مختارات

داعش وفيروس كورونا وسيناريوهات مستقبلية

نقلا عن: الأهرام ويكلي

مع انتشار فيروس كورونا المستجد في العديد من دول العالم بجانب دول المنطقة طرح العديد من التساؤلات حول انعكاس انتشار الفيروس علي مكافحة الإرهاب بالمنطقة، وبشكل خاص مواجهة تنظيم داعش في ظل انشغال أغلب دول العالم ومنها دول المنطقة العربية بمكافحة انتشار الفيروس ومواجهة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بعد اتساع نطاق انتشاره الجغرافي، فأصبحت أجهزة الاستخبارات وقوات الأمن مهتمة بشكل كبير بتداعيات  كورونا علي الاوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الداخلية والتي يمكن أن تؤدي لحدوث حالة من عدم الاستقرار علي المستوي الداخلي بجانب بعض التداعيات الأمنية علي المستوي الجنائي نتيجة توقف العديد من الشركات وتباطؤ  الجانب الاقتصادي.

هذا الاهتمام المتنامي من قبل أجهزة الأمن بالدول أدي الي تراجع نوعي في معدلات الاهتمام بتنظيم داعش وهو ما يمكن أن يؤدي إلى احتمال تطور في نشاط التنظيم وبشكل خاص في مناطق تمركزه الرئيسية بسوريا والعراق، ولكن يأتي التساؤل الرئيسي حول تأثير انتشار كورونا علي بنية تنظيم داعش والسيناريوهات المستقبلية؟

منذ أن تم الاعلان عن انتشار كورونا في العالم بنهاية شهر يناير من العام الجاري 2020 أعلن تنظيم داعش عبر جريدة النبأ الداعشية (الاصدار الرسمي للتنظيم) بالعدد (223) أن فيروس كورونا هو حرب من الله ضد المشركين والمحاربين لتنظيم داعش، و جاء موقف التنظيم الارهابي في مقال بعنوان (ضل من تدعون إلا إياه)، جاء فيه أن انتشار فيروس كورونا جاء كغضب من الله ضد المجتمعات الجاهلية بدول العالم، ودعا داعش الي توبة المواطنين و الانضمام للتنظيم حتي يتجنبوا البلاء (أي الإصابة بفيروس كورنا) كما جاءت نفس المعاني علي الأكونتات الخاصة بأعضاء التنظيم الارهابي علي موقع تليجرام.

 ومن الواضح أنه مع انتشار الأمراض والأوبئة وعدم توصل العلم إلي أدوية وعلاج للأمراض سريعا وكثرة سقوط ضحايا. كل هذا يمكن أن يدفع العديد من المواطنين إلي الاقتراب الديني، ومن ثم اقتراب الكثيرين من الخطاب الديني المتطرف وهو ما يعزز من فرص التنظيمات الإرهابية بشكل عام وتنظيم داعش بشكل خاص في استقطاب المزيد من العناصر للتنظيم، وهو ما يمكن ملاحظته في انتشار العديد من الفيديوهات والتغريدات حول الربط بين انتشار الوباء وانتشار الأفكار الجاهلية بالدول.

ومع انتشار فيروس كورونا بشكل واسع في العراق والعديد من دول المنطقة أصدر تنظيم داعش ما زعم أنه روشتة لحماية عناصره من  كورونا حيث تضمن العدد (225) من جريدة النبأ الداعشية توجيهات للحماية من فيروس كورونا لعناصر ومقاتلي التنظيم  تحت عنوان (توجهات شرعية للتعامل مع الأوبئة)، حيث تضمنت 7 ارشادات منطلقة من الجانب الديني علي النحو التالي ( وجوب الإيمان بأن الأمراض لا تعدي بذاتها ولكن بأمر من الله وقدره – وجوب الأخذ بأسباب الوقاية من الأمراض واجتنابها – الوصية بتغطية الفم عند التثاؤب والعطس- الوصية بغسل اليدين قبل غمسهما في الإناء – الوصية بالتوكل علي الله والاستعاذة به من الأمراض – الوصية بعدم دخول الأصحاء الي أرض الوباء وعدم خروج المصابين منها – الوصية بتغطية الإناء ووقاية السقاء )، تلك النصائح السبع التي األن عنها تنظيم داعش لعتاصره ومقاتليه  بعد أسبوعين من مقاله الأول حول أن هذا الوباء هو موجه ضد المجتمع الجاهلي.. هذه النصائح تدل علي أن الفيروس أصاب عددا من عناصر التنظيم  فداعش ليس منعزلا عن المحيط الجغرافي والسكاني بالعديد من دول المنطقة بل هناك تداخل كبير بين عناصر التنظيم والمجتمع المحلي وبشكل خاص في (العراق – سوريا- اليمن – ليبيا) حيث يتمركز العديد من عناصر التنظيم بمدن داخل تلك الدول وهي دول ينتشر بها فيروس كورونا، ومن ثم لجأ التنظيم لاصدار توصيات لعناصره ومقاتليه لمكافحة انتشار فيروس كورونا وهي توصيات ونصائح ذات مفهوم ديني بشكل كبير.

وقد تتباين انعكاسات انتشار فيروس كورونا علي بنية تنظيم داعش حسب تمركز التنظيم بمعني أدق أن يختلف داعش من حيث البناء التنظيمي والتمركز الجغرافي من دولة الي اخري، فتنظيم داعش في سوريا والعراق يختلف بشكل كبير عن  داعش في الساحل والصحراء الافريقية من حيث تداخل عناصر التنظيم مع السكان المحليين، فأعضاء داعش في (سوريا والعراق وافغانستان واليمن وشرق اسيا والقوقاز) يتواجدون في محيط السكان بالبيئة المحلية بعكس تواجد أعضاء التنظيم في الساحل والصحراء الافريقي وغرب افريقيا ووسط افريقيا الذين يتمركزون في مناطق صحراوية بعيدة عن التواجد السكاني الكثيف وهو ما حمي أعضاء التنظيم سابقا من انتشار فيروس إيبولا عام 2017 والذي كان منتشرا بشكل كبير في دول غرب افريقيا، ومن ثم فدراسة تأثير فيروس كورونا علي تنظيم داعش يمكن تقسيمها لقسمين هما داعش في سوريا والعراق ووسط وجنوب اسيا من ناحية، ووداعش في غرب ووسط افريقيا من ناحية أخرى.

يعتبر تنظيم داعش في العراق وسوريا ودول شرق ووسط وجنوب آسيا الأكثر تأثرا بفيروس كورونا نتيجة تداخل عناصر التنظيم بهذه المناطق والدول مع السكان المحليين، حيث يعتبر انتشار كورونا وسط عناصر ومقاتلي داعش أمرا واردا واحتمالا كبيرا حيث ينطبق على أعضائه ما ينطبق البيئة المحلية بالنسبة للتعرض للفيروس وخطورته وحدته، بل يفوق تأثير مرض فيروس كورونا علي عناصر تنظيم داعش بشكل أكبر من السكان المحليين نتيجة عزوف عناصر التنظيم عن التوجه للمستشفيات  خشية القبض عليهم، وهو ما دفع التنظيم لاصدار التوجيهات السبعة التي نشرها في جريدة النبأ الداعشية بالعدد (225)، في محاولة من التنظيم لوصول ارشاداته لعناصره مع التركيز علي أن إصابة الشخص ووفاته هى قضاء وقدر بعكس ما أعلنه التنظيم بان اصابة المواطنين في دول العالم هى غضب من الله.

وبالقياس لأعداد عناصر داعش في (سوريا والعراق واليمن وجنوب ووسط آسيا) والتي تشكل 80% من قوة تنظيم داعش فإن انتشار فيروس كورونا في بنية التنظيم بتلك الدول سيؤثر وبشكل كبير علي قدراته نتيجة إصابة عناصر التنظيم المدربة.

وعلي العكس يعتبر تنظيم داعش في غرب ووسط أفريقيا والساحل والصحراء أقل تأثرا بفيروس كورونا نتيجة تمركز داعش في دول غرب أفريقيا والساحل والصحراء الافريقي بمناطق صحراوية اقرب للانعزال عن الكثافة السكانية وهو ما انعكس علي تقليل حجم انتشار الاوبئة كما حدث أثناء انتشار فيروس أيبولا بول غرب أفريقيا خلال السنوات الخمسة الماضية، بجانب ضعف انتشار فيروس كورونا حتي الان بدول الصحراء الافريقي بناء علي إحصاءات منظمة الصحة العالمية، هذا الوضع يمكن ان يؤدي إلى تنامٍ في نفوذ فرع التنظيم بمنطقة الساحل والصحراء ووسط افريقيا خلال الفترة المقبلة وهو ما يعيد صياغة البنية التنظيمة لتنظيم داعش بشكل كبير، ويمكن ملاحظة تنامي عدد عمليات داعش في دول الساحل والصحراء ووسط افريقيا خلال الايام الماضية وكان آخرها تنفيذ تنظيم داعش لعملية إرهابية عبر فرع التنظيم في غرب افريقيا ادت لمقتل واصابة 25 جنديا من عناصر جيش النيجر بجانب هجوم آخر ضد الجيش النيجيري بمنطقة (برنو) في 19 مارس 2020، إضافة إلى استهداف قوات فرنسية وعناصر أمن ماليين يوم 18 مارس بالقرب من بلدة(هغانا) في مالي، فمنذ بداية شهر مارس تمكن تنظيم داعش في افريقيا من تنفيذ ما يقرب من (31) عملية ارهابية في غرب افريقيا والصومال ووسط افريقيا اسفرت عن سقوط ما يقرب من (184) من الضحايا والقتلي.

وقد استغل تنظيم داعش تفشي فيروس كورونا في العديد من دول أوروبا ودعا  لاستهداف الدول الأوروبية، حيث دعا التنظيم في العدد الاخير من جريدة النبأ الداعشية بالعدد (226) إلى توجيه ضربات ارهابية ضد العديد من دول اوروبا نتيجة انشغالها بمكافحة فيروس كورونا، وحيث أصدر داعش رسالة لعناصره تحت عنوان (أسوأ كوابيس الصليبيين ) تحدث فيها التنظيم عن تراجع الدور الامني لدول اوروبا في مواجهة التنظيم بجانب انشغال أجهزة الامن بمكافحة فيروس كورونا وهو ما اعتبره داعش فرصة لقيام عناصر التنظيم بالعديد من العمليات الارهابية بدول اوروبا وقد ضرب التنظيم مثالا بالعمليات الارهابية التي نفذها في باريس ولندن وبروكسل، هذه الرسالة تعتبر اكثر الرسائل تحريضا ووضوحا من قبل داعش لعناصره للقيام بعمليات ارهابية ضد دول معينة في توقيت محدد مستغلا انشغال دول العالم بمكافحة كورونا وهو ما يرفع من درجة خطورة قيام داعش بعمليات إرهابية خلال الفترة الجارية والقادمة وخصوصا بدول اوروبا.

في النهاية سينعكس تاثير انتشار فيروس كورونا المستجد علي البنية التنظيمية لداعش من حيث ضعف بعض نقاط ارتكاز وتمركز التنظيم بالاقليم وهو ما سيؤثر بشكل كبير علي قدرات التنظيم العملياتية ولكن علي المستوي الآخر يمكن لداعش الاستفادة من انتشار فيروس كورونا المستجد من حيث استقطاب عناصر جديدة للتنظيم نتيجة ميول بعض الشعوب في المنطقة للخطاب الديني لحظة الازمات وهو ما يمكن ان يفيد التنظيم وخصوصا ببعض نقاط الارتكاز بمنطقة الساحل والصحراء الافريقية.، وهو ما يجعل من طرح عبارة ان (داعش ما قبل كورونا سيختلف عن داعش ما بعد كورونا) أمرا صحيحا في الكثير من الجوانب وهو ما يمكن تحليله وملاحظته خلال الفترة المقبلة.

 

الوسوم

أحمد كامل البحيري

مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: