ثقافة

بعد غياب الرواد.. هل النقد في أزمة؟

منذ وقت ليس بعيدا، وإن لم يبدُ الآن كذلك، كان النقد الأدبي حاضرا وزاهيا في صورة أكاديميين وأساتذة أجلاء كبار، لم يكونوا كثيرين في الأجيال لكنهم تركوا في كل جيل بصمة مميزة لا تمَّحي آثارها النافعة، ودائما لعبوا أدوارا ثلاثة غاية في الخطورة والأهمية:

– التنظير (نظَّر نتائج بحثه تنظيرا أي وضعها في شكل نظرية).

– تحليل النصوص الأدبية.. المعنى إبراز محاسنها ومثالبها وفتح مغاليقها وإضاءة المناطق المظلمة بها وقبض بلاغتها والوصول لأعماق أعماقها.

– اكتشاف المواهب، وصقلها، والتنويه عنها، ثم الدفع بها إلى المعترك الأدبي.

مثلا لم يكن اكتشاف المواهب وصقلها من الأدوار التي يمكن اتهامهم بالتقصير لو لم يضطلعوا بمسؤوليته، لكنهم قاموا به تطوعا، وعدُّوه ضمن الأولويات، وكم أثروا ساحة الإبداع بأصوات حقيقية فذة، كان الغبار الكثيف غطَّاها حيث دُفِنَت في بيئاتها البعيدة عن العاصمة التي بيدها مفاتيح الشهرة والانتشار..

رحل منهم من رحل وتقدم في العمر من تقدم وانشغل بغير التخصص من انشغل، مع تغير ليس محمودا طرأ على القيم كلها وانهيار تعليمي حدث واستمر؛ فخسر النقد خسرانا مبينا، وتسلل إلى ساحته أدعياء تسللوا واقعيا إلى كل الساحات في غياب المتحققين الراسخين، وصار النقد مقالا مجانيا في جريدة سيارة وتصورات عابرة في موقع إلكتروني أو صفحة بوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، وأقبح الآثار بغيابه كان غياب المعيار.. أعني افتقاد النموذج المتحقَّق أو المتصوَّر الذي ينبغي أن يكون عليه النص المكتوب (هكذا المعيار في الفلسفة)؛ وعليه امتلأت ساحة الإبداع بالطاقات الزائفة الخادعة والمقلدين واللصوص ومستوردي الأفكار والضعاف في اللغة والباحثين عن القوالب الأسهل وما شابه، ولا غرو أن بعض هؤلاء نال مجدا طويلا؛ فالانحدار شديد!

ما زال الثمانينيون يذكرون الناقد الدكتور عبد القادر القط بكل خير (يرحمه الله) لا سيما في تجربته بمجلة إبداع؛ فقد قام بالأدوار الثلاثة الآنفة على أكمل وجه، ولم يأل جهدا في الانتصار لتفوق قصيدة فتى عظيم الموهبة من مركز ناءٍ بالصعيد أو قصة شاب بديع من قرية مجهولة بالدلتا، وفي الواقع أنا لا أحرص هنا على ذكر أسماء النقاد المهمِّين مقدار ما أحرص على إثبات الفكرة نفسها، ضرورة حضور النقد القوي في صورة الناقد الذكي البصير، لأن غيابه يوقعنا في معضلة سقوط المعيار، ويكلفنا ثمنا فادحا للغاية بل يكلف بلادنا نقصا من سمعتها الأدبية الرفيعة في العالم العربي والعالم.. بالأمس القريب قامت معركة الأشكال الشعرية في مصر: القصيدة العمودية، أولى بالاتباع، أم قصيدة الشعر الحر أم القصيدة النثرية؟!

الناقد الدكتور عبد القادر القط

كان الحل بسيطا، لكن لأن أمثال النقاد المقصودين غائبون بالموت أو الابتعاد المسبَّب أو السكوت المحيِّر للأمانة؛ ظلت المعركة الضارية يقظة حتى اللحظة الراهنة، بينما وجد اللبنانيون حلها البسيط وحسموا الخلاف مبكِّرا ووأدوا الاختلاف: كل الأشكال الشعرية مقبولة شريطة أن تتوفر فيها العناصر التي تمنحها القدرة على التأثير، وأبرزها الصدق والبساطة والنضج والسلامة اللغوية.

في وقتنا الراهن يوجد نقاد يمكن التعويل عليهم، واسعو الثقافة، هاضمون للتراث العربي والآداب الغربية، ولديهم أفكار من شأنها تصحيح الأخطاء، ويوجد طلبة في السنوات النهائية بكليات اللغة العربية متفوقون ومتحمسون للنقد أيضا، وقد يكون مستقبلهم النقدي مشرقا، لكن الجميع يفتقدون للحافز، ويشعرون بالحاجة إلى التوعية بأهميتهم!

يقال إن الناقد مبدع فاشل، والفاشل الوحيد حقا هو كل حرف في حروف هذه العبارة المجحفة الظالمة، ولست أعرف قائليها ولا من روَّجوا لها عبر الأزمنة، وأعرف يقينا أن النقد عملية تالية للإبداع، ولو لم تكن روحها كمثل روحه ما تبعته وما انبنت عليه، ويلزمها كما يلزمه امتلاك أدوات وتوقد ذهن وتفرغ تام، قد أفهم أن يقال إن الناقد الفاشل مبدع فاشل (أي التقييد بالوصف) لكن لا أفهم الإطلاق في العبارة الذائعة كأنها الحقيقة..

حين يكون المبدع مفتقرا إلى ناقد جيد يكون إبداعه مرتبكا؛ فالناقد الجيد مرشد في الطريق الصعب، المبدع يقول ما يشاؤه، والناقد هو الحكيم الذي يعيد ترتيب الأقوال بصورة جديدة مذهلة ليجد المبدع نفسه أمام نص بديع مواز لنصه وكاشف لأبعاده، قد يقبل النقد وقد يرفضه، لكنه، في جميع الأحوال، يكون ممتنا لمحاولة قراءة النص بجدية وأمانة وروح قوية ألقة لا تنقصها الجودة ولا الإبهار، وهذا هو النقد الذي يماثل الإبداع، وممارسه ناقد لا يُوسَم إلا بالنجاح. عشنا إلى عصر النقاد الشهوانيين والمرتشين، بألقابهم المضحكة المبكية، بعد أن مضى الشرفاء الموقَّرون ولم يعودوا قط.

صادفت في رحلتي بعض هؤلاء طبعا، وكم وصف لي الأصدقاء والصديقات من أهل الأدب، وأكثرهم وأكثرهن من الثقات، وصفوا لي نقاد العطورالنسوية لا السطور الإبداعية، ونقاد الظفر بالموائد والأموال دون أدنى النظر في الأعمال.. شاهدت بعيني وسمعت بأذني ما يندى له الجبين، والأخطر أن معظم المتصدين للعملية النقدية حاليا هم من الانطباعيين المجانيين، ومن الذين لا يعول عليهم معرفيا ولا ثقافيا، ومع ذلك أخذوا نصيبهم من الشهرة ومعه نصيب الحقيقيين ممن أبوا الصراع الخائب وانزووا في أركانهم محبطين ملقين باللوم على كل من سكتوا على الوضع البائس حتى صار القاعدة وما دونه الاستثناء..

إن النقد في خطر شديد، وليتنا لا نواري شيئا يتعلق به مهما يكن، وليتنا لا ندخر جهدا في استعادة تفوقه وألقه، المسؤولية في رقاب الجميع مبدعين ونقادا ومثقفين ومتابعين ومهتمين ومؤسسات عامة وخاصة؛ فإما أفاق الكل من سباتهم العميق وأسفرت يقظتهم عن معنى حقيقي صادق، وإما ضاع الإبداع وأهله ما لم نَسْتَعِدْ من الغيوب يقينا نقديا خلَّاقا، قريبا ليس ببعيد، ما زالت علاماته الإيجابية واضحة!

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق