منوعات

«مصر جميلة خليك فاكر»

   «مصر جميلة خليك فاكر » ليست مجرد أغنيه أو بتوصيف أدق جزء من موال أطلقه قبل سنوات المطرب الشعبي الراحل محمد طه تغني فيه بروعة مصر وشعبها، ولكنها بالفعل توصيف دقيق لحالة «التكاتف» والتوحد التي تظهرها فئات الشعب في كل المحن والأزمات.

   مبادرات كثيرة للدعم والمشاركة والمساندة انطلقت مؤخرا في أعقاب انتشار فيروس كورونا، لعل في مقدمتها مبادرة «إحنا في ضهرك» التي دشنها عدد من المصريين لمساعدة المغتربين العالقين في شتى أنحاء العالم  بعد وقف حركة الطيران في مصر و من قبلها بكثير من البلدان التي أصابها الوباء، وقد تصدر «هاشتاج» (#احنا_في_ضهرك) مواقع التواصل الإجتماعي و حقق تفاعلا كبيرا حيث نشر كل شخص اسمه وعنوانه ورقم هاتفه ومختلف طرق التواصل معه، وأبدي الجميع استعدادا لمختلف أنواع الدعم سواء ماديا أو عبر استضافة مفتوحة حتى عودة حركة الطيران مرة أخرى.

   

    «جدعنة المصريين» التي تظهر في الأزمات لم تتوقف عند هذه الحملة وفقط، فأثناء الظروف المناخية الصعبة التي مرت بمصر قبل أيام نجح عدد من مالكي سيارات الدفع الرباعي في إنقاذ عشرات السيارات التي كادت تغرق و أصحابها في مياه الأمطار لولا هؤلاء الشباب علي الرغم من الخسائر التي لحقت بسياراتهم.

وعلي الجانب الأخر بادر الكثير من الشباب في عدد من القري المصرية للقيام بعمليات التطهير و التعقيم لكل شبر في تلك القري لعل آخرها قرية الروضة بمركز بركة السبع بالمنوفية، وفي أماكن أخرى تسابق البعض علي توزيع الكمامات المعقمة والقفازات و المواد المطهره.

وفي إطار دعم عمال اليومية الذين تضرروا من جراء ما حدث انطلقت عشرات المبادرات بتوفير دخل يوفر لهم حياة كريمة أو مواد غذائية تعينهم على مواصلة الحياة.

 

سباق الخير

 «تحدي الخير» حملة أخرى أطلقها لاعب الكرة بالنادي الأهلي سعد سمير والتي أعلن فيها تحمل أعباء مجموعة من الأسر المصرية المتضررة من جراء الفيروس، وقد شهدت الحملة تجاوبا كبيرا من قبل عدد أخر من نجوم الكرة قبل أن ينضم لهم بعض الفنانيين ليرتفع عدد الأسر التي يتم التكفل بها يوميا.

 

وفي الوقت الذي توقع البعض أن يبادر رجال الأعمال بالتبرع لمواجهة هذه الأزمة التي تحتاج لتضافر جميع الجهود، جاءت المبادرة من أحد اصحاب  المطاعم الشهيرة بإعلانه التبرع لصالح أهل منطقته الشعبية ودعم طلاب المنطقة لتسيير العملية التعليمية، مناشدا رجال الأعمال والشخصيات العامة بضرورة التبرع لمواجهة هذه المحنة التي ضربت العالم كله وليس فقط مصر.

المشاركة المجتمعية لم تقتصر عند التبرع بالمال من قبل البعض وفقط، بل اتسعت الدائرة وشملت هيئات و أفراد حرص كل منهم علي المشاركة بما يملكه من جهد، فمثلا ومع تعليق الدراسة بادر عدد كبير من المدرسين لشرح المناهج التعليمية عبر فيديوهات لاقت استحسانا و قبول كبير، كما حرصت بعض المدرسات في رياض الأطفال على تهوين الإجازة الإجبارية على الأطفال من خلال بث مباشر يجمعها بتلاميذها في الفصل.

وفي إطار محاربة الإستغلال بعد ارتفاع أسعار المنظفات و المطهرات بعد التكالب علي شرائها، قام بعض أساتذة كلية الزراعة بعمل فيديوهات يشرحون فيها طرق صناعة المطهرات و المنظفات بخامات بسيطة و بطرق سهلة مبسطة، وعلى نفس الدرب حرص عدد من الأطباء المتخصصين علي شرح طرق الوقاية من الفيروس من خلال فيديوهات حققت نسب مشاهدة عالية، فيما قررت ربات بيوت تقديم نصائح بأكلات يمكن تدبيرها بأقل التكلفه تمشيا مع الظروف الإقتصادية التي ضربت الكثير من الأسر المصرية.

اغراءات لكسر الملل

   في إطار حملات التوعية والالتزام بقواعد السلامة حرص عدد كبير من نجوم الفن والرياضة على المشاركة في مبادرة «خليك بالبيت» للتوعية بخطورة الفيروس، سواء بشكل منفرد عبر صفحاتهم الخاصة علي مواقع التواصل أو من خلال إعلانات تلفزيونية، الأمر الذي شجع جهات أخرى للمشاركة في التوعية بأهمية «العزل الصحي» لمكافحة الفيروس و تقديم الدعم لكسر الملل ومن بينها مثلا مكتبة الإسكندرية التي أعلنت عن طرح كتبها مجانا عبر موقعها الإلكتروني دعما للإجراءات الوقائية.

   كما قررت منصة «شاهد» هي الأخري المساهمة بحملة دعم لإقناع الملايين بملازمة منازلهم وذلك عبر منحهم شهر مجانا ما يوفر للمتابعين عالما متنوعا من الترفيه من أفلام ومسلسلات.

   دعم الإجراءات الاحترازية و إقناع الجماهير بضرورة الالتزام بالبيت امتدت جهات عالمية حيث قررت عدد من أكبر الجامعات في العالم مثل «هارفارد» و «كورنل» و «براون» تقديم عدد كبير من «الكورسات» المتنوعة «أون لاين»، كذلك منصات تعليمية أخرى مثل future learn وغيرها.

   يقولون دوما أن الأزمات كاشفه، و أنها المحك القاطع الذي لا يقبل الشك، ومع كل أزمه يظهر للعالم معدن  المصريين الأصيل وكيف يحرص الجميع على مد يد العون كي نتجاوز الأزمة ولعل آخرها هذا الوباء، وهو ما أكدته د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، مشيرة لأن ما يحدث الآن من ترابط وتلاحم بين الجميع هو الأساس و الحقيقة التي لا تقبل الشك، إلا أن الضغوط الإقتصادية و الإجتماعية تلقي للأسف بظلالها علي البعض، ما أفرز الكثير من الإحباط و اللامبالاه، كذلك الكثير من مظاهر العنف.

سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس

وتضيف د. سامية أن السلوكيات المتدنية وغيرها من السلبيات التي طفت على السطح خلال السموات الأخيرة من السهل تلمسها بل وعانينا كثيرا منها، و عبثا فشلنا كأهل اختصاص في إعادة التقويم خصوصا في ظل تراجع عناصر كثيرة المفترض أنها داعمة بل و مؤهلة للمشاركة في عمليات الإصلاح  المجتمعية لعل في مقدمتها الفنون و الإعلام الذين لا يمكن تجاهل تأثيرهم، إلا أن تراجع دورهم كما أشرنا سلفا ساهم في تعميم صورة خاطئة عن هذا الشعب الأصيل والذي يتكشف دوما وجهه الحقيقي في الأزمات والشدائد والتي دائما ما تعيد الأمور لنصابها الصحيح، وكأنها تزيل التراب وكل ما علق بالصورة الحقيقية، فالأزمات توحد الشعب أو علي الأقل معظم فئاته فيصبح الجميع يد واحدة في مواجه الخطر أو كما قال الراحل توفيق الحكيم «الكل في واحد».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق