منوعات

في يوم الأرض الفلسطيني.. وتبقى القضية في قلوب المبدعين

«أنا الأرض.. يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها.. أحرثوا جسدي.. أيها الذاهبون إلى جبل النار.. مروا على جسدي.. أيها الذاهبون إلى صخرة القدس.. مروا على جسدي.. أيها العابرون على جسدي.. لن تمروا.. أنا الأرض في جسد.. لن تمروا.. أنا الأرض في صحوها.. لن تمروا.. يا أيها العابرون على الأرض في صحوها.. انا الأرض.. لن تمروا.. لن تمروا.. لن تمروا».. من قصيدة «الأرض» للشاعر الفلسطيني «محمود درويش» التي كتبها تحية لشهداء «يوم الأرض».

الشاعر الفلسطيني محمود درويش

يُحيي الفلسطينيون ومعهم كل المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية في الثلاثين من مارس من كل عام ذكرى يوم الأرض، تعبيرا عن التمسك بأرض فلسطين، وإحياءًا لذكرى شهداء عام «1976» الذين استشهدوا دفاعا عن أراضيهم حين اغتصبت عصابات الصهيونية مساحات شاسعة من الأراضي المملوكة للفلسطينين الذين هبوا في عمل جماعي كبير دفاعا عن أرضهم واستشهد ستة فلسطينين واعتُقل المئات، ولاشك أن للأدباء وصناع السينما طريقتهم الخاصة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وفي القلب منها «الأرض» كقيمة إجتماعية وكرمز للإنتماء. تُرى كيف تعامل المبدعون المصريون سواء كانوا أدباء أو فنانين مع القضية الفلسطينية؟

  ولدتني الأرض يوم خَضَّبتَها بدمائك

احتفى الأدباء العرب وفي القلب منهم المبدعون المصريون بالقضية الفلسطينية، التي كانت محورا للعديد من الأعمال الأدبية. الناقد الأدبي الدكتور محمد السيد إسماعيل في كتابه «الرواية والسلطة» يناقش بالتحليل عددا من الأعمال الأدبية التي تناولت مختلف القضايا القومية وفي القلب منها القضية الفلسطينية، فيشير إلى أن الأدباء المصريين في تناولهم للقضية الفلسطينية قد تدرجوا من المعالجة الدينية الإسلامية، وصولا إلى المعالجة العروبية، بوصفها قضية محورية داخل التيار العروبي الذي اقترن  بثورة يوليو 1952.

اختار الدكتور إسماعيل روايتين كنموذج للروايات المصرية التي طرحت القضية الفلسطينية، وهما: رواية «أحمد وداود» لفتحي غانم، ورواية «شرق النخيل» لبهاء طاهر.  

تقع أحداث رواية «أحمد وداود» في السنوات القليلة التي تسبق عام «1948» والتي شهدت النشاط الإجرامي للعصابات الصهيوينة ضد الشعب الفلسطيني، وقد اتخذ فتحي غانم من قرية «د» الفلسطينية كمسرح للأحداث، والأرجح أنه كان يقصد بها بلدة «دير ياسين».

قرية «د» تعد نموذجا مصغرا للمجتمع الفلسطيني الذي كان يتصارع عليه البريطانيون الذين كانوا يفرضون الضرائب، والأتراك الذين كانوا يمارسون نوعا من «الهيمنة الوهمية» الموروثة، والعصابات الصهيونية التي قامت بأعمال وحشية وإجرامية ضد الشعب الفلسطيني وصلت حد الإبادة الجماعية، وفي مقابل كل هؤلاء الغاشمين وقفت المقاومة العربية الفلسطينية والتي قادها مفتي القدس آنذاك الشيخ «أمين الحسيني». 

الشيخ أمين الحسيني

عبر الرواية تتضح معالم الصراع ومن ثم تتبلور صورة العدو الذي يعتمد في إحكام قبضته على القوة الإقتصادية عبر شراء الأرض بعد انتهاج كافة الأساليب المؤدية إلى إفقار الفلسطينين وتجويعهم، وتحويلها إلى مزارع جماعية «الكيبوتز» لليهود، لتتحول المزرعة من مجرد وحدة إقتصادية، إلى مركز لتجمع وتدريب الشباب الصهيوني. ويتجلي بالرواية الملمح الوحشي والإجرامي لصورة العدو على نحو ما ظهر بمذبحة «دير ياسين» حيث يهجم الصهاينة على القرية، فيذبحون أهلها رجالا ونساءا وأطفالا. 

مذبحة دير ياسين

تستمر الرواية في عرض مختلف أشكال المقاومة العربية، لتؤكد في النهاية على أن «الغلبة» التي أحرزتها قوى الشر إنما هى «غلبة مؤقتة»، حيث تنتقل أحداث الرواية من قرية «د» الفلسطينية إلى شوارع «القاهرة» حيث يقف صبي صغير يتحدث إلى بطل الرواية «الشهيد» قائلا: «أنا أبنك.. لقد ولدتني الأرض يوم خضبتها بدمائك»، كتعبير عن إستمرار النضال ضد العدو الصهيوني إنطلاقا من شوارع القاهرة على يد الصبية الذين ورثوا راية النضال العربي عن أبائهم مخضبة بدماء شهداء الأرض.

ثم يستعرض دكتور إسماعيل رواية «شرق النخيل» لبهاء الطاهر الذي جعل من الأرض موضوع الصراع الرئيسي بالرواية، سواء كانت هذه الأرض تقع في صعيد مصر، أم كانت أرض سيناء، أم أرض فلسطين، ولعل هذا المزج المتشعب هو ما قد منح تلك الرواية مذاقها الخاص وأسلوبها المتميز في معالجة القضية الفلسطينية.

تدور أحداث الرواية عبر ثلاثة مستويات متوازية للصراع، تبدأ بالصراع على قطعة أرض بصعيد مصر، بين عائلتين، تليها مظاهرات طلاب الجامعات المصرية المطالبة بتحرير أرض سيناء، ثم لقاء «سمير» المصري «بعصام» الفلسطيني حيث يتعرف القارىء من خلال هذا اللقاء على قرية «حلحول» الفلسطينية التي حاصرها الإنجليز مع غيرها من القرى الفلسطينية عقابا لأهلها على رفضهم الهجرات المتوالية للصهاينة لأرض فلسطين، فيموت جد «عصام» أثناء ذلك الحصار ويحمل والده البندقية في مواجهة الدبابة ليشترك في أعمال المقاومة ضد المحتل الصهيوني، وأخيرا يستكمل عصام مسيرة أبيه وجده النضالية، فيذهب للتطوع بالمقاومة الفلسطينية ومن ثم يستشهد، ليؤكد بهاء طاهر عبر روايته على أن الصراع حول «الأرض» صراع يقوم على «القوة» ولن يحسم هذا الصراع إلا «بالقوة». 

الروايتان على إختلاف طريقة المعالجة وتمايز تقنياتهما وعناصر بنائهما الفني قد اجمعتا في النهاية على ضرورة المواجهة «الشاملة» من أجل استعادة الحقوق المسلوبة كاملة.

تجليات القضية في «المخدوعون» 

الناقد السينمائي الذي رحل عن عالمنا منذ أيام قليلة «محسن ويفى» يقدم فيلم «المخدوعون» للمخرج توفيق صالح المأخوذ عن رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» في كتابه «سينما توفيق صالح» بوصفه «درة أعمال توفيق صالح.. ويمثل طفرة سينمائية في الوعي بالقضية الفلسطينية».

تدور أحداث الفيلم حول تجربة ثلاث شخصيات فلسطينية من أجيال مختلفة وهم يحاولون الهرب إلى الكويت، داخل عربة «خزان»، وتعكس الشخصيات الثلاث على إختلافها واقع الشتات الفلسطيني الذي يعاني منه أهل فلسطين، «فأبو القيس» فلاح فقير عاصر النكبة والبداية المنظمة لضياع فلسطين، وعاش مذلة الخيام والهوان أمام موظفي الإغاثة، وكان يفضل لو كان استشهد خلال حرب 1948، على أن يعيش ويرى هذا الهوان الذي يعاني منه أهل فلسطين. 

اما «أسعد» فهو شاب استشهد والده وهو يحارب العصابات الصهيونية في الرملة، يمنحه عمه «خمسين دينارا» برغم ثقته في فشله في الكويت إذا تمكن من الوصول لها، حيث غادر الكثيرون وعادوا خاليي الوفاض، أما ثالث الشخصيات فكان «مروان» الصبي الصغير المراهق الذي يعيش مع أبيه وأمه وأخوته الستة بمنزل ريفي من الطين بلا سقف، يضطر الصبي لترك المدرسة بعد أن انقطع المال الذي كان يرسله أخوه الكبير الذي سبق وأن سافر إلى الكويت بسبب زواجه.

الشخصيات الثلاث – وقد ضاع الوطن – يواجهون خيارين كلاهما «موت» على حد وصف محسن ويفى، موت الحياة القاسية التي يعانون منها، وموت المحاولات الصعبة بحل فردي يتيح لكل منهم حياة إنسانية بسيطة، في غياب الحل الجماعي لإستعادة الوطن المسلوب.

يلعب الوصف في فيلم «المخدوعون» دورا هاما واستثنائيا دون أفلام توفيق صالح الأخرى، فهو يحدد «الواقع/البيئة» الذي تتحرك فيه كل شخصية، كما يساهم في إضفاء المعنى الخاص على دوافع السفر أو الهروب من ذلك الواقع ويشير أيضا إلى ذلك المصير التعيس الحتمي الذي يتعرض له كل من يمر بتلك التجربة.

يستعين توفيق صالح بآلية الفلاش باك فيروي «أبو قيس» عن حوار دار بين معلم المدرسة بالقرية التي كان يعيش فيها خلال حرب 1948، ومختار القرية: «المختار: سوف تؤم الناس يوم الجمعة.. مش كده؟.. يجيب الأستاذ: لأ.. أنا أستاذ ولست إمام.. المختار: وما الفرق.. الأستاذ السابق كان يؤمنا.. يجيب الأستاذ: كان معلم كتاب وأنا أستاذ مدرسة.. يلح المختار: وما الفرق.. يعود الأستاذ: ما أعرفش أصلي.. المختار: أيش تعرف.. الأستاذ: أشياء كثيرة لو بدك تعرف.. أعرف أطخ.. لو هجموا عليكم.. صحوني يمكن أعرف أفيدكم».

التزم توفيق صالح بما جاء بمضمون رواية غسان كنفاني إلا أنه غير من مشهد النهاية، ففي الرواية بعد أن يموت الثلاثة «خنقا» داخل «خزان» العربة على آخر البوابات الأمنية، يطلق سائق العربة «أبي خيزران» صرخة مدوية يقول فيها «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذ؟».

أما الفيلم فينتهي وعربة الخزان تسير وسط الصحراء، بعد إلقاء «أبي خيزران» للجثث الثلاث، بينما النار المتصاعدة من نفط الكويت، والسيارة تستعد لدخول الأرض الكويتية، ربما لتجيب على صرخة «أبي خيزران» في الرواية، «حتى لو كنا دققنا الخزان وقرعناه، فهل هناك من مجيب؟». 

تمر السنوات ويزداد المبدعون العرب تعلقا بطرح وتناول القضية الفلسطينية على أمل أن يأتي اليوم الذي يُنشد فيه كل المؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية على أبواب القدس، أنشودة الأخوين رحباني «يا زهرة المدائن» التي تغنت بها الفنانة اللبنانية فيروز، ورددتها شعوب العالم العربي أجمع من المحيط إلى الخليج.

.. في يوم «الأرض الفلسطيني».. تحية إجلال وتقدير لكل شهداء الأرض.. تحية للشعب الفلسطيني الذي يجسد كل يوم ملحمة عظيمة من النضال الإنساني الخالد المتجدد.  

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: