما تجنح إليه نفسه، ولا تروي مطامعه، فنزح إلى مرسيليا رغم إرادة والدته التي كانت كثيرة التعلق بولدها؛ هذا لأنه كان وحيدًا لها، ولكنه أصرَّ على عزمه، وضغط على عواطفه؛ طلبًا للعُلى وسعيًا وراء العلم، وهو لا يملك إلا بعض الدريهمات وشيئًا من الثياب، على أنه لم يلاقِ في مرسيليا إلا الخيبة، فحدَّثته نفسه أن يسافر في سفينة جرَّاحًا لبحارتها، ويتحمل مشاقَّ الأسفار وأخطارها سدًّا لعوزه وهو في التاسعة عشرة من سنه، فلم يقبله ربَّانُها، وكان ذلك لحسن حظه؛ لأن السفينة غرقت في ذلك السفر» يستطرد زيدان في رواية سيرة  مؤسس الطب المصري الحديث.

وبسبب العوز والحاجة امتهن الفتى كلوت مهنة الحلاقة، «صار يختلف إلى حلاق يعالج بالفصد والجراحة الصغرى، ثم عاد إلى بلده مرغمًا، ودخل في المستشفى بعد عناء وتكرار الالتماس، وانكبَّ على الدرس والمطالعة حتى نبغ بين أقرانه، ولكن الفقر كان لا يزال ضاربًا أطنابه بين يديه».

وفي سنة ١٨١٧م أتمَّ دروسه، وعُيِّنَ طبيبًا صحيًّا، وكان قد درس العلوم بنفسه وأتقن اللغة اللاتينية على أحد القسوس، ونال رتبة بكالوريوس في العلوم، وفي سنة ١٨٢٠م نال شهادة الدكتوراة بعد شق الأنفُس ومعاناة البلاء، ولكنه أصبح قابضًا على ما يؤهلُهُ للعمل.

عاد كلوت إلى مرسيليا وعيِّن طبيبًا ثانيًا بمستشفى الصدقة، ومستشارًا جراحيًّا بمستشفى الأيتام، لكنه اصطدم ببعض الأقران الذين دسوا له عند إدراة المشفى فأقيل من منصبه، «لم يسعَ كلوت إلى الانتقام، بل تضاعفت همَّته في العمل؛ أراد بذلك أن يبرهن على عدم اكتراثه بالوشاية، وأنه إنما ينال الشهرة والسعادة بالسعي والاجتهاد، فكتب كتابًا في استعمال آلات الولادة في الأحوال الخطيرة، حتى صار دكتورًا في فن الجراحة، وذاع صيتُهُ في مرسيليا، وكان ذلك كافيًا لرغم أنف الوشاة».

في سنة ١٨٢٥م قدم كلوت إلى مصر بناء على طلب ونصيحة القنصل الفرنسي في مصر والمسيو تورنو التاجر الفرنسي الذي كان يقيم في مصر، وكما أسلفنا التقى بالباشا حاكم مصر، الذي كان يسمع عنه وعن مشروعاته وطموحاته.

مدرسة أبي زعبل

في تلك المقابلة التاريخية بين محمد علي وكلوت، وافق الطبيب الفرنسي الباشا علي أهميه تأسيس خدمه طبية متطورة، كما وافقه علي ضرورة أن تؤسس هذه الخدمة علي أسس اوربية وفرنسية تحديدا، ففرنسا كانت من أكثر البلدان الاوربية تطورا في الطب وقتها. كما قال له أن بوسعه أن يستجلب أطباء فرنسيين ماهرين ليعملوا معه علي حفظ صحه جنود الباشا في جيشه الجديد الذي كان قد شرع في بنائه عام ١٨٢١.

ألا ان الطبيب الفرنسي الشاب لفت نظر الباشا إلي أن استجلاب تلك الأعداد الكبيرة من الأطباء المهرة سيكلفه الكثير. كما لفت نظره للصعوبات التي ستنجم من عدم دراية هؤلاء بلغة الجنود العربية والضباط التركية، لذلك نصحه بأنه عوضًا عن ذلك فأنه قد يكون من الأجدى أن يشرع في تدريب أطباء مصريين لتكوين نواة الخدمة الطبية الجديدة.

اقترح كلوت على محمد على أن يؤسس مدرسة للطب البشري، وأن يعهد فيها بالتدريس لعدد صغير من الأطباء الأوربيين على أن يكون التلاميذ من المصريين، كما نصحه بأن يكون التدريس باللغة العربية حتي يتمكن الأطباء عند تخرجهم، من التواصل بنفس اللغة مع مرضاهم.

اقتنع الباشا بنصائح الطبيب الفرنسي الشاب وكلفه بوضع مشروع لتأسيس المدرسة، وبعد سنتين من التحضير والإعداد افتتحت المدرسة بجوار معسكر كبير للجيش، اسمه «جهاد أباد»، في منطقة أبي زعبل شمال شرقي القاهرة وقامت المستشفى في 18 مارس من عام 1827.

مدرسة طب أبي زعبل 1827

ونظرا لقرب المدرسة من المعسكر الحربي فقد كان من اليسير علي الجنود المرضي أن يُرسلوا للعلاج، وبمعنى آخر، فإن المدرسة كانت منذ إنشائها مستشفى حربي يفد عليه الجنود المرضى بأعداد كبيرة، وهو الأمر الذي ساعد في إضافه خبرة عملية علي التعليم النظري الذي كان التلاميذ يتلقونه في المدرسة.

ولما كانت البلاد وقتها تفتقر لأي تعليم ثانوي أو أعدادي حديث فقد تم اختيار عدد من طلاب الأزهر لكي يلتحقوا بالمدرسة الجديدة، ونظرا لعدم إلمام الطلاب بأي لغة أوربية، ولجهل المدرسين بالعربية، فقد تم تعيين بعض من المترجمين الشوام الذين كانت لديهم دراية بالفرنسية والإيطالية لكي يترجموا المحاضرات عند القائها.

وإضافه إلي مشكلة الترجمة، واجه كلوت بك مشكلة أخرى تمثلت في مقاومة الأهالي وبعض الطلاب لتشريح الجثث، يقول كلوت في مذكراته «أن مشايخ الأزهر، إضافه إلي بعض الطلاب أنفسهم، اعترضوا بشدة على قيام الأساتذة الأوربيين بتشريح الجثث، خاصة إذا كانت تلك الجثث لمتوفين مسلمين؛ كما عللت تلك المقاومة بالقول أن المسلمين يعتقدون بأن الجثث تشعر بالألم، وبأن الإسلام يحث على سرعة دفن الموتى ويُحرّم فتح الجثث ويمنع العبث بمخلوقات الخالق».

وسرعان ما أن تغلبت السلطات علي هذه المشكلة بأن منعت الأهالي من حضور محاضرات التشريح، وأكدت على ضرورة إضفاء قدر من السرية والوقار على دروس التشريح. كما أكدت المحاضرات والكتب الدراسية على أهميه فهم الطب بمناظره الجسم البشري من الداخل وعدم الاكتفاء بما تقوله كتب الأقدمين.

وفي سنة ١٨٣٢م سار الدكتور كلوت بك في ١٢ تلميذًا من تلامذة مدرسته هذه لامتحانهم في باريس، فامتحنتهم الجمعية العلمية الطبية، فحازوا استحسانها، وأظهروا كل نجابة وذكاء وبراعة.

وذكر جرجي زيدان في كتابه أسماء هؤلاء التلاميذ، ثم وضع لكل منهم ترجمته الخاصة في باب منفصل، وهم: أحمد الرشيدي مصطفى السبكي، حسن الرشيدي، محمد الشباسي، محمد منصور، محمد السكري، إبراهيم النبراوي، محمد الشافعي، حسين الهيهاوي، أحمد بخيت، عيسوي النحراوي، ومحمد علي البقلي.

ويقول زيدان أن نجاح هؤلاء المصريين في امتحانهم كان موجِبًا لسرور أستاذهم كلوت بك سرورًا زائدًا؛ لأنهم سيكونون له عونًا في نشر الفوائد الطبية والوصايا الصحية في هذه الديار.

قصر العيني

«في سنة ١٨٣٨م نُقلت المدرسة الطبية من أبي زعبل إلى القاهرة، وهي المعروفة بمدرسة قصر العيني، ثم أنشأ فيها فرعًا لدرس فن القِبالة، يتعلمها النساء؛ لعلمه أَنَّ عوائد المشارقة لا تسمح بولادة النساء على يد أطباء من الرجال، وأنشأ لهن مستشفًى خاصًّا بهن، وكان لهذه الخدمة فائدةٌ عظمى؛ خصوصًا لأن النساء — لمبالغتهن في التحجُّب — لا يؤذن للطبيب بمساعدتهن في الولادة، ولا الكشف عليهن في تشخيص بعض الأمراض، فكمْ كان يموتُ منهن لنقص المعالجة! أما بعد مدرسة القوابل فصارت القابلة (الداية) تقوم بأعمال الطبيب في معالجة النساء، فكم شَفَتْ أنفسًا، وكم أنقذت أُناسًا من الموت بإذن الله»، يضيف زيدان.

ثم رأى كلوت أن ينشئ أماكن للاستشارة الطبية بالقاهرة والإسكندرية، ففعل وجعل في كل استشارة أجزاخانة، وأنشأ أماكن كثيرة لمعالجة المرضى؛ كالمستشفيات وغيرها في المدن الكبيرة، وأدخل تطعيم الجدري للأطفال والغلمان، ولم يكن متداولًا قبل ذلك بمصر، فتغلب على انتشار ذلك الوباء، وكان يموت بسببه قبل ذلك الألوف كل سنة، وقد نتج عن إجراءات الدكتور كلوت بك الصحية زيادة عدد سكان القطر إلى أضعاف ما كانوا عليه.

كلوت مكافح الأوبئة

أظهر الدكتور كلوت سنة ١٨٣٠م كفاءة عالية في دفع وباء الكوليرا ومعالجة المصابين ما يشهد له به التاريخ، وقد شهد له بذلك محمد علي باشا، فأنعم عليه برتبة «البكوية»، وهي رتبة لم يكن ينالها إلا نفرٌ قليل، «كان كلوت أول من نالها من الأوروبيين على ما نعلم؛ وأنعمت عليه الحكومة الفرنساوية أيضًا برتبة ليجيون دونور».

وفي سنة ١٨٣٥م ظهر الطاعون بالقاهرة، فخاف الأطباء واعتزلوا في بيوتهم خوفًا من العدوى، إلا الدكتور كلوت بك وثلاثة من زملائه، فثابروا على خدمة المرضى ومعالجتهم، وقد رأى كلوت أن هذا الداء غير معدٍ بمجرد الدنوِّ من المرضى ومعالجتهم، وقد طعَّم نفسه بالصديد الجدري، المعروف بالمادة الفحمية.

كان لخدمته هذه وَقْع حسن في عيون محمد علي باشا وسائر من عرفه، فبعد انقضاء تلك الأزمة أنعم عليه محمد علي باشا برتبة جنرال، وكتب إليه بذلك يقول: «لقد تقلَّدت بصنيعك هذا قلادة الفخر؛ فقد جعلتك لذلك جنرالًا.» وأنعمتْ عليه الدولة الفرنساوية برتبة أوفيسيه دي لاليجيون دونور، وأهدته سائر الدول الأخرى نياشين بطبقات مختلفة؛ إقرارًا بخدمته لها في معالجة رعاياها أثناء ذلك الوباء.

نجح «قصر العيني» كذلك في وضع إجراءات احترازيه لحفظ الصحة العامة، كان من أهمها فرض الحجر الصحي «الكورنتينا» للحد من انتشار الأوبئه، وأخطرها الطاعون والكوليرا، وبالفعل كانت لهذه الإجراءات أبلغ الأثر في تقليل الإصابة بهذين الوبائين الذين اختفيا من مصر بشكل شبه نهائي بحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر.

وفي عام ١٨٤٨ كللت جهود القصر العيني بالنجاح عند إقامه أول تعداد عام للسكان وبذلك أصبحت لدى السلطات الصحية قاعدة بيانات دقيقه تبنى عليها سياساتها الصحية علي مستوي القطر كله.

المراجع:

كتاب «تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر»، للمؤرخ والصحفي الشامي جرجي زيدان.

دراسة «قصة القصر العيني.. نبذة تاريخية عن أول مدرسة لتعليم الطب في مصر»، للدكتور خالد فهمي أستاذ التاريخ بالجماعة الأمريكية.

كلمات مفتاحية:

كلوت بك- محمد علي باشا – مدرسة الطب – يوم الطبيب المصري- أبي زعبل – قصر العيني – فيروس كورونا- الطاعون – الكوليرا – مكافحة الأوبئة – العزل الصحي – عبد الفتاح السيسي – أحمد الطيب – جرجي زيدان – خالد فهمي – محمد سعد عبد الحفيظ

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق