منوعات

إيطاليا المبدعة وبروتس الأوروبي

 

علي مواقع التواصل الاجتماعي تبادل عدد من المستخدمين العرب مقطع فيديو يصور سيدة إيطالية تلوم قيادات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتجاهلهم الوضع الذي وصلت إليه بلادها بسبب فيروس كورونا.

تُذِّكر السيدة التي لم تَذكر اسمها ولم تُظهر وجهها هؤلاء السياسيين بتاريخ إيطاليا الذي اختاروا تجاهله علي حد تعبيرها، واصفة موقفهم بأنه نوع من الجحود وإنكار الفضل.

الإمبراطورية العريقة

ورغم النبرة الشوفينية التي شابت الفيديو إلا أن بعض ما ذكرته السيدة لا يخلو من الصحة، فإيطاليا التي اختار جيرانها الأوروبيون أن يتجاهلوا معاناتها هي التي منحت العالم أجمع من خلال امبراطوريتها الرومانية فكرة الجمهورية، وحوَّل ساستها ونبلاؤها أفكار الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى واقع معاش من خلال نظام برلماني يحد من سلطة الحاكم ويمنع تحول الإمبراطورية إلى ديكتاتورية مطلقة،

بل ذهب النبلاء إلى ما هو أبعد من ذلك للحفاظ على جمهوريتهم، حيث أجمعوا علي اغتيال بطل روما العسكري يوليوس قيصر عندما سعى لأن يكون امبراطوراً طاغية، ذلك الاغتيال الذي خلده الشاعر الإنجليزي ويليام شكسبير في مسرحية حملت اسم قيصر مضيفاً على لسان هذا الأخير جملة صارت مثلا عالميا شهيرا وهي «حتى أنت يا بروتس».

ورغم كثرة سلبيات الإمبراطورية الرومانية، إلا أنها تميزت عن غيرها من الإمبراطوريات بميزة أساسية وهي أنها جعلت من سكان المناطق التي ضمتها بقوة السلاح مواطنين رومانيين يتمتعون بنفس بما يتمتع به سكان روما من حقوق.

الإمبراطورية الرومانية

وعن طريق الإمبراطورية الرومانية أيضا وتحديدا الإمبراطور قسطنطين شقت المسيحية طريقها من الشرق – وتحديداً من فلسطين حيث ولد السيد المسيح – إلى أوروبا بدءاً بروما حيث تأسست الكنيسة الكاثوليكية.

وحين انهارت الإمبراطورية الرومانية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، دخلت أوروبا برمتها فيما عرف بعصور الظلام وهو الإسم الذي أطلقه المؤرخون الأوروبيون على قارتهم إبان العصور الوسطى لما شاب تلك الفترة من جمود فكري،

إلا أن إيطاليا مرة أخرى نقلت القارة الأوروبية الي عصر جديد عرف باسم عصر النهضة، أفاد الايطاليون من علاقاتهم التي صاغوها عن طريق التجارة مع الشرق الإسلامي وخاصة سلطنة المماليك في مصر والشام٫ حيث كان التبادل التجاري أمرا رائجاً بين تلك السلطنة والدوقيات الإيطالية المختلفة لا سيما في الجنوب.

وفي وقت انشغلت فيه أغلب الممالك الأوروبية بالصراع مع العالم الاسلامي من خلال الحروب الصليبية كانت البندقية تعقد الاتفاقات والمعاهدات التجارية مع الدولة المملوكية، مضحية بتحالفها السابق مع البابوية، فنالت بذلك امتيازات تجارية في كل موانئ مصر والشام وأصبحت الوسيط الرئيسي في تجارة التوابل بين الشرق الآسيوي والغرب الأوروبي.

أتاح هذا التبادل للايطاليين نقل معارف وخبرات لم تكن معروفة لديهم الى كافة انحاء القارة العجوز، ومع سقوط القسطنطينية في يد بني عثمان عام ١٤٥٣م نزح العلماء إلى إيطاليا حاملين معهم تراث اليونان والرومان.

عصر النهضة الأوروبية

نهضة فنية

انتشر عصر النهضة في القرن الخامس عشر انتشارا سريعا من منشئه في فلورنسا, أولا إلى باقي إيطاليا, وبعدها بقليل امتد إلى أنحاء أوروبا. وفي فلورنسا تحت حكم آل ميديتشي أصحاب أكبر بنك اوروبي في ذلك الوقت، كرست تلك الأسرة نفسها كراعية للفنون والآداب، فأبدع ليوناردو دافنشي أبرز أعماله الفنية إضافة الى عشرات الاختراعات السابقة لعصرها ووضع نيقولا ميكافيلي كتابه الشهير «الأمير» الذي أضحى فيما بعد مرجعاً لكافة الساسة.

بل إن المطبخ نفسه صار مسرحاً للإبداع بالنسبة للإيطاليين، حيث تفننوا في ابتكار أطباق جديدة كالبيتزا والاسباجيتي والجيلاتو وغيرها، وحملوها معهم إلى العالم الجديد أو الأمريكتين بعد اكتشاف إيطالي يدعى كريستوفر كولومبوس لهذا الجزء من العالم.

  ورغم أن السينما بدأت اختراعا فرنسياً خالصاً على يد الأخوين لوميير، إلا ان المبدعين الايطاليين استطاعوا أن يحملوا هذا الفن إلى آفاق أبعد، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط نظام موسوليني الفاشي الذي عاني منه الإيطاليون كما عاني غيرهم. أسس السينمائيون الإيطاليون مدرسة عرفت باسم الواقعية الجديدة وعنيت بشكل اساسي- على عكس أفلام هوليوود في تلك الفترة – بالبسطاء والمهمشين وإبراز نضالاتهم اليومية٫ مثل فيلم «لاستردا» لفيليني و«سارقو الدراجات البخارية» لفيتوريو دي سيكا و«أمبيرتو ديو» لنفس المخرج.

من فيلم «سارقو الدراجات» اخراج فيتوريو دي سيكا أحد رواد الواقعية الإيطالية
ومع نهاية الستينات٫ استطاع مخرجو ايطاليا إعادة صياغة نوعية من الأفلام طالما كانت حكراً على هوليوود وهي أفلام الغرب الامريكي أو «”رعاة البقر»، حيث انطلقت موجة من أفلام الغرب الأمريكي المنتجة في إيطاليا والمصورة في اسبانيا والتي سماها الأمريكيون بشكل لا يخلو من السخرية «سباغيتي ويسترن».
تمكن المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني من تقديم هذا اللون السينمائي بشكل مغاير وجديد تماماً من خلال ثلاثيته «من أجل حفنة دولارات» ثم «من أجل بضع دولارات أكثر» ثم «الطيب والشرير والقبيح» وهي الأفلام التي صنعت نجومية ممثلين أمريكيين مثل كلينت ايستوود وآخرين.
ثم واصل المسيرة سميه ومواطنه سيرجيو كاربوتشي الذي قدم نفس النوعية في أفلام مثل «غانجو» و«الصمت الكبير» والتي بدت أكثر قتامة وسوداوية من أفلام ليوني.

ومن الطريف حقاً أنه ورغم كون أفلام الغرب أفلاماً أمريكيه المنبع إلا أن مبدعي إيطاليا استخدموا أفلام «الغرب» خاصتهم كما في فيلم «رصاصة من أجل الجنرال» للمخرج داميانو دامياني لانتقاد سياسات الولايات المتحدة تجاه الشعوب الأخرى وخاصه تجاه الثوره المكسيكية التي يتناولها الفيلم.

ولم تكتف ايطاليا بذلك بل اعارت هوليوود أحد أبرز مخرجيها وهو سيرجيو ليوني الذي قدم للسينما الامريكية ملحمة سينمائية بلغت مدتها أربع ساعات كامله بعنوان «حدث ذات مره في أمريكا» وتناولت تطور المجتمع في مدينة نيويورك علي مدار ثلاثين عاماً كاملة.

وبعيداً عن السينما، ظل فن الأوبرا فناً ايطالياً بفضل كبار مطربيها مثل بافاروتي والحقيقة أن أغلب وأشهر مسرحياتها مثل أوبرا عايدة وغيرها كتبت باللغة الايطالية.

كل هذا العطاء الحضاري والإبداعي لم يشفع لإيطاليا عند جيرانها الأوروبيين أو حلفائها الأمريكيين يوم احتاجت مساعدتهم٫ بل أداروا ظهورهم لها متجاهلين قروناً من التراث المشترك.. إنها سياسة المصالح التي تحكم وتتحكم في ذلك العالم بعيداً عن أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق