رؤى

أمة في خطر.. لماذا فشلت أمريكا ترامب في مواجهة كورونا؟(١-٢)

إد يونغ – كاتب علمي في مجلة The Atlantic الأمريكية

عرض وترجمة: أحمد بركات

منذ ثلاثة أشهر لم يكن أحد يعلم بوجود فيروس كورونا المستجد «SARS-CoV-2». واليوم ينتشر الفيروس في جميع أنحاء العالم، حتى صارت أخباره ملء السمع والبصر. لقد خلف هذا الفيروس مئات الآلاف من حالات الإصابة المعروفة، فضلا عن حالات أخرى غير معروفة. ودمر العديد من الاقتصادات وأوقع بالكثير من الأنظمة الصحية، وملأ المستشفيات بالمرضى، وترك الأماكن العامة خاوية على عروشها، كما فرَّق بين العمال وأماكن عملهم، وبين المرء وصديقه، وأحدث في المجتمع الحديث ما لم يحدثه شيء غيره من قبل. وعاجلا لن يكون هناك أمريكي واحد على الأغلب لا يعرف شخصا مصابا. وعلى غرار الحرب العالمية الثانية، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، سيترك هذا الفيروس بصمة غائرة في الحياة  الإجتماعية والنفسية الأمريكية.

جيل كوفيد

لم يكن بالإمكان تجنب تفشي وباء عالمي على هذا النطاق، ففي السنوات الأخيرة انبرى مئات الخبراء في مجال الصحة في تأليف الكتب والبحوث والمقالات التحذيرية من إمكانية حدوث فاجعة. كما أسهب بيل جيتس في الحديث عن أزمة كهذه مع جميع من يستمعون إليه، بمن فيهم متابعو محاضرات TED Talks، البالغ عددهم 18 مليون مشاهد. وفي عام 2018، كتبت مقالا لمجلة The Atlantic شدَّدتُ فيها على أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لتفشي أوبئة ستتفشى لاحقا. وفي أكتوبر الماضي، قام «مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي» بتقديم تصور عما يمكن أن يحدث إذا اجتاح فيروس كورونا المستجد العالم. حدث هذا بالفعل، وصارت الفرضيات وقائع، وتحولت «ماذا لو؟» إلى «ماذا إذن؟».  

والآن.. «ماذا إذن؟» 

في الساعات الأخيرة من يوم الأربعاء 18 مارس «يبدو هذا اليوم الآن من الماضي السحيق»، كنت أتحدث عن الوباء مع صديقة على مسافة أيام من وضع مولودها. واتفقنا على أن هذا المولود ربما يكون الأول من جيل جديد يرى النور حين يراه في مجتمع قد ألمت به تغيرات دراماتيكية بفعل «كوفيد – 19». وقررنا سويا أن نطلق على هذا الجيل «الجيل C» أو جيل كوفيد 

وكما سنرى، فإن حيوات «الجيل C» ستتشكل وفقا للخيارات التي سيتم تبنيها في الأسابيع المقبلة، وللخسائر التي تكبدناها فعليا – حتى الآن – نتيجة لما تم اتخاذه، أو بالأحرى عدم اتخاذه، من قرارات. لكن، قبل الإسهاب في هذا الحديث، أود أولا تقديم هذا تقرير المتابعة الموجز الذي نشره موقع «مؤشر الأمن الصحي العالمي» ويصنف جميع الدول بحسب مستوى استعدادها لاستقبال الوباء، وحصلت الولايات المتحدة على 83.5، وهي أعلى درجة في العالم. كان من المفترض أن تكون الولايات المتحدة الثرية والقوية والمتطورة هي أكثر الدول استعدادا للقضاء على الوباء، وليس لاستقباله. لكن هذا الوهم تحطم على صخرة الواقع. وبرغم شهور من التحذيرات المسبقة، بينما كان الفيروس يعيث فسادا في دول أخرى، سقطت الولايات المتحدة في مستنقع «كوفيد – 19» الغائر. 

«بغض النظر عن أي شيء، كان فيروس مثل SARS-CoV-2 سيختبر صمود حتى أعتى الأنظمة الصحية»، كما قالت ناهد بهاديليا، المتخصصة في الأمراض المعدية، في كلية الطب بجامعة بوسطن. وبوصفه أكثر قدرة على الانتقال والقتل من الأنفلونزا الموسمية، فإن فيروس كورونا المستجد يعد أكثر خفاء، وينتقل من أحد حامليه إلى آخر مستغرقا عدة أيام قبل ظهور أعراضه. ولاحتواء هذا الفيروس، يتعين على الدول تطوير اختبارات لتحديد المصابين، وعزلهم، وتتبع من كانوا على اتصال بهم. هذا ما فعلته كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونج وحققت به انتصارا رائعا. وهذا ما لم تفعله أمريكا!! 

ناهد باديليا

الخطيئة الكبرى

وكما أفاد زميلاي أليكسيس مادريجال وروبنسون ماير في تقريرهما الهام، فقد طورت «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» اختبارا خاطئا في فبراير الماضي، وقامت بتوزيعه. وطورت مختبرات مستقلة اختبارات بديلة، لكنها أغرقت في بيروقراطية «إدارة الغذاء والدواء». وفي شهر حاسم، عندما وصل عدد الحالات في الولايات المتحدة إلى عشرات الآلاف، لم يكن تم اختبار سوى بضعة مئات. كان مجرد تخيل أن تفشل قوة في مجال الطب الحيوي بحجم وإمكانات الولايات المتحدة الأمريكية في تطوير اختبار تشخيصي بسيط ضربا من الهذيان. لست على علم بأي عمليات محاكاة قمت بها، أنا أو غيري، وتم تصنيفها «اختبار فاشل»، كما أكدت لي ألكسندرا فيلان، من جامعة جورج تاون، التي تعمل على موضوعات سياسية وقانونية تتعلق بالأمراض المعدية. 

كان الفشل الذريع في الاختبار هو الخطيئة الكبرى التي أدت إلى تفشي الجائحة، والصدع الوحيد الذي قوض على أثره كل الإجراءات المضادة الأخرى. فلو تمكنت الدولة من تتبع انتشار الفيروس بدقة، لنفذت المستشفيات خططها الخاصة بالأوبئة، وتهيأت بتخصيص غرف للعلاج وطلب إمدادات إضافية، وخصصت منشآت بعينها للتعامل مع «كوفيد – 19». لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وبدلا من ذلك، وجد النظام الصحي – الذي يعمل فعليا بكامل طاقته تقريبا، والذي واجه موسم أنفلونزا غير اعتيادي – نفسه في معركة غير متكافئة مع فيروس شُرعت أمامه جميع الأبواب والنوافذ، دون أدنى متابعة، عبر جميع المجتمعات في جميع أنحاء البلاد. لم تقو المستشفيات المنهكة على مواجهة سيل الحالات. وشرفت أدوت الوقاية الأساسية، مثل الأقنعة والقفازات، على النفاذ. وستتبعها قريبا الأَسِرًة وأجهزة التنفس التي توفر الأكسجين للمرضى الذين يحاصر الفيروس رئاتهم.

ومع تراجع فرص الطفرات في أوقات الأزمات، يعمل نظام الصحة الأمريكي على فرضية مفادها أن الدول التي لم يجتاحها الوباء يمكن أن تساعد الدول الموبوءة في حالات الطوارئ. ربما يعمل هذا المبدأ الأخلاقي في أوقات الكوارث المحلية، مثل الأعاصير وحرائق الغابات، لكن ليس في حالة جائحة تحاصر الآن الولايات الأمريكية الخمسين بأكملها. لقد أفسح التعاون المجال للمنافسة، وانكبت بعض المستشفيات التي انتاب التوتر القائمين عليها على شراء كميات هائلة من المستلزمات الطبية بالطريقة نفسها التي أكب بها بعض المستهلكين المذعورين على شراء «ورق التواليت». 

يرجع ذلك جزئيا إلى أن البيت الأبيض يمثل مدينة أشباح خاوية من الخبرات العلمية. لقد تم حل «مكتب التأهب للأوبئة»، الذي كان جزءا من «مجلس الأمن القومي»، في عام 2018. وفي 28 يناير الماضي، حثت «لوسيانا بوريو»، التي كانت عضوا في هذا الفريق، الحكومة على «التحرك الآن لمنع سقوط أمريكا في هوة الوباء»، وعلى وجه التحديد العمل مع القطاع الخاص لتطوير اختبارات تشخيصية سريعة وبسيطة. ولكن في ظل إغلاق المكتب، نُشرت هذه التحذيرات في صحيفة «وول ستريت جورنال»، بدلا من الصراخ بها في أذن الرئيس. وبدلا من أن تفزع أمريكا إلى العمل الجاد، جلست لا تبدي حراكا. 

وبغير رؤية واضحة، أو سياسات موجِهة، أو تنسيق مؤسسي، أو حتى رغبة في العمل، أساءت أمريكا التعامل مع أزمة «كوفيد – 19» إلى درجة فاقت بكثير مخاوف جميع الخبراء الصحيين الذين تحدثت معهم. «أسوأ بكثير»، كما أكد رون كلاين، منسق الجهود الأمريكية لمكافحة تفشي فيروس إيبولا في غرب أفريقيا في عام 2014، و.. «فاقت كل توقعاتنا»، كما قالت لورين سوير، المتخصصة في مجال التأهب للكوارث في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، و.. «أشعر كأمريكي بالرعب، ربما تنتهي الولايات المتحدة بأسوأ تفشي وبائي في العالم الصناعي»، كما قال سيث بيركلي، رئيس «التحالف العالمي للقاحات والتحصين» «Gavi». 

سيث بيركلي رئيس «التحالف العالمي للقاحات والتحصين» «Gavi»

السيناريو الأسوأ.. ووسائل تجنبه

بعد هذا التأخر، ربما يكون من الصعب – لكنه ليس من المستحيل – أن تواكب الولايات المتحدة الحدث. إلى حد ما، تحددت ملامح المستقبل القريب، لأن «كوفيد – 19» مرض بطيء وطويل الأمد. 

وحتى نهاية الأسبوع الثالث من مارس، كان لدى الولايات المتحدة 17000 حالة مؤكدة، لكن الرقم الحقيقي كان بين 60000 و245000. والآن يرصد العاملون في مجال الصحة بعض المؤشرات المثيرة للقلق، مثل تناقص المعدات، وتزايد أعداد المرضى، وإصابة الأطباء وأطقم التمريض بالعدوى، وغيرها.

ويقدم ما حدث في إيطاليا وأسبانيا تحذيرات شديدة اللهجة بشأن المستقبل. فقد نفذت الأسرَة والأدوات من المستشفيات، ولحق بها العاملون. وبسبب العجز المذل عن معالجة أو إنقاذ حياة أي شخص، استغرق الأطباء في التفكير في اللامعقول: «ترشيد» الرعاية، وقصرها على الحالات التي تحتفظ باحتمالات مرتفعة للبقاء على قيد الحياة، وترك الأخرى نهبا للموت.

وقياسا على إيطاليا، تمتلك الولايات المتحدة عددا أقل من أَسرًة المستشفيات بالنسبة إلى عدد السكان. وقد خلصت دراسة أجراها فريق من الباحثين من كلية «إمبريال كوليدج لندن» إلى أنه في حالة عدم السيطرة على الوباء، فإن جميع هذه الأسرًة سوف تكون مشغولة بنهاية شهر أبريل. وبحلول نهاية يونيو، فإن سريرا واحدا فقط في العناية المشددة سيكون متاحا لكل 15 مريض بكوفيد – 19. وبنهاية فصل الصيف، سيكون الوباء قد قضى مباشرة على 2.2 مليون أمريكي، بخلاف من سيموتون بشكل غير مباشر بسبب عجز المستشفيات عن توفير الرعاية للمعدلات المعتادة من مصابي النوبات القلبية والسكتات الدماغية وحوادث السيارات. هذا هو السيناريو الأسوأ؛ ولتجنبه، يجب القيام بأربعة إجراءات على وجه السرعة. 

أول هذه الإجراءات، وأهمها على الإطلاق، هو إنتاج الأقنعة والقفازات وسائر وسائل الحماية الشخصية على وجه السرعة. فإذا فشلت أمريكا في المحافظة على صحة العاملين في مجال الصحة، فهذا أدعى إلى انهيار أي استراتيجية مواجهة. وفي بعض الأماكن، لا يزال احتياطي المستلزمات الطبية منخفضا إلى درجة أن الأطباء يلجأون إلى إعادة استخدام الأقنعة على المرضى، أو يدعون الجماهير إلى التبرع، أو يحيكون بأنفسهم أقنعة بديلة في المنازل. يحدث هذا لأن المستلزمات الطبية يتم تصنيعها حسب الطلب، ولأنها تعتمد بالأساس على سلاسل إمدادات عالمية معقدة تعاني حاليا من الإجهاد وربما الانقطاع. فقد كانت مقاطعة «هوبي» الصينية أيضا بؤرة لانتشار الوباء، كما كانت – في الوقت نفسه – مركزا لتصنيع الأقنعة الطبية.

وتقوم الحكومة الأمريكية حاليا بالفعل بنشر الاحتياطي الوطني الاستراتيجي، خاصة في الولايات الأكثر تضررا. لا شك أن هذا المخزون سينضب، لكن بعد توفير بعض الوقت. ويمكن أن يستفيد الرئيس الأمريكي دوناد ترامب من هذا الوقت في استدعاء «قانون الإنتاج الدفاعي» «Defense Production Act»، وإطلاق المجهود الحربي الذي تتحول فيه الصناعة الأمريكية إلى إنتاج المعدات والأجهزة الطبية. لكن بعد استدعاء ذاك القانون يوم الأربعاء 18 مارس، فشل ترامب في تفعيله، بسبب – وفقا لتقارير – ضغوط الغرفة التجارية الأمريكية ورؤساء الشركات الكبرى. 

بعض المصنعين يرتقون بأنفسهم فعليا إلى مستوى الحدث، لكن تبقى جهودهم بحاجة إلى مزيد من التنسيق. «يوما ما سنستيقظ على خبريقول أن أطباء في مدينة «X» يعملون «ببندانات»، ومرحاض في مدينة «Y» تتراكم فيه الاقنعة الطبية»، كما يقول علي خان، عميد كلية الصحة العامة بجامعة مركز نبراسكا الطبي. و.. «تحتاج البلاد الآن بشدة إلى كميات هائلة من المواد اللوجستية وسلاسل الإمدادات»، بحسب توماس إنجليسبي، الباحث في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة. لا يمكن إدارة ذلك الأمر من خلال فرق صغيرة وغير مدربة تتناثر هنا وهناك في أرجاء البيت الأبيض. ويبقى الحل – من وجهة نظر إنجليسبي – في استدعاء «وكالة الدفاع اللوجستية» «Defense Logistics Agency»، وهي فريق يتألف من 26000 عضو  يضطلعون بمسئولية تجهيز الجيش الأمريكي للعمليات الخارجية، وسبق لهذا الفريق أن ساعد في مواجهة أزمات تتعلق بالصحة العامة، بما في ذلك تفشي وباء إيبولا في عام 2014. 

«وكالة الدفاع اللوجستية» «Defense Logistics Agency»

تستطيع هذه الوكالة أيضا تنسيق الاحتياج الملح الثاني، وهو إطلاق أعداد كبيرة من اختبارات «كوفيد – 19». لقد تأخر وصول هذه الاختبارات بسبب خمس حالات نقص منفصلة، وهي: نقص الأقنعة التي توفر الحماية للأفراد الذين يديرون عمليات الاختبار، ونقص المسحات البلعومية لجمع العينات الفيروسية، ونقص أدوات الاستخلاص المسئولة عن استخلاص المادة الجينية للفيروس من العينة، ونقص الكواشف الكيميائية التي تعد جزءا من أدوات الاستخلاص، ونقص الأفراد المدربين الذين يمكنهم إجراء الاختبارات. مرة ثانية، يرجع السبب في كثير من حالات النقص هذه إلى سلاسل التوريدات المنهكة، أو ربما المتهتكة. فالولايات المتحدة تعتمد بالأساس على ثلاث شركات مصنِعة لكواشف الاستخلاص، لكن هذه الشركات فشلت جميعها في تلبية الطلب العالمي غير المسبوق. في الوقت نفسه، يضم إقليم لومبارديا الإيطالي – وهو أكثر الأقاليم الأوربية تضررا من الوباء – أحد أكبر مصانع المسحات البلعومية في العالم. 

تجري حاليا محاولات للتغلب على بعض حالات النقص، حيث تسابق «إدارة الغذاء والدواء» «FDA» الزمن للموافقة على اختبارات تم تطويرها من قبل مختبرات خاصة. ويستطيع أحد هذه الاختبارات – على الأقل – إعطاء نتائج في أقل من ساعة، وهو ما سيسمح للأطباء بمعرفة ما إذا كانت الحالة موضع الاختبار مصابة بكوفيد – 19من عدمه. «تضيف الدولة إمكانات جديدة بمعدلات يومية»، كما تخبر كيلي روبليفسكي، من «رابطة مختبرات الصحة العامة».

في 6 مارس قال ترامب إنه «بالإمكان إجراء اختبار لأي شخص يرغب في ذلك». كان هذا – ولا يزال – محض افتراء، ومن ثم بادر مسئولوه إلى تدارك هذا الخطأ. وبغض النظر عن ذلك، ما زالت جموع الناس تترى على المستشفيات التماسا لاختبارات غير موجودة بالأساس. «يريد الناس أن يخضعوا للاختبار حتى برغم عدم ظهور اي أعراض مرضية عليهم، أو في حالة جالسوا شخصا يسعل»، تقول ساسكيا بوبسكيو، من جامعة جورج ماسون، والتي تعمل في مجال تجهيز المستشفيات لعلاج الأوبئة. آخرون لا يشكون إلا نزلات برد عادية، لكن لا يستطيع الأطباء فحصهم دون ارتداء أقنعة ليضيفوا إلى ما تعانيه المستشفيات من نقص في الإمدادات. «لقد أرهق ذلك فعليا منظومة الصحة العامة»، كما تقول بوبسكيو. وحتى الآن، مع زيادة القدرات، فإن عملية الاختبار يجب أن تتم بحرص شديد. وتبقى الأولوية المطلقة، كما يقول مارك ليبسيتش، من جامعة هارفارد، لاختبار العاملين في مجال الصحة العامة، والمرضى المنومين، حتى يتسنى للمستشفيات إخماد الحرائق المشتعلة بالفعل. ويمكن في مرحلة لاحقة، بمجرد أن يبدأ إيقاف زحف هذا الوحش المخيف، نشر الاختبارات على نطاق أوسع. «لن يحدث هذا، فقط اعطونا الاختبارات»، يقول إنجليسبي.  

الرئيس ترامب اثناء جولة في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها

سيستغرق هذا الإجراء بعض الوقت، يمكن خلاله أن تتسارع وتيرة تفشي الوباء بما يتجاوز قدرات المنظومة الصحية، أو أن تتباطأ إلى مستويات يمكن استيعابها. ومن ثم، فإن مسار هذه البلاد ومصيرها يعتمد الآن على الاحتياج الثالث، وهو التباعد الاجتماعي. فلنفكر في الأمر على هذا النحو: توجد الآن مجموعتان فقط من الأمريكيين. تضم المجموعة «أ» جميع المعنيين بالمشاركة في المواجهة الطبية، سواء كان بتطبيب المرضى، أو إجراء الاختبارات، أو تصنيع المستلزمات الطبية. في المقابل، تضم المجموعة «ب» الآخرين، ووظيفتها توفير مزيد من الوقت للمجموعة «أ». يجب على المجموعة «ب» الآن «تسطيح المنحنى»، وذلك عن طريق عزل أنفسهم جسديا عن الآخرين لقطع سلاسل انتقال الفيروس. وبالنظر إلى «الاندماج» البطيء لكوفيد – 19، ولتجنب انهيار منظومة الرعاية الصحية في المستقبل، يتعين اتخاذ هذه الخطوة على الفور، وأن تستمر على مدى عدة أسابيع.  

إن إقناع شعب بأكمله بالبقاء طوعا في منازله ليس بالأمر الهين على الإطلاق. وفي ظل غياب إرشادات واضحة من البيت الأبيض، اضطر حكام الولايات ورؤساء البلديات وأصحاب الأعمال إلى الاعتماد على أنفسهم في اتخاذ ما يرونه مناسبا من إجراءات. على إثر ذلك، قامت بعض الولايات بحظر التجمعات، أو إغلاق المدارس والمطاعم. كما فرضت 21 ولاية على الأقل شكلا من أشكال الحجر الصحي الإلزامي، وأجبرت سكانها على البقاء في منازلهم. رغم ذلك، يواصل العديد من المواطنين التجمع والاحتشاد في الأماكن العامة. 

في هكذا لحظات، عندما تتعلق مصلحة الجميع بتضحية الكثير، يصبح التنسيق الحقيقي والفعال ضرورة وجودية وفريضة إنسانية، وهنا يكمن الاحتياج الرابع. يجب التأكيد والتشديد على أهمية الانعزال الاجتماعي للجماهير مثلما يجب – في الوقت نفسه – طمأنتها ومصارحتها بالحقائق والمعلومات. لكن ما حدث كان عكس ذلك. فقد لجأ الرئيس ترامب مرارا وتكرارا إلى التهوين من شأن الأزمة، وأخبر الأمريكيين بأن «كل شيء تحت السيطرة»، في الوقت الذي لم يكن فيه شيء كذلك، كما أخبرهم بأن الحالات «ستتراجع إلى ما يقرب من الصفر»، في الوقت الذي كان المؤشر يأخذ طريقه نحو الصعود. وفي بعض الحالات، كما هو الحال في دعاواه بشأن «الاختبارات الشاملة والمتوافرة في كل مكان»، تسببت زلاته المضللة في تعميق الأزمة، وبلغ به الأمر في بعض الأحيان حد الترويج لأدوية لم يتم الموافقة عليها من قبل الجهات المختصة. 

موظف في مصنع أدوية في الصين.

وبعيدا عن غرفة المؤتمرات الصحفية في البيت الأبيض، يبدو أن ترامب كان يستمع إلى أنتوني فوسي، مدير «المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية». قدم فوسي نصائحه واستشاراته إلى جميع الرؤساء منذ رونالد ريجان بشأن الأوبئة الجديدة، وهو الآن يرأس فريق عمل «كوفيد – 19»، الذي يجتمع به ترامب كل يومين تقريبا. «إنه يمتلك أسلوبه الخاص – دعنا نضع الأمر في هذا الإطار – لكنه استمع إلى جميع التوصيات التي قدمتها له حتى الآن»، كما أخبرني فوسي.

رونالد ريجان

وتشير تقديرات تضمنتها دراسة حديثة أجرتها جامعة بنسلفانيا أنه حتى إذا أثبتت إجراءات العزل الاجتماعي فاعليتها في الحد من معدلات العدوى بنسبة 95%، فإن 960000 أمريكي سيظلون بحاجة إلى رعاية مشددة. لكن الولايات المتحدة لا تمتلك في واقع الأمر سوى 180000 جهاز تنفس، والأهم من ذلك أن عدد الأطباء المتخصصين في معالجة أمراض التنفس وأطقم العناية المركزة لا يكفي إلا لتقديم رعاية آمنة إلى 100000 مريض فقط. رغم ذلك، يظل رفع سياسات العزل الاجتماعي الآن، في ظل هذا العجز الصارخ في الاختبارات وأدوات الوقاية، عملا كارثيا.  

أما إذا تمسك ترمب بهذا المسار، وإذا التزم الأمريكيون بالعزل الاجتماعي، وإذا أمكن تدشين اختبارات سريعة وبسيطة، وأخيرا إذا أمكن إنتاج أقنعة كافية، فإن الفرصة ستكون سانحة لتجنيب الولايات المتحدة أسوأ التوقعات بشأن «كوفيد – 19»، ووضع الوباء – ولو بصورة مؤقتة – تحت السيطرة. لا أحد يعلم المدى الزمني الذي قد تستغرقه هذه التدابير، لكنه لن يكون قصيرا بأي حال. «سيحتاج من أربعة إلى ستة أسابيع حتى ثلاثة أشهر، ولكن ليس لدي ثقة كبيرة في هذا»، كما أخبر فوسي.   

 (يُتبع)

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: