منوعات

السخرية.. سلاح المصريين الإيجابي من أيام الهكسوس إلى كورونا

   يوصف المصريون عادة بأنهم شعب «ابن نكتة».. هكذا عرفنا أنفسنا وهكذا عرفنا الآخرون.. نضحك ونطلق النكات اللاذعة في الأزمات والمواجع قبل الأفراح وأوقات الرخاء. وما أصدق الساخر المصري الحزين «نجيب سرور» حين قال فى قصيدته «البحر بيضحك ليه»:

«مساكين بنضحك من البلوة

زي الديوك والروح حلوة

سرقاها م السكين حموة

ولسه جوة القلب أمل»

عطسة غريبة!!

ظلت السخرية – حتى من نفسه أحيانا – هى أحد وسائل المصرى فى المقاومة وفي أوقات الشدة، ولم يعرف عن شعب آخر تلك القدرة الاستثنائية على التنكيت والسخرية فى أحلك اللحظات بالقدر الذي يُعرف به المصريون. وهكذا لم تكن السخرية من انتشار فيروس «كورونا» بالأمر الجديد على المصريين، فعلى سبيل المثال حين تأخر إعلان وزارة الصحة عن ظهور أول حالة مصابة بالفيروس عما توقعه الكثيرون كتب البعض عبر وسائل التواصل الإجتماعي «إننا في مصر نحارب الفيوس بتجاهله.. فالحرب النفسية هي وسيلة علاج أيضا ضد الفيروس»، وحين خرجت مظاهرات الإسكندرية كتب أحدهم مخاطبا زوجته.. « بسرعة هاتِ لي هدوم العيد علشان ألحق التكبير»، فيما ألف بعضهم كلمات جديدة تناسب الحالة على بعض الأغاني القديمة، فكتب أحدهم أغنية «عطسة غريبة» علي غرار أغنية «حاجة غريبة» لعبد الحليم حافظ وشادية.

فئران الهكسوس

ويبدو أن تقاليد سخرية المصريين أوقات الأزمات تعود إلى وقت بعيد، حيث ترك المصريون القدماء برديات ونقوشا تسخر من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية، ففي مفارقة ساخرة صور المصرى القديم فئرانا تهاجم قاعة للقطط. تمتطى الفئران العجلات الحربية وتمسك الحراب والدروع وتحملا لسهام والأقواس، فى إشارة لتجرأ الفئران من الهكسوس على غزو القطط التي ترمز للمصريين في هذه الجدارية المبكرة.

 وفى جدارية اخرى يعود تاريخها للعام 1100 قبل الميلاد يصور المصري القديم قطاً سميناً يرعي مجموعة من الأوز، وكذلك ثعلباً يقوم برعي قطيع من الأوز وهو يعزف علي الناي، كما تسجل جدارية أخرى سخرية المصريين من أعضاء فرقة موسيقية من الحيوانات خلف مغنّي هو الحمار.

الباشا التركي.. عين «القملة»

سخر المصريون من حكامهم الطغاه ومن كل جيوش الإحتلال المتعاقبة، ويذكر «الجبرتى» فى كتابه «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» «لقد نكت المصريون على الباشا التركى وحولوه إلى أغنية لحنوها ورددوها «يا باشا.. يا عين القملة.. مين قال لك.. تعمل دى العملة.. يا باشا يا عين الصيرة.. مين قال لك.. تدبر دى التدبيرة». حدث الأمر نفسه مع جنود نابليون، مما أغضبا لقائد الفرنسى الذى أمر أتباعه بإلقاء القبض على كل من يطلق النكات على الفرنسيين.

  وأثناء الإحتلال الإنجليزى انتشرت بعض المقاهى التي أطلق عليها المصريون «المضحكانة الكبرى»، حيث كان المصريون يطلقون النكات التى تسخر من المحتل، مما دفع الإنجليز إلى إصدار قرار بإغلاق «المضحكانات» ومطاردة روادها.

صحافة ساخرة

وامتدادا لهذا النوع من التراث الشفاهي المصري، ظهرت الصحافة الساخرة في مصر في أواخر القرن التاسع عشر، وهى مجلات وصحف استعانت بالتهكم وسيلة للتعبير عن الضيق والغضب من الأوضاع السياسية والإقتصاديه المتردية، وكانت دائما إحدى سبل النضال والمقاومة ضد كل ما هو ظالم وردئ.

كانت البداية مع يعقوب صنوع الذي أصدر صحيفة «أبو نضارة» عام 1878.

يعقوب صنوع

وتلاه «عبد الله النديم» أحد الساخرين العظام حين أسس مجلة «التنكيت والتبكيت» عام 1881 ووجه من خلالها نقدا لاذعا للسلطة الحاكمة فى ذلك الحين، مما تسبب فى نفيه خارج البلاد.

عبد الله النديم

كما أسس «بديع خيرى» مجلة «1000 صنف»

بديع خيرى

كما كانت مجلة «البعكوكة» أحد أشهر الصحف الساخرة التى عرفتها مصر وكان قد أسسها «محمد عزت المفتى» وضمت عددا من أشهر الكتاب الساخرين حينذاك. 

   في كل مراحل التاريخ كانت السخرية أحد أسلحة المقاومة ورفع الروح المعنوية للمصريين لدرجة انها تحولت لأسلوب حياة وملمح اساسي من ملامح الشخصية المصرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: