منوعات

ما بعد كورونا.. عالم جديد

   في أغلب الثورات ذات الطابع الايديولوجي التي شهدها العالم، كالفرنسية والروسية والإيرانية، كان شعار الثوار يكاد يكون واحدا متطابقا في كافة هذه التجارب، رغم تباعدها الزمني والمكاني عن بعضها البعض. كان الشعار ببساطة يعكس فكرة مفادها أننا معشر الثوار سنهدم هذا العالم القديم وسنقيم علي أنقاضه عالماً جديداً أجمل وأفضل.

   الجديد في الألفية الثالثة للميلاد وتحديدا في العقد الثاني منها، أن التغيير القادم لم يعد ثوريا ولا نتيجة وعد أو أيديولوجية وإنما – ببساطة- نتاج فيروس اجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه.

أوهام النيوليبرالية

   بدأت أزمة فيروس كورونا في عالم سيطرت عليه منذ الثمانينات من القرن العشرين سياسات نيوليبرالية تعززت مع صعود كل من رونالد ريغان في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في المملكة المتحدة، وهي السياسات التي تؤمن بتقليص دور الدولة إلى أقصى درجة ممكنة وإخضاع قطاعات بأكملها – بما فيها قطاع الرعاية الصحية – لقوانين السوق ومنطق العرض والطلب.

رونالد ريغان ومارغريت تاتشر

ومع سقوط وتفكك الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات، احتفل صناع هذه السياسات بما اعتبروه انتصارا لفلسفتهم السياسية والاقتصادية، واعتبروا أن هذا الانتصار هو «نهاية التاريخ» على حد تعبير فيلسوفهم الأبرز فوكوياما.

    وبعد سنوات من أوهام صناع النيوليبرالية والمؤمنين بها يجىء كورونا ليغزو هؤلاء المنتصرين في عقر دارهم ويكشف مدى هشاشة المنظومة برمتها في أغلب البلدان التي انتهجت هذا النهج النيوليبرالي، فإيطاليا التي اتبعت نهج السوق الحرة بقوة واندفاع منذ التسعينات وصاحبة ثالث أكبر اقتصاد في القارة الأوروبية وثامن اقتصاد على مستوى العالم هي الأكثر تضررا بامتياز، وعانت مشافيها عجزا واضحا في استقبال الحالات المصابة فضلا عن القصور الحاد في العناية بكبار السن الذين يشكلون – حتي الآن علي الأقل – غالبية المصابين بالفيروس والمتوفين بسببه.

   الأمر ذاته ينطبق على أسبانيا التي أُضيرت أيما ضرر من كورونا، وكذلك فرنسا التي دخلت دائرة الدول الأكثر تضررا بالفيروس، أما أمريكا فقد احتلت المركز الأول في عدد المصابين بالفيروس على مستوى العالم، وتعاني أزمة حقيقية في توفير مستلزمات الوقاية والعلاج من هذا الفيروس القاتل، ومن اللافت للنظر أن هذه الدول – ولكي تواجه الخطر المحدق بها – لم تجد أمامها سوى اللجوء إلى أسلوب طالما انتقدته واعتبرته نقيصة ونهجاً اقتصاديا خاطئا ومعيبا، وهو سيطرة الدولة على الاقتصاد، إذ لم تجد الحكومة الإيطالية أمامها سوى تأميم شركة الطيران الوطنية «اليطاليا» كما قامت اسبانيا بتأميم المستشفيات الخاصة لمواجهة كورونا، وأوضحت الحكومة الفرنسية أنها قد تلجأ لتأميم بعض الشركات لإنقاذ الاقتصاد الوطني.

هشاشة القارة العجوز

    أمر آخر كشف الفيروس مدى هشاشته وهو التضامن الأوروبي، فالاتحاد الأوروبي الذي ظل حتى وقت قريب يمثل نموذج الوحدة والتكامل الذي يتطلع إليه بعض العرب، يبدو اليوم أكثر تفرقا من أي وقت مضى، إذ تجاهلت الدول المؤسسة للإتحاد مثل فرنسا وألمانيا كافة طلبات المساعدة والاستغاثة القادمة من صربيا وإيطاليا بل بادرت إلى إغلاق حدودها مع هذين البلدين المتضررين.

   في المقابل جاءت النجدة التي طلبها الإيطاليون من مكان آخر تماما بعيد عن القارة العجوز، من كوبا تلك الجزيرة الصغيرة ذات النظام الاشتراكي التي تحظى بواحد من أفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم، حيث أرسلت أطباءها لإغاثة المناطق المنكوبة في بلاد الرومان.

كما أتت المساعدات أيضا – وياللمفارقة – من الصين التي شهدت بداية ظهور لفيروس الخطير، حيث أرسلت هذه الأخيرة مساعدات عن طريق البحر إلى إيطاليا في سلوك مدهش للتضامن الانساني.

   كان من الطبيعي أن يطرح كل ما جرى أسئلة أفاضت في تناولها ومناقشتها ببراعة الإعلامية الأمريكية المخضرمة آمي غودمان حين تساءلت عن ضرورة استبدال النظام الحالي بآخر يوفر رعاية صحية للجميع في مواجهة فيروس لا يفرِّق علي أساس العرق ولا اللون ولا الديانة ولا مستوي الدخل والوضع الإقتصادي ويبقى السؤال الأبرز: هل يمكن لفيروس مثل كورونا أن يفعل فعل الثورات البشرية فيغير أنظمة ويقيم أخرى محلها؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق