ثقافة

المهاجر طارق الطيب: الأدب السوداني مازال يعيش في جلباب الطيب الصالح

لا يمكن وصف طارق الطيب إلا بأنه كاتب متعدد الثقافات، فيمكنك أن تقول باطمئنان بالغ أنه الكاتب المصري أو السوداني، أما إذا انحزت إلى إقامته ومقر عمله فيمكن أن تقول أنه واحد من أبرز الكتاب النمساويين.. تشير سيرته إلى أنه من مواليد القاهرة، انتقل في عام 1984 إلى فيينـا حيث أنهى دراسته في فلسفة الاقتصاد وهو يعيش الآن فيها ويعمل إلى جانب الكتابة الأدبية بالتدريس في ثلاثة جامعات بها، له إبداعات كثيرة منها:(وأطوف عاريا)، (نهارات فيينا)، (الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا)، و(محطات من السيرة الذاتية)، و (… ليس إثما) و (بعنا الأرض وفرحنا بالغبار) نشرت ترجمات لكتبه في اللغات الأوروبية منها الألمانية، الفرنسية، الإنجليزية، الأسبانية، الرومانية، والإيطالية.

في حوارنا مع طارق الطيب تعمدنا أن يكون حوارا حول السيرة.. المهجر واللغة والهوية.

ما زلت أفك الشفرة

إشكالية المهجر والشعور بالاغتراب والتباين الثقافي تيمة أساسية في أعمالك الابداعية، هل هذا يضيف للمبدع الذي تحمله بين يديك؟

في الحقيقة أعتبر نفسي بعد ستة وثلاثين عاما في النمسا قد تجاوزت موضوع المهجر والشعور بالاغتراب والتباين الثقافي. عشت هذا الإحساس بطبيعة الحال في سنواتي الأولى بلا شك. لكني لو بقيت خاضعا لتلك الزاوية بعد كل هذا العمر، فمعناه أنني إما لم أستطع الخروج من شرنقة العزلة لعيب مني، أو أنني أستمرئ حياة مُتَسَوِّلة للتعاطف، لا تليق بي ولا تناسبني. .احتجت لسنوات طويلة حتى أفك شفرة ثقافة بلد عظيم مثل النمسا وما زلت افك شفرة لغة وعقائد وسلوك وعادات وتقاليد وأحاسيس وتاريخ.

التجربة في بلد وسط أوروبي تختلف عن شماله أو جنوبه أو شرقه أو غربه، فالبعض ما زال يظن أن أوروبا كتلة واحدة. كما يظن بعض الأوروبيين أيضا أن أفريقيا دولة واحدة، وتسألني قلة منهم أحيانا عن الأدب الأفريقي وكأنني سأتحدث عن أدب دولة واحدة.

البعض يؤكد في إشكالية المهجر على الفروق، بالبحث عن التنافر والبحث عمّن هو الأفضل. أنا لا أراه كذلك. الجانب الإنساني في الأفريقي أو الأوروبي أو في أي قارة متشابه؛ فيه من الشر والخير ومن المكر؛ وإن كانت أوروبا تفوز في الأخيرة.

الحياة هنا في بلد أنا الغريب فيه، احتاجت مني أكثر من نصف عمري. أنا هنا لست سائحا طارئا ولست لاجئا (مع الاحترام لكل لاجئ). أنا غريب، تلميذ في مدرسة الحياة أبذل جهدي لأفهم المكان والناس ومن قبل لأفهم نفسي.

الروائي طارق الطيب

في «السيرة الذاتية»

تحت عنوان «محطات من السيرة الذاتية» كتبتَ سيرة ذاتية لرصد سنوات الطفولة والشباب وصولا للمهجر هل ترى انها جاءت مبكرة جدا لكاتب واكاديمى مازال ينجز مشروعه الإبداعي؟

لعل الرد على هذا السؤال قد جاء في مقدمة الكتاب «محطات من السيرة الذاتية» المنشور قبل ثماني سنوات وكان كالتالي: (يظن البعض أنه ينبغي على كاتب السيرة الذاتية أن يكون قد طعن في السن، ليكتب عن عمر طويل مضى وعن ذكريات في تاريخ غائر في القدم، وقد يظن البعض أيضًا أنه على صاحب السيرة الذاتية أن يلحق ويعجِّل بشهادته واعترافاته قبل الرمق الأخير. وأنا أرى غير ذلك؛ فكل وقت يصلح لكتابة السيرة الذاتية وكل سنٍّ يمكنها أن تسجل تجاربها وتاريخها، بغض النظر عن طولها أو قصرها؛ فمن أدرانا إلى متى سنعيش، وكم سيبقى في أذهاننا في أرذل العمر. أرى أن الظروف قد تسمح لكاتب في الأربعين أو الخمسين- أو أقل عمرًا- لكتابة فريدة ومهمة عن طفولته وتجربته الحياتية، قد تأتي بشكل أفضل بحكم القرب الزمني وعدم اندثار الكثير من التفاصيل الهامة مع الوقت، فربما ينقصها صنعة الكتابة لكنها قد تُثرَى بالطزاجة والصدق.)

كتابة السيرة فى الغالب هى كتابة مشغولة بـ «أسطرة الذات»، كيف نجحت  في ان تقفز من هذا الحاجز في كتابتك لسيرتك؟

أظن أن الرد على هذا السؤال أيضا قد جاء في مقدمة كتابي «محطات من السيرة الذاتية» المنشور قبل ثماني سنوات وكان كما يلي: (يصر البعض أيضًا على أن كتابة السيرة الذاتية ينبغي لها أن تبرز سيرة المؤهلات العالية والنجاحات والإنجازات الرائعة في حياة كاتبها، وألا تلتفت للإخفاقات أو حتى تذكرها من قريب أو بعيد، لذا أطالع للغالبية العظمى من كاتبي السيرة الذاتية في عالمنا العربي تسطير سيرتهم بخلطة مكررة مقررة، بدءًا من نبوغهم الجامعي وكأنه لم تكن هناك طفولة أو مدرسة أو أقران؛ فيسهبون عن تفوقهم الجامعي وثوريتهم وعن ذكائهم الخارق وتفوقهم في اللغات الأجنبية، منحدرين إلى نشأتهم الغنية وأنسابهم المميزة، فضلا عن قدراتهم العجيبة- في يفاعتهم- على التصدي لترجمات لفطاحل الكتاب العالميين.

أؤكد أنه لا بأس من سرد الإنجازات والمؤهلات والنجاحات فهي جزء من سيرة الحياة، وأغلبها حقائق لا يمكن إنكارها، لكن من الأفضل في ظني ألا تكون في خط أحادي يتفادى فروع صعوبات الحياة المادية والمعنوية.)

المتابع لسيرتك يلحظ ان ثمة ثلاث مراحل أساسية عاشها ومازال الروائي والمبدع طارق الطيب المرحلة الاولى هي سنوات الطفولة وكل ماتعلق بها والطور الثاني مرحلة الشباب ومن ثم النقلة لكاتب سوداني مصري وعربي يقرر الهجرة ليعيش تحت سقف لغة اخرى حدثنا عن تلك النقلات؟

المراحل التي عشتها أكثر من تلك الثلاث بكثير، لكني سأوافق مبدئيا على هذه المراحل.

مرحلة الطفولة والصبا هي المخزن الدائم والمدهش لكل كاتب أو فنان، ومن يستعين بها لن يندم أبدا؛ فهي تمثل مرحلة بريئة تستكشف وتستوعب ولا تعرف الكراهية، وهي بداية ليس قبلها بداية لمقارنة نتائج أو نجاحات أو فشل. الطفل يعيشها كما هي. المقارنات الفكرية وليس الاجتماعية تأتي في مرحلة لاحقة.

هناك أمكنة لا تغيب عن تكويني: الحسينية محل سكن جدتي، ثم عين شمس: محل سكن العائلة، ثم العريش محل عمل الوالد في شهور الصيف.

مرحلة الشباب بكاملها كانت في القاهرة في عين شمس والحلمية ومصر الجديدة وهي المرحلة ما قبل الجامعية، ثم في الظاهر وغمرة والعباسية في المرحلة الجامعية، فيها الكثير من الحياة والحكايات والتطلعات والطموحات.

مرحلة ما بعد التخرج وكانت الأصعب والتي شكلت التمرد على ظلم دفع بي إلى العراق لشهور ثم عودة لمصر وانطلاق إلى أوروبا.

بالمناسبة: في أوروبا عشت مجددا طفولتي ومراهقتي وشبابي ورجولتي وما زلت أشعر أنني في كهولتي ولم أبلغ شيخوختي بعد.

ما يتعلق باللغة فقد صُدمتُ في سنتي الأولي قبل أكثر من ثلاثة عقود باللغة الألمانية، والآن أصبحت لغتي الأجنبية الأولى، بل لغتي اليومية التي أتحدث بها وأمارسها أكثر من لغتي العربية مع المحيط القريب مني عائليا أو أكاديميا، هي الآن جزء طبيعي مني لا أشعر معه بأي اغتراب أو استغراب.

تزوجت 12 يناير وصلت فيينا 12 يناير حدثت ثورة مصر في يناير ماذا يمثل يناير بالنسبة لك؟

أيضا وُلدت في يناير وبالفعل تزوجت 12 في يناير ووصلت إلى فيينا في 12 يناير. هناك أحداث كثيرة مرت بي في يناير على مدار عمري. لا أعتبر هذه الصدفة شيئا أسطوريا أو إشارة أو أي شيء من هذا القبيل. هي مجرد صُدف تحدث وتتكرر، ولو سألت العديد من الأشخاص ستكون لهم أحداث مهمة في تواريخ معينة أو متشابهة. الأمر لا يعدو بالنسبة لي إلا تذكيرا بالأحداث، وربما فيه شيء من التفاؤل الخفي لو أردت إن زادت الذكريات الطيبة فيه عن المؤلمة.

جلباب الطيب صالح

الطيب صالح أحد أبرز الاسماء في عالم الرواية العربية والأبرز في المشهد الابداعي السوداني، ونعرف تماما انه من قدم طارق الطيب لكن يبقى السؤال هل تكريس اسم الطيب صالح أثر بشكل سلبي على المشهد الروائي السوداني، هل جاء ذيوع وانتشار طارق الطيب وحمور زيادة وامير تاج السر وعبد العزيز بركة ساكن نتيجة طبيعية لاختيارهم المهجر سواء عربيا أو غربيا؟

الطيب صالح هو فعلا أبرز الأسماء السودانية عن استحقاق وهو أمر يدعو للفخر والاعتزاز، وليس ذنبه أن يكون التركيز عليه أكثر من أي كاتب قبله أو بعده، فالأمر صنيعة النقاد بالدرجة الأولى.

ركون أغلب النقاد والصحفيين عند الطيب صالح هو سبب رئيسي في عرقلة انتشار كتابات كثير من الأسماء السودانية التي تستحق التقدير، وهو كسل مزمن ممن يتعاملون مع الأدب السوداني. قلة قليلة من النقاد ممن يتعاملون مع الكاتب السوداني ينجون من المرور عبر جلباب الطيب صالح.هذا الأمر حدث أيضا لبضع سنوات مع الأدب المصري بعد فوز محفوظ بجائزة نوبل، لكنه انحسر سريعا وظهرت أسماء كثيرة مضيئة لم يغطِ عليها اسم نجيب محفوظ.

نجيب محفوظ، والطيب صالح

العربية والالمانية

التفكير والكتابة بالعربية والعيش تحت سقف اللغة «الالمانية» هل يسبب لك ربكة في الكتابة؟

التفكير والكتابة بالعربية والعيش تحت سقف اللغة «الألمانية» لا يسبب لي أي ربكة في الكتابة على الإطلاق، بل العكس هو الذي يحدث، وأحب أن أكرر أن التفكير أمر غير الكتابة؛ فأنا أفكر بخليط من الألمانية والعربية وقد تتداخل في بعض الأحيان لغة أخرى كالإنجليزية مثلا أو مصطلحات من لغات أخرى، فالتفكير لا علاقة له – من وجهة نظري – بالقواعد والنحو وإنما بالأعلام والأفعال، وهو أكثر تكثيفا.

أما الكتابة فأمرها يختلف، فهي سياق ونظام لا عبث فيه، الكتابة لها قواعد ونحو وصرف وتمكن وانسيابية. الكتابة عندي بالعربية- فيما يتعلق بالنصوص الأدبية وليس الأكاديمية- تخضع لهذه الانسيابية والتعامل الطبيعي المباشر، تبدو لي كالفارق بين من يتعامل مع الأم ومن يتعامل مع زوجة الأب، هناك اختلاف في العلاقة مهما كانت زوجة الأب حنونا ومُحبة.

الألمانية هي زوجة أبي في اللغة، أحبها وأحترمها، لكن أمي واحدة هي العربية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق