منوعات

عبد الناصر وفيروز وعفاف راضي.. والموسيقى العابرة للانقسامات

المرة الأولى التي سمعت فيها القصة كانت من الأستاذ «محمد فائق» وزير الإعلام في عهد الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر»، كنا نُجري معه حواراً لمجلة مصرية، وكانت مفاجأة لنا أن نسمع منه أن عبد الناصر طلبه مرة على التليفون المتصل بالرئاسة، وهو بمكتبه في ماسبيرو، ولم يكن يخطر على بال وزير الإعلام أن تكون المكالمة الرئاسية خاصة بالمطربة «عفاف راضي»، أخبره الرئيس أنه كان يستمع إلى الإذاعة، ولفت نظره صوت تلك المطربة الناشئة في ذلك الوقت، وأنه حرص على أن يواصل الاستماع إليها حتى انتهت أغنيتها، وذكر المذيع اسمها واسم الملحن وصاحب الكلمات، فاتصل من فوره بوزير الإعلام ليقول له إن «صوتها جديد، وحساس، يجمع بين قوة صوت «فيروز»، ورقة صوت «نجاة الصغيرة»، وطلب الاهتمام بالأصوات الجديدة مثلها.

محمد فائق

كان ذلك في أواخر الستينيات، وكانت عفاف راضي ما تزال في بدايات ظهورها في حفلات أضواء المدينة، ومن وعى تلك الفترة سوف يتذكر بالتأكيد أن أغنيات عفاف راضي «ردوا السلام ـ هوا يا هوا ـ تساهيل ـ والنبي ده حرام ـ يهديك يرضيك ـ تعالي جنبي ـ لمين يا قمر ـ شبيك لبيك ـ يمكن على باله ـ طير يا حمام الدوح ـ وقالوا راح ـ عشاق الليل ـ جرحتني عيونه السوده ـ حاسب وأنت ماشي ـ كله في المواني»، كانت تذاع تقريباً كل يوم، وقد عرفنا السبب من وزير الاعلام وقتها بعد مرور ما يزيد على السنوات العشرمن واقعة اتصال عبد الناصر وإعرابه عن إعجابه بصوت عفاف راضي

تذكرت  الواقعة حين قرأت المقال الذي كتبه الكاتب اللبناني سمير عطا الله[1] والذي قال فيه «إن الرئيس جمال عبد الناصر في عزِّ سطوته الجماهيرية خشي على التفوّق المصري الفني من صوت فيروز، فقال لمن حوله: هاتوا لنا فيروز مصرية على وجه السرعة، وقيل يومها إن عفاف راضي قُدِّمت على أنها فيروز مصر»، ويستدرك عطا الله فيقول: «لكن كما كانت هناك أم كلثوم واحدة لا تتكرّر في الأجيال، لا هي ولا منديلها ولا حضورها الكامل، كانت هناك أيضاً فيروز واحدة أشبه بالبحر لا يكرّر إلا نفسه»

سمير عطا الله

وبعد أن قرأت مقال عطا الله راجعت الأستاذ محمد فائق حول ما جاء في المقال عطا ، فذكر لي القصة نفسها التي كان حكاها لنا من قبل، وقال: لم يتطرق كلام الرئيس إلى المقارنة بين «فيروز» و«عفاف راضي» بأي صورة من الصور، بل أكد على أنه رأى في صوتها ما يذكره بعظمة صوت «فيروز»، وأن الأمر اقتصر على ضرورة الاهتمام بالأصوات المصرية الجديدة، وكانت «عفاف راضي» مثالا على تلك الأصوات.

فيروز وعفاف راضي

المدرسة المصرية

حين تشرفت بالتعرف على المايسترو سليم سحاب[2] كان لي معه حوارات ممتدة، وهو متحدث بارع، ومثقف كبير، وابن نكتة أيضاً، وقد كان لي شرف اجراء حوار صحفي موسع معه حول تجربته الموسيقية ولفتني يومها قوله إن فيروز بنت المدرسة المصرية،  فسألته التوضيح، فقال إن الشخصية الفنية الحديثة لجميع الموسيقيين اللبنانيين تشكلت على الموسيقى المصرية، لم يكن هناك موسيقى محترفة غير المدرسة الموسيقية المصرية ، ولم تكن هناك وسيلة إعلام تصل إلى أقطار الوطن العربي كله إلا الإذاعة المصرية، ولم يكن هناك أفلام عربية غنائية أو غير غنائية غير الفيلم المصري، وحتى المدرسة الموسيقية اللبنانية الحديثة التي ظهرت منذ الأربعينات مع حليم الرومي وفيلمون وهبي، ونيقولا المني، وخالد أبو النصر، وغيرهم، تبلورت في الخمسينات وانطلقت عربياً مع الأخوين رحباني وزكي ناصيف وعفيف رضوان وتوفيق الباشا وباعتراف هؤلاء جميعاً فإن هذه المدرسة هي الإبن الشرعي للمدرسة الموسيقية المصرية.

المايسترو سليم سحاب

الموسيقى.. لغة قومية

ويذكرنا المايسترو سليم سحاب بأن التقسيم السياسي الذي فرض على البلاد العربية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية لم يستطع أن يكرر نفسه بتقسيمات ثقافية موازية، ولن ينكر أي شخص موضوعي أن مشكلات سياسية كبيرة طرأت في فترة الاستقلال بين الدول العربية، ولكن وحدة الوجدان في الثقافة العربية عموماً وفي الموسيقى خصوصاً ظلت حتى يومنا هذا تفرض نفسها في العمق متجاوزة كل الحواجز السياسية الطارئة.

وحكى لي المايسترو سحاب قصة جرت وقائعها في العاصمة الفرنسية «باريس» حيث كان يقوم مع فرقته الموسيقية برحلة فنية على رأس فرقة «بيروت للموسيقى العربية»، وحدث أنهم استقلوا حافلة لزيارة «قصر فرساي»، وكان أعضاء الفرقة يشغلون مقاعد القسم الخلفي من الحافلة، فجأة انطلقت إحدى منشدات الفرقة تغني «على بلد المحبوب وديني»، يقول: لمحنا امرأة شابة تقف قرب باب الحافلة ووجهها مليء بالانفعال وقبل أنى تنزل التفتت إلينا، وكنا نظنها فرنسية، وصاحت بنبرة عالية مفعمة بالشجن والحنين والانفعال وبلهجة مغربية واضحة رافعة يديها إلى السماء وهي تقول: «ربنا ينصركم، ربنا ينصركم».

دلالات الموقف أعمق من أن نحللها على هوانا، فالأغنية من مصر (غناء أم كلثوم، وتلحين رياض السنباطي)، والمنشدون من لبنان، والمستمعة مغربية تعيش في الغربة، وفي باريس تحولت الأغنية إلى سلك كهربائي يحمل لغة وجدانية واحدة إلى المرأة المغربية، تطلق لديها ما يتجاوز بكثير مجرد النشوة الفنية فتحرك أعماق مشاعرها القومية والسياسية، وربما أشجانها الشخصية الخـاصـة وعواطفها الدينية.

وحين قلت له إن الموسيقى لغة عالمية يا مايسترو، قام من فوره إلى البيانو وعزف مقطعا من «سيمفونية بيتهوفن الخامسة»، ثم عرَج على عزف جزء من لحن «أهل الهوى يا ليل» لزكريا أحمد، ثم قال لي: تلاحظ أنهما مكتوبان على المقام الموسيقي نفسه، فهل تجد أي شبه بين هذين العملين، لن تجد بالطبع، فاللحن الأول ذو جنسية ألمانية وانتماء ألماني محض، واللحن الثاني انتماؤه عربي، الذي يجمع بينهما فقط هي حروف الموسيقى السبعة.

 

مسألة أن الموسيقى لغة عالمية هي خطأ شائع كما يرى المايسترو سليم سحاب،فالموسيقى عنده هي لغة قومية ذات حروف عالمية، ويستدل على ذلك بأن كل الناس يعرفون أن جميع لغات أوروبا ونصف لغات الشرق إلى جانب جميع لغات أمريكا الشمالية وبعض أمريكا الجنوبية تكتب كلها بالحروف اللاتينية، ولكنها في الأصل لغات قومية مائة في المائة، وإن كتبت بنفس الحروف، هكذا موسيقات الشعوب تتألف من الحروف الموسيقية نفسها (دو. ري. مي. فا. صول. لا. سي)، ولكنها تبقى اللغة القومية لكل شعب.

فيروزي الهوى

عن نفسي، ومن دون أي مواقف إقليمية ضيقة، أحببت «عفاف راضي» وعشقت صوتها حتى قبل أن أتعرف على صوت «فيروز»، ولكني أعترف أن «فيروز» تبقى هي مطربتي المفضلة التي لا يسبقها عندي مطربة أخرى، حتى أم كلثوم نفسها، وهي في رأيي ملكة الغناء العربي المتوجة،صحيح أنني أحب كوكب الشرق وأحن إلى السماع إليها في كثير من الأوقات، وفي كل مرة أستعد فيها لسماعها كأني جالس في إحدى حفلاتها، ولكن تظل «فيروز» عندي هي غذائي اليومي في كل وقت صباحاً كان أم مساءاً، وعلى أي هيئة وعلى أي مزاج كنت.

ويبقى أن الموسيقى العربية كلها تجمعنا ولا تفرقنا، وهي بحق لغتنا القومية العابرة للتقسيمات والانقسامات رغم كل هذا التشرذم البادي في مواقعنا ومواقفنا السياسية، ومعاركنا الصغيرة.

——————-

هوامش

[1] سمير عطا الله: كاتب لبناني، ولد في بيروت في 1 يناير عام1941، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية. يمزج السياسة بالأدب والثقافة بالحدث. يكتب زاوية يومية في «الشرق الأوسط» منذ 1987، ومقالاً في صفحة الرأي كل خميس.

 

له عشر مؤلفات في التاريخ والرواية والسفر. عمل مراسلًا لجريدة النهار» في أوروبا والأمم المتحدة، وعمل في الكويت مديراً لتحرير «الأنباء»، وترأس تحرير «الصياد» في لندن و«الأسبوع العربي» في بيروت. (نقلاً عن ويكيبيديا)

 

[2] المايسترو سليم سحاب: ولد في فلسطين عام 1941 ونشأ في لبنان وهو من عائلة تخصصت في كل مناحي الثقافة والموسيقى ويعيش حالياً في القاهرة، يحمل الجنسيتين المصرية واللبنانية. درس الموسيقى في معاهد روسيا العريقة حيث حصل على دبلوم قيادة أوركسترا سيمفوني من معهد تشايكوفسكي الشهير، وأسس فرقا عديدة في لبنان للكبار والصغار قبل أن يؤسس الفرقة القومية للموسيقى العربية التي أسسها وأشرف عليها في القاهرة.

 

يرأس حاليا مؤسسة المبدع العربي ويتولى إدارتها وهي المؤسسة التي تهدف إلى اكتشاف ورعاية المواهب الواعدة في مجالات الغناء والعزف على الآلات الشرقية والتلحين وقيادة الأوركسترا فضلا عن تنظيم ورش العمل الفنية بهدف رفع كفاءة العازفين. من أهداف المؤسسة أيضاً إقامة الندوات والمؤتمرات من أجل نشر الوعي الموسيقي لدى الجمهور العربي.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق