ثقافة

فتحي عفيفي.. فنان فطري عشًق التروس بالبشر

    تشير سيرته الذاتية إلى أنه من مواليد عام 1950، حاصل على دبلوم المدارس الصناعية عام 1968، فضلا عن حصوله على دراسات حرة بالفنون الجميلة، عمل كأخصائي فني بالمصانع الحربية، ومشرفا على قسم الفنون التشكيلية العام للعمال، وعلى الديكور المسرحي بالبيت المسرحي لشباب العمال. يعد فتحي عفيفي أحد أبرز الفنانين الفطريين الكبار في مصر وعالمنا العربي.

للآلات أرواح.. تماما كالبشر

 هذا ما يقدمه عفيفي طوال مشواره الفني، هو يرسم العمل كقيمة مشغولة بفرحة العمال، كأبطال حقيقيين للوحاته، يشغلون إطار اللوحة، وتقفز أسئلتهم وحيواتهم خارج إطارها، ثمة محاورة مقصودة عن قيمة العمل وأبطاله، تتبدى فيما يقدمه الفنان عن العمل والعمال، الإنسان والآلة، عبر لغة التشكيل، التي قد يمكن أن نقول إنه الأبرز في تقنيتها وصدقيتها.

الفنان فتحي عفيفي

 وقد يكون الوحيد في مصر، الذي سخَّرَ نفسه لرسم تروس وصواميل أوناش، خلق عفيفي للآلة روحا برصد تفاصيلها ومشاركتها للعامل، الذي يملك مفاتيحها، ثمة سرد لا يخلو من الشاعرية، يشغل لوحات هذا الفنان المغموس في تلك المنطقة الحافلة بتفاصيلها ويومياتها.

على غرار نجيب محفوظ، الذي جاءت أسئلته عبر الرواية، فلسفية ووجودية، جاءت أسئلة فتحي عفيفي، عبر لوحاته وما يشغلها من تفاصيل الشقاء والفرح والطمأنينة والأمل والصمود، وليس غريبا أن تكون الوجوه مطمورة، هناك عرق ما، مخبوء لصالح قيمة العمل والروح المشتعلة بالشقاء، والزحام.

الورشة.. الفوضى المنظمة

الزحام هو سمت رئيسي لأعمال عفيفي، ثمة تروس وصواميل، وماكينات عملاقة، مطارق وبشر، كل ذلك فيه زحام منظم، يأخذنا لعالم المصنع بكل تفاصيله، البشر بوجوه مطمورة لصالح الآلة، ويبدو هذا مقصودا تماما، لنقل حالة معايشة لماهية ومعنى وقيمة العمل، ويبدو السؤال الإشكالي، الذي يشغل مساحة كبيرة، ويبدو أنه السؤال الأساس، الذي اشتغل عفيفي على ترجمته عبر تصور اشتراكي، من يخدم من؟ هل يخدم الإنسان الآلة أم العكس الذي يحدث؟ ثمة إجابات مختلفة، مفادها أنه لا يمكن الاستغناء عن الإنسان في كل ما يجري. 

الرؤية.. البراءة والفطرة

يلفت الكاتب والناقد جمال الطيب، إلى ثمة جانب آخر لا يعرفه الكثيرون عن الفنان والإنسان فتحي عفيفي الصديق والإنسان، يقول الطيب عن عفيفي: حينما دعاني لزيارته في مرسمه بمنطقة «الناصرية» القريبة من ميدان «السيدة زينب»، ساعتها وجدته في انتظاري، أسفل العمارة التي يقع مرسمه في الدور الأخير منها، بعد صعودي لعدد من درجات السلم واجهني مصعد عتيق، سعة شخصين, شرط أن لا يزيد وزن الشخص الواحد منهما عن سبعين كيلو جرام! 

ويضيف «الطيب»: ما إن تلج إلى داخل المرسم، تجد نفسك تقف مدهوشاً مسحوراً أمام العالم المحيط بك، فلوحاته تُزيّن الحائط داخل إطاراتها، منها بالألوان، والبعض الآخر باللونين الأبيض والأسود، لوحات أخرى قابعة على الأرض، مستندة على الحائط.

يقابلك «بورتريه» للزعيم «عبد الناصر»، وآخر للشاعر «عفيفي مطر»، يأخذك «فتحي عفيفي» من تأملاتك ومشاهداتك، ليفاجئك سؤاله: تشرب إيه؟ فهو إنسان حاتمي الكرم، وابتسامته لا تفارق وجهه، بداخله طفل يبلغ من العمر سبعين عاماً، مازال يحتفظ ببراءته وفطرته والتي تنعكس على خطوط لوحاته.

يجد متعته وهو يحكي لك عن الطرائف والنوادر والمصاعب، التي واجهته في مسيرة حياته، يحكيها وضحكته تتخلل حديثه، بسخرية يحاول بها ألا يشعرك بمرارتها حينها، دون أن يحمل ضغينة لأحد، يحكيها وكأنها حدثت لشخص آخر هو يعرفه، ولكنه ليس الذي أمامك.

من اليمين: الكاتب خالد حماد، والفنان فتحي عفيفي، والناقد جمال الطيب

فن المصنع

  وعن فتحي عفيفي يقول الفنان إيهاب اللبان: «لأكثر من أربعين عاما يرسم فتحي عفيفي «المصنع»، بنفس الرؤية الفنية والجمالية التي اكتسبها منذ أن وطأت قدماه مصانع الإنتاج الحربي عام 1968، فمازال ينظر إلى المصنع على أنه ذلك المحراب، الذي تتوهج فيه قدراته، يعمل وينتج بكل طاقته، ويرى في هذا الإنتاج، خروجا لمجتمعه من بوتقة العوز والاحتياج».

إيهاب اللبان

منجز ما قدمه فتحي عفيفي، كان ومازال أغلبه في منطقة ما، يمكن أن نطلق عليها فن المصنع، ولكن إلى جواره كانت الحارة، تقف بكل ما تمتلكه من زخم وبهجة وتجليات الفرح، خصوصا إذا عرفنا أن المنطقة التي يقطنها  فتحي عفيفي هي «السيدة زينب»، التي تحمل تجليات الصوفيين وعبق التاريخ، الذي يسير بين الناس.

وهذا ما نجده في أعمال «عفيفي»، التي تشير إلى الحارة والمولد والبشر الهائمون، ويبدو في ذلك إنحيازه الكامل لتلك الطبقة المتوسطة والبسيطة، التي تحيلنا لمسحة إنسانية، يحرص على التعبير عنها، عبر منجزه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق