ثقافة

سليمان العطار قبل رحيله: العرب يتذكرون الموت أكثر مما يتذكرون الحياة

أول من تنبه لعالمية ماركيز

الإسبان يعانون من مرض القوميات بشكل خطير

كيف وصلت اللهجة الأندلسية إلى الإسكندرانية

في 12 مارس الماضي، وعن عمر ناهز الخامسة والسبعين عامًا رحل العالم والمفكر والمترجم الموسوعي الدكتور «سليمان العطار» أحد أهم أعمدة الثقافة المصرية والعربية، الأستاذ بآداب القاهرة والمستشار الثقافي المصري السابق بأسبانيا وببعض دول امريكا الجنوبية، وقد كان للراحل الكبير دور بارز في تعريف العرب بالمنجز الإبداعي لدى الشعوب الناطقة بالإسبانية، لذا منحه ملك إسبانيا «وسام الاستحقاق المدني»، عرفانًا بجهوده في نشر الثقافة الإسبانية، التي ترجم الكثير من أعمال مبدعيها، منها «مائة عام من العزلة» لماركيز التي ترجمها في وقت مبكر جدا عام 1982 وكان له سبق وفضل المعرفة الحقة بإبداع ماركيز، ومن عجب أن ترجمة الرواية الأشهر لماركيز وإحدى أهم الروايات العالمية والتي تعد  ترجمته لها الأفضل عربيًا ظلت رهن مطابع هيئة الكتاب حتى فاز ماركيز بجائزة نوبل، فتنبه الغافلون إلى أهمية الرواية المترجمة فصدرت بعد تجاهلها عامين كاملين، وكذلك ترجم سليمان العطار «دون كيشوت» لثربانتس، و«مدينة القياصرة» لمانويل روخاس، و«خلية النحل» لسيلا، كما كانت له العديد من الأعمال النقدية والإبداعية بخلاف ترجماته الخالدة، منها كتابه المميز «الخيال عند بن عربي» وكتاب «الموتيف في الأدب الشعبي» و«مذاهب النقد الأدبي وعلم الأسلوب»،  و«مقدمة في تاريخ الأدب العربي.. دراسة في بنية العقل العربي» و «مقدمة منهجية لدراسة الأدب العربي» ورواية بعنوان «أيام النوم السبعة». 

الدكتور «سليمان العطار»

حاورناه قبل وفاته، وحاولنا أن نرسو على شاطىء مفكر ومثقف كبير  لم يأخذ حقه الأدبي والنقدي بعد.  

من الأكثر تأثيرا في حياة الدكتور سليمان العطار ؟

عبدالعزيز الأهواني رحمه الله، لأنه كان مبدعًا، فهو من أدخل الدراسات الأندلسية في مصر والعالم العربي، وإن كانت قد بدأت منذ القرن التاسع عشر لكن هو من طورها وأعطاها دفعة، وهو السبب في دراسة الأدب الشعبي مع الدكتور عبدالحميد يونس، فهو مثل أرسطو لم يؤلف كتبًا كثيرة وكان يقول تلاميذي هم كتبي، وله تلامذة في جميع أنحاء العالم وهو باق فيهم، وله مقالات بديعة عن الأنثروبولوجيا والعادات والتقاليد خلال رحلاته في آسيا وأوروبا، كان مثابرا ودقيقا جدًا يغوص في التفاصيل ويخرج بالمكنونات.

الدكتور عبدالحميد يونس

وكذلك محي الدين بن عربي، هو الأكثر تأثيرًا فيّ من القدامى، فهو شخصية استثنائية على كل المستويات، كتب 998 كتابا ورسالة، في الفلك والفقه والنحو والأدب والنقد… إلخ، فهو موسوعي لم يترك مجالا لعلم لم يكتب فيه، وله كتاب خطير جدا في الفقه لم يأبه له أحد يستطيع حل الكثير من المشاكل الفقهية المثارة حتى يومنا.

 

بين إسبانيا والإسكندرية

في العهد العربي لحكم  الأندلس «إسبانيا» انقسمت إلى طوائف وها هو الأمر يعود في الأفق مرة أخرى بطلب إقليم كتالونيا وغيره من الأقاليم الانفصال فما سبب ذلك برأيك؟

إسبانيا دولة اتحاد من عدد من القوميات، فبعض هذه القوميات أحيانا يشعر بالظلم فكتالونيا على سبيل المثال اقتصادها يكاد يتجاوز 50% من إنتاج إسبانيا ويرغبون في أن يكون العائد المادي مقتصرا عليهم وحدهم دون بقية إسبانيا، الضرائب التي تأخذها الحكومة الفيدرالية وتمثل الدخل الأعظم لإسبانيا هي سبب آخر، وليس المسألة كتالونيا وحدها فهناك «الباسك» ويريدون الاستقلال وكانت لديهم مؤسسة إرهابية هناك تدعم ذلك، و«الجلقيين» كذلك لهم قومية وسلالة وهي قومية عنصرية إلى حد ما، فالباسك يعتقدون أنهم نزلوا من السماء، كأنهم أبناء الله. الكتالونيون يرون أن أكثر البلدان تنويرا فرنسا، وإن كانت كتالونيا من وجهة نظرهم الأكثر تفوقا، وفي نظرهم أن بقية الإسبان جهلة، ويقولون على أنفسهم أنهم فرنسيو أسبانيا، وهناك أقاليم أخرى يقولون «نحن عرب ولسنا إسبان» ويريدون الاستقلال أيضا، فأسبانيا عبارة عن أقاليم وتسمى المحافظة باسم المستقلة، والكثيرمن السلطات منقولة للأقاليم لأن كل إقليم يضم شعبا، ويدعم ذلك ويعمقه أن لكل شعب منهم لغته وثقافته، فما كتب بالكتالونية من أدب يسبق الأدب الإسباني، الباسك لهم لغة لا علاقة لها باللغة الإسبانية، عندما كنت في مدريد دعيت إلى مؤتمر في كتالونيا، فذهبت وكانت على الباب سيدة توزع مطبوعات المؤتمر من مدخلات وغيرها، فسألتني تريد المطبوعات بأي لغة، فقلت لها بالإسبانية، فأخبرتني أنها غير موجودة فالموجود بالفرنسية الكتالونية، والإنجليزية ولا توجد إسبانية وذلك منذ نحو 17 سنة، فطلب استقلال المدن الأسبانية قديم قدم إسبانيا نفسها فكل إقليم يملك من المقومات التي تتيح له الانفصال. فهناك مدينة وحولها بعض القرى تسمى «فالنسيا» صنعت لنفسها لغة مستقلة وكانت تابعة في البدء لكتالونيا فقالوا نحن فالنسيون. واستقلوا بالفعل عن كتالونيا ويرغبون الآن الانفصال عن إسبانيا.

*هل يعاني الإسبان مرض القوميات؟

 الإسبان لديهم مرض القوميات منذ القدم ولكن هذا الأمر مختلف مثلا عما يحدث في بعض الدول العربية. مثلا العراق مشكلته أن الأكراد حتى بداية القرن العشرين كانوا دولة كبرى مستقلة تحتلها بريطانيا فوزعتها على دول المنطقة تركيا وإيران وسوريا والعراق.

* في رأيك ما الفارق بين الشعوب المتحدثة بالإسبانية والشعوب العربية؟

هناك تشعر أنك أمام مجتمعات تفوقت فيما يمكن أن يسمى فن الحياة، فهم يحبون الحياة ويعيشونها بطريقة ممتعة غير عادية، بينما نحن نتذكر الموت أكثر مما نتذكر الحياة، وفي سن معينة نردد «يلا حسن الختام»، بينما هناك «يلا حسن البداية» بصرف النظر عن السن، فتجد الشيوخ يعيشون حياتهم طولا وعرضا في المجتمع «الهسباني» إسبانيا وأولادها في أمريكا الجنوبية والشمالية مثل المكسيك.

* بالمناسبة.. هل نوع اللغة التي يُكتب بها الأدب تؤثر في قوته أو ضعفه؟

اللغة لا قيمة لها في الكتابة الأدبية، فالضمير روحا أو عقلا أو قلبا هو ما يكتب شيئا داخلي، فجبران كتب بالإنجليزية والعربية، وأحب مي زيادة دون أن يراها وهي أحبته حبا أسطوريًا وحين ماتت بعده بعشرة سنوات وجدوا تحت وسادتها صورة له مكتوبا عليها «هذا الذي سبب لي عذابا لا يطاق». قصة حب بين رجل ومرأة لم ير أحدهما الآخر. ويحكي جبران أنه كان ذات مرة  جالسا في حديقة منزله فوجد شبح إنسان من الضباب يقترب منه فتخيله «مي»، فإذا في هذه اللحظة يدق الباب ورجل البريد يحمل له خطابا من «مي»، الخطابات المتبادلة بين «مي» و«جبران» تُرجمت إلى كل اللغات وحملت اسم «الشعلة الزرقاء» هو اسم شاعري لكن أين هذه الخطابات من العربية؟! مثل هذا العمل بين عاشقيْن لم يلتقيا قط أُعتبر معجزة في الغرب.

مي زيادة وجبران خليل جبران

ولك أن تعلم أن كثيرين أحبوا مي لكن هي لم تحبهم، والسر أن «مي» فتاة جميلة وشعلة من الذكاء الأدبي وأحيت فكرة الصالون الأدبي وحيث التقى  كبار الأدباء حول هذه الشمعة المضيئة «مي زيادة» وتقرب إليها الجميع؛ لكنها لم تحب سوى البعيد الذي عانت أشواقا إليه ورغبات لم تتحقق أبدًا..  وكل ما أريد قوله لك هنا أن كل روائع الأدب العربي عرفها العالم بالصدفة.

كيف وصلت لهجة الأندلسيين إلى اللهجة السكندرية؟

حين قامت ثورة ضد حكم الرمدي حفيد عبدالرحمن الداخل – والرمد هي الأحياء العشوائية حول قرطبة التي قامت بثورة ضده – استطاع أن ينتصر عليهم وقرر إعدام نحو 80 ألفا، فمنعه الفقهاء فطلب حلا للمشكلة فطالما هم موجودون سيسببون الشغب، فقالوا له ضعهم في مراكب وارمهم في البحر، فنزلوا الإسكندرية واحتلوها في العهد الفاطمي، فقامت الحكومة الفاطمية التي كانت تملك مالطة بإعطائها إياهم على أن يتركوا الإسكندرية، ومن أراد أن يبقى فيها يبقى مواطنا عاديا وليس حاكما، فبعضهم ذهب وبعضهم بقى معطيا الإسكندرية لهجتهم الأندلسية، فالأندلسيون يستخدمون دائما ضمير نحن، وهو الموجود في بورسعيد أيضا لأن بعضهم استقر في قرية سميت فيما بعد بورسعيد، وكذا في مرسى مطروح على ساحلنا على البحر الأبيض.

عبدالرحمن الداخل

عالم نجيب محفوظ

* أود أن أنقل الحوار إلى عالم أديب نوبل.. كيف يرى سليمان العطار نجيب محفوظ؟

التقيت «نجيب محفوظ» مرات كثيرة على كوبري قصر النيل، وكان يمشي من بيته في العجوزة حتى قهوة «علي بابا» يوميًا، واندهشت «لطولة باله»  وصبره حتى لو طالب مدرسة، سأله هو حضرتك عمو «نجيب محفوظ»، فيقول له نعم ويقف معه لأكثر من ساعة فهو يلتقط الواقع ببراعة شديدة، فحتى جلوسه على المقهى ليس حبًا فيها وإنما كي يرى المجتمع الذي يمر نصفه بميدان التحرير بشكل أو بآخر، كما أن لديه مثابرة النملة في عدد ساعات نومه وقراءته وكتابته فهو محدد ودقيق ويومي «فنجيب» نموذج الوعي الذي يعرف أن الروائي الذي لا يمتلك وقته لا يستطيع أن يكون روائيا عظيمًا، نحن الآن نكتب رواية بفضل نجيب محفوظ، فهو مدرسة أكثر منه روائيا عظيما.

كان رقيقا جدا، يُحسد على هدوء أعصابه، وحين يحدثك تشعر أن قد جهز الحديث الذي يود أن يقوله، وكان سريع البديهة، ويرد عليك كأنه يقرأ من كتاب، فنجيب محفوظ صنع عقلا مبدعا بنفسه لنفسه.

نجيب محفوظ

وماذا عن إبداعه؟

أعمال نجيب محفوظ لا تقل قيمة جماليا وفنيا عن أعظم الأعمال الروائية في العالم وليس ماركيز فقط، وإن حاول البعض التقليل من قيمتها فبسبب واحد هي أن المصريين والعرب يكبر عليهم أن ينالوا كاتبا بعظمة نجيب محفوظ، «مأساة جلد الذات» وغير صحيح أن روايات أمريكا الجنوبية كلها تعبر عن الواقع الأمريكي، وهو واقع مختلف عن واقعنا، فالأمريكيون الجنوبيون يعيشون في واقع سحري طوال الوقت لذا انتعشت الواقعية السحرية لديهم، كنت أسير مع صديقي في «سنتياجو عاصمة شيلي»، فطلب مني ألا أسير في أحد الشوارع وأخبرني لأن على ناصيته بيت مسكون به جن مؤذ، فأخبرته أني مشيت فيه كثيرا ولم يحدث لي شيء، قال ربما أنك أجنبي لم يؤذك، وفي «مارس» من كل عام يخرج عدد كبير إلى جنوب «تشيلي» حيث تنبثق من الأرض مدينة كاملة تطير في الهواء، والعلماء احتاروا فيها وقالوا أنها ظاهرة مناخية، لكن في النهاية أنا شاهدت هذه المدينة المعلقة في الفضاء، مدينة كاملة البنيان، ثم تختفي وتتحول إلى دخان.

* ما أكثر موقف علق في ذهنك مع نجيب محفوظ؟

في كازينو «الزهراء» وجدت «نجيب» جالسا بالقرب مني، فسلمت عليه، فالشخص الذي كان بجواره نهرني، فرد عليه نجيب محفوظ قائلا له «اخرس، اتركه يتكلم»، وطلب مني الجلوس تحدثنا حديثا طويلا، لأني قبل «نوبل» كتبت عنه في جريدة بحرينية بعنوان نجيب محفوظ في الرواية لماذا؟ وانتقدت جائزة نوبل على بسبب أنهم لم يكونوا قد منحوه نوبل حتى وقت كتابة المقال، وهو أفضل من كثيرين حصلوا عليها.

جائزة نوبل

فلسفة

حول الجانب الإنساني والشخصى سألت: كل من يعرف الدكتور سليمان يأسره الجانب الإنساني في حياته فما فلسفتك في الحياة؟

تمثل فلسفتي أن الآخر جزء مني، فأنا متعاطف دائما مع الآخر وخاصة المواطن المصري الذي أعرفه، فليس من المعقول أن يكون لي دخل كبير وأسكن في عمارة، -ودائما ما أسكن في دور أرضي- وبجواري البواب الذي لديه 8 أولاد فكيف يصرف عليهم وهو يأخذ من كل شقة شهريا 10 جنيهات، بمعدل 200 جنيه من كل الشقق، لذا أشعر بمسئولية تجاه أبنائه، فالجانب الإنساني طبيعي وأعتقد أنه موجود عند الكثيرين، وعندما أركب التاكسي وأعطيه مثلا ثلاثة أضعاف أجرته، فكمية السعادة التي ترتسم على سائق التاكسي، تساوي عندي مليون جنيه، ساعد في هذا أني أعزب ولم أتزوج فالمتزوج مشغول بأولاده مشاكلهم وزوجته ونكدها فلا يتاح لإنسانيته أن تتنفس.

كلمة أخيرة تود أن تقولها؟

على كل المثقفين وعلماء الاجتماع وعلماء التاريخ والسياسيين، أن يعوا أن المجتمعات العربية تتعرض الآن للانقراض بسبب أنها مجتمعات أبوية، والعرب لا يعرفون أنهم مجتمع أبوي ولا يفهمون معنى مجتمع أبوي وأنه مجتمع كارثة، فالتركيب الأبوي حتى في الثقافة وفي كل شيء، هو السبب فيما هم فيه الآن، وعلى الجميع أن ينتبه لهذه النقطة ويجعلها الأولوية في الدراسة وهي كيف نتعامل مع هذا المجتمع الأبوي، والمؤسسات لا تستطيع الإجابة على هذا السؤال لأنها محكومة بالبيروقراطية، ومن يقوم بذلك المثقفون، وللأسف الأبوية تمنع المثقفين من الاجتماع، لأن كل واحد منهم يود أن تكون له الزعامة على البقية، وسيد الآخرين، فهم غير قادرين على أن يقوموا بدورهم،  فالثقافة المصرية والعربية أبوية وهذه الثقافة لن توصلنا لشىء، نحن مجتمعات أبوية بطريركية لا تريد رئيسًا ولا حكاما وإنما تريد أبا، ويطلبون من الرئيس أو الحكومة ما يطلبه الإبن من أبيه وهذه وضع مجتمعنا الذي نعيش فيه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق