منوعات

كورونا: من العيش الشمسي إلى المش.. كيف واجه المصريون الأزمات؟

«لقمة هنية.. تكفي مية» هكذا كانت أمي رحمها الله تقدم لنا الطعام، أما أبي رحمه الله فكانت جملته الشهيرة في الترحَاب بالضيوف، عند دعوتهم لتناول الطعام: «يا مَرحَب بالضيف اللي يجيني، يوسع عليا وعلى عيالي».. ذلك أن أمي كانت إذا ما حضر ضيفا، تُسرع بذبح بعض الطيور التي كانت تربيها بالبيت.

طَرَحَ الإعلان عن ظهور فيروس كورونا والدعوة للبقاء بالبيت كإجراء وقائي للحد من إنتشار العدوى، العديد من المخاوف المتعلقة بمدى قدرة أصحاب المهن غير المنتظمة، من العاملين بالقطاع غير الرسمي على وجه الخصوص وما يطلق عليهم «عمال اليومية.. الأرزقية» على الإلتزام بهذا القرار، وفي حال إلتزامهم بالبقاء بالبيت دون عمل، طرح البعض العديد من التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة تلك الأسر الفقيرة على توفير إحتياجاتهم الأساسية خاصة ما يتعلق منها بالغذاء. تُرى كيف يمكن لتلك الأسر أن تجتاز تلك الأزمة؟.. هل من سبيل لمواجهة الأزمة؟.. وما هى طبيعة تلك السبل التي يلجاء إليها الفقراء لمواجهة تلك النوعية من الأزمات الطارئة والمفاجئة؟ 

طرق تعامل الفقراء مع أزمات الغذاء

بصعيد مصر ينتشر ما يعرف «بالعيش الشمسي» وهو نوع من الخبز يتم إعداده داخل البيت ويقال أنه متوارث منذ العصر الفرعوني القديم، كما لا يكاد يخلو بيت بالصعيد من «زلعة المش» التي تحوي الجبن الذي يتم تخزينة ربما لسنوات عدة، والملوخية «الناشفة» التي تخزن من العام للعام.. تُرى هل أكسب التاريخ فقراء مصر طريقة خاصة في التعامل مع أزمات الغذاء التي يتعرضون لها من حينا لآخر؟ 

الدكتورة ملك رشدي والدكتورة ريم سعد أستاذتا الأنثربولوجيا بالجامعة الامريكية، تناولتا «قضية الغذاء» بجلسة «دراسات الطعام» التي تم تنظيمها بإحدى جلسات سيمنار «سكة معارف» الذي يُعقد «بجزويت القاهرة» وينظمه مجموعة من الباحثين من تخصصات مختلفة.

تناولت الدكتورة ملك رشدي قضية «تاريخ الطعام»، مشيرة إلى أنه تاريخ معقد للغاية يرتبط بالتاريخ الإجتماعي للشعوب، وأن بعض الأطعمة السائدة ليس لها تاريخ محدد متعارف عليه، فعلى سبيل المثال لا يُعرَف على وجه التحديد لماذا أصبح «الفول» غذاء منتشر لدى المصريين، وتروي في هذا الإطار قصة إكتشاف «البطاطس» التي تعد من أشهر الأطعمة التي يعتمد عليها الفقراء في غذائهم فتشير إلى أنه تم إكتشاف البطاطس في القرن الثامن عشر في أوروبا، حين تعرضت أيرلندا لمجاعة شديدة، وبدأ الناس ينبشون الأرض بحثا عن أي شيىء يأكلونه فوجدوا البطاطس التي كان الأوروبين يكتفون بأكل أوراقها فقط، ونتيجة لتلك المجاعة تم إكتشاف البطاطس بالصدفة البحتة كطعام جديد لم يكن يستخدم من قبل.

في هذا السياق سيلاحظ المدقق في منظومة طعام الفقراء في مصر أنها تعتمد بشكل أساسي على البقوليات والنشويات، مثل «الكشري، الفول، الطعمية، العدس، البصارة، البطاطس» وربما أسهم العصر القبطي وصيام الأقباط بشكل عام، في تقبل فقراء مصر لفكرة الإعتماد على منظومة الطعام شبه الخالي من البروتين الحيواني.

في هذا السياق يمكن الإشارة إلى ما طرحته دكتور ملك حول أزمة سوء التغذية التي يعاني منها الفقراء في مصر، والتي لا تتعلق فقط بكون الشخص معرض للهزال والمرض الناجم عن الضعف، ولكن يضاف إلى ذلك التعرض لمرض السمنة الناجمة عن سوء التغذية، حيث وصلت السمنة لدى الأطفال نتيجة سوء التغذية نسبة 13%، ووصلت لدى البالغين 35% وفقا لإحصاءات اليونسيف.

يذكر أن حد الفقر الذي أعلن عنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من واقع بحث الدخل والإنفاق لعام «2017/2018» قد بلغ «735.5 جنيه شهريا» وعلى ذلك فإن أي فرد يعيش بأقل من هذا المبلغ شهريا يعد فقيرا، بمعنى أنه غير قادر على تلبية احتياجاته الأسياسية من «طعام، مسكن، ملابس، مواصلات، صحة وتعليم» ويقع في هذه الشريحة نحو «32.5 مليون» مصري، ويزداد الأمر سوءا إذا ما علمنا أن أرباب أسر تلك الفئة يعملون داخل مظومة القطاع غير الرسمي، ممن يطلق عليهم «عمال اليومية».  

أما عن سبل مواجهة الفقراء لأزمة الغذاء في ظل الوضع الراهن، وهل من سبيل لمواجهة الأزمة؟.. بالطبع هناك الحلول الفردية التي يلجاء لها الأفراد، من إقتراض وشراء بالأجل إضافة لذلك الدور الذي تلعبه العائلة الكبيرة في دعم أبنائها، إلى جانب علاقات الجيرة وما يسود بين الجيران من عادات إجتماعية تتعلق بتبادل الأطعمة، إلا أن تلك الحلول الفردية لا يمكنها الصمود مدة طويلة، لذا فإنه من المفيد تفعيل دور بنك الطعام، ودعوة وزارة التموين لتخصيص نسبة عالية من الحصص التموينية للعاملين بالقطاع غير الرسمي، ودعوة وزارة التضامن الإجتماعي لتقديم المزيد من الدعم النقدي والعيني لتلك الأسر إلى جانب دعوة القاطع الأهلي للمساهمة في دعم الأسر الفقيرة، حتى يمكنهم تجاوز الأزمة.

هل ستعاني مصر من أزمة غذاء؟

للطعام محددات عدة منها ما هو إجتماعي وثقافي، وما هو إقتصادي وسياسي، وقد تعددت المداخل التي تناول بها الباحثين موضوع الطعام، حتى بات هناك تخصص داخل علم «الأنثربولوجيا» يختص بدراسات الطعام يُطلق عليه «أنثربولوجيا الطعام»، يطرح الباحثين عبر ذلك التخصص العديد من الموضوعات المتعلقة بالعادات والتقاليد المرتبطة بالطعام، والأنماط المختلفة لإستهلاك الطعام، وطبيعة التمايزات الإجتماعية التي يمكن أن يعكسها السلوك الإستهلاكي الخاص بالطعام، إلى جانب قضية «الجوع» وأنماط إستهلاك الفقراء للطعام.

تلفت الدكتورة ملك رشدي النظر إلى أن القرن العشرين قد جاء مصحوبا بإنتاج البشر لكميات غير مسبوقة من الغذاء وبأسعار أقل عما كان سائدا من قبل، وفي مقابل تلك الوفرة في إنتاج الغذاء ببعض البلدان، شهدت البشرية كارثة تتعلق بإنتشار الجوع وأزمة سوء التغذية، فإحصاءات عام «2002» على سبيل المثال كانت تشير إلى أن نسبة سكان العالم الذين يعانون من الجوع يبلغون «15%».

تناولت دكتور ملك أزمة الغذاء في العالم مشيرة إلى أن تبادل المنتجات الزراعة يمثل 10% تقريبا من مجمل التجارة العالمية، وأن إندلاع الأزمات الخاصة بالغذاء، ترتبط بعلاقات القوة بين البلدان المختلفة، وأنها تاريخيا جاءت مقرونة بالأزمات العالمية، حيث تأتي أزمات الغذاء في العالم مقرونة بالمراحل الإنتقالية، مثل الحرب العالمية الثانية وأزمة الكساد التي شهدها العالم في عام «2008»، ومع إندلاع أزمة فيروس كورونا أصبح التساؤل الذي بات مطروحا الآن هل العالم على شفى أزمة غذاء؟

الدكتورة ريم سعد طرحت قضية السياسة الزراعية المتبعة وعلاقتها بقضية الفقر وسوء التغذية، مشيرة إلى أن السياسة الزراعية في مصر قد شهدت مرحلة مفصلية بدأت مع منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، في ظل سياسة التحرير الإقتصادي وتطبيق سياسات التكيف الهيكلي وسياسات النيوليبرالية، حيث ساد توجه يقوم على زراعة نوعية من المحاصيل الزراعية مثل «الفراولة والورد» بهدف التصدير، وبعائد تلك الصادرات يمكن شراء محاصيل غذائية أخرى، تستهدف تحقيق ما أطلق عليه «الأمن الغذائي».  

تتوقف ريم سعد لتفرق بين مصطلحي «الأمن الغذائي» و«السيادة الغذائية» فتشير إلى أن الأمن الغذائي يعني توفير كميات ونوعيات معينة من الغذاء، بالإعتماد على المنتج المحلي أو الإستيراد، أما مفهوم «السيادة الغذائية» فلا يكتفي بتوفير كميات الغذاء ونوعيته وإنما يهتم أيضا بمنتجي الغذاء، وتعتمد فكرة السيادة الغذائية على أن يكون نظام إنتاج الغذاء بيد المنتجين المباشرين وليس الشركات، وقد ظهرت تلك الفكرة من خلال منظمة «الفلاحة العالمية» التي ظهرت في أمريكا اللاتينية كرد فعل على احتكار الشركات لنظم إنتاج الغذاء، الذي أثر سلبا بدوره على المزارعين ونظم الزراعة السائدة، ففكرة السيادة الغذائية تقوم بالأساس على «تجسير الهوة بين المنتج والمستهلك». 

أثارت دكتور ريم قضية «البذور الزراعية» ودور الشركات العالمية في التحكم في الإنتاج الزراعي بالعالم، عبر الإعتماد على بذور ذات إنتاجية عالية، غير أنها تعد «بذور عقيمة» لا تصلح لإعادة زراعتها مرة أخرى، وبالتالي يظل الفلاح في حاجة دائمة إلى شرائها بشكل متكرر سنويا، على عكس ما كان متبعا من قبل مع البذور البلدي. 

التساؤل الذي بات مطروحا الآن مع تصاعد أزمة فيروس كورونا: هل مصر معرضة لأزمة غذاء نتيجة إعتمادها على إستيراد العديد من المواد الغذائية؟ إلى جانب تطبيق تلك السياسة الزراعية التي تقوم بشكل كلي على شراء البذور سنويا من شركات الإنتاج الزراعي العالمية؟ وهل العالم بشكل عام مع ما يشهده من أزمة راهنة بات معرض لأزمة غذاء عالمية؟.. تساؤلات عدة باتت مطروحة ولعل الأيام القادمة تأتي ومعها الإجابة عن كل تلك التساؤلات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق