ثقافة

ثقافة الطعام الصيني

تتمتع ثقافة الطعام بمكانة خاصة فى تاريخ الحضارة الصينية، فهى جزء أساسى من تكوين الثقافة الصينية الأصيلة، ولها تأثيرها الواضح فى تاريخ تطور الثقافة الصينية. وقد أولى حكماء وفلاسفة الصين العظام وعلى رأسهم كونفوشيوس اهتماما بالغا بهذا الجانب من الثقافة الصينية، فاحتوى كتاب «محاورات كونفوشيوس» على العديد من التعاليم والآداب الخاصة بالطعام والشراب ودروها في حياة الناس. 

في كتاب «ثقافة الطعام الصيني» للبرفيسور «شييه دينغ يوان» أستاذ علوم الأغذية بجامعة وسط الصين للزراعة، يشير المترجم حسانين فهمي إلى  تميز ثقافة الطعام الصيني بمجموعة من العادات والتقاليد والآداب التي تعكس عادات وتقاليد الشعب الصيني الكبير والأقليات الصينية الست والخمسين. وقد حظى موضوع ثقافة الطعام الصيني بإهتمام كبير من قبل المفكرين والساسة والمثقفين على مر العصور، وذلك لما له من أهمية وتأثير واضح في حياة الأمة الصينية، فيذكر صن يات صن «1866-1925» مؤسس جمهورية الصين الوطنية فى كتابه «إستراتيجية بناء الدولة»: «إذا نظرنا إلى تقدم الحضارة الصينية فى العصر الحديث، نجد أن جميع الجوانب تبدو متخلفة عن ركب التقدم، فيما عدا الأطعمة الصينية التى لا تزال تشهد إنتشارًا فى مختلف دول العالم، فالأطعمة الصينية تتفوق على نظيرتها فى أوروبا وأمريكا، وكذلك طرق الطهى الصينية التى تتفوق على طرق الطهى فى أفريقيا وأوروبا وأمريكا… إن فن الطهى الصينى يضرب بجذوره فى أعماق تاريخ الحضارة الصينية العريقة». ويرى مؤلف الكتاب أن تطور فن الطهى بإعتباره مكونًا مهما من مكونات ثقافة الطعام والتقدم الكبير الذى شهدته ثقافة الطعام، كان وثيق الصلة بالتطور الإقتصادى والثقافى الذى حققته الأمة الصينية، كما أن ذلك يعد نتيجة واضحة لتقدم المجتمع الصينى. كما قام بتوضيح العديد من سمات ثقافة الطعام الصينى من خلال عقد مقارنات بين الثقافتين الصينية والغربية.

كتاب «ثقافة الطعام الصيني» والمترجم «د. حسانين فهمي»

 يلقى الكتاب الضوء على تاريخ الأطعمة الصينية وخصوصياتها الثقافية على مستوى المناطق الصينية المختلفة وتقسيمات المطبخ الصينى وعادات وثقافة الأطعمة الخاصة بالأعياد والمناسبات الصينية التقليدية، كما يقدم الكتاب لثقافة الأطعمة الخاصة بالمعتقدات المختلفة فى الصين بما فيها البوذية والطاوية والإسلام والمسيحية، وعادات الطعام عند الأقليات الصينية الست والخمسين وتاريخ تطور الأطعمة الصينية. كما يهتم الكتاب بتقديم بعض الجوانب الهامة حول ثقافة الشاى الصينى وأنواعه وطرق وآداب تناوله وغيرها من المجالات التى تتعلق بثقافة المشروبات فى الصين. 

 شهد مجال التبادلات الصينية الأجنبية فى مجال ثقافة الأطعمة ظهور سمات جديدة في السنوات الأخيرة، ففى الوقت الذى فتحت فيه الصين أبوابها أمام ثقافة الأطعمة الأجنبية، فقد عملت على نشر ثقافة الأطعمة الصينية فى مختلف أنحاء العالم، حتى أصبحت الأطعمة الصينية تحظى بشهرة عالمية إستنادًا إلى طرق طهيها وأشكالها واذواقها.

ويشتمل الكتاب بجزأيه الأول والثاني على ثمانية أبواب رئيسة، ويستعرض المؤلف في جزء التمهيد أهم الدراسات المتعلقة بثقافة الطعام الصينى قديماً وحديثاً، والنظريات الرئيسة الخاصة بثقافة الطعام الصينى، بما فيها التداوى بالمأكولات والمشروبات، العناية بالصحة من خلال الطعام، الدعوة إلى الذوق المحلى وآداب الطعام عند كونفوشيوس ومنشيوس، واختيار المكونات الرئيسية للأطعمة، والأدوات والأواني، والتوافق والتباين الثقافى بين مختلف المناطق الصينية وغيرها من السمات المميزة لثقافة الطعام الصينى.

سيرة الطعام في الإبداع الصيني 

يلفت المترجم حسنين فهمي إلى حضور الطعام في الأدب الصيني على مدار تاريخه الطويل، بدء من الأدب الكلاسيكي إلى الأدب المعاصر، وهو ما عبرت عنه أجناس أدبية مثل النثر والقصة والرواية والمسرح، فكانت هناك العديد من الأعمال الأدبية التي وجدنا الطعام محورًا رئيسا لها. ومن أهم الأمثلة على ذلك أدب عصر أسرة تانغ الإمبراطورية «618-907»، والتي عاشت الثقافة الصينية والأدب الصيني خلالها مرحلة ازدهار شهدت انفتاح الصين على مختلف الثقافات والآداب الأجنبية ومن بينها الثقافة العربية. وقدمت موسوعة «دراسات تانغ في القرن العشرين» والتي تتكون من أربعة مجلدات تشمل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في عصر اسرة تانغ، قدم مجلد «الحياة الثقافية» تصويرا لثقافة الطعام في عصر تانغ، وقدم وبشكل تفصيلي لما يتعلق بأهم الأطعمة التقليدية في عصر تانغ خاصة الوجبات الرئيسة وأنواع الحساء المعجنات وغيرها. 

أسرة تانغ الإمبراطورية 

كما تعد رواية «حلم القصور الحمراء» للكاتب تساو شويه تشين من عصر أسرة تشينغ «1636-1912» أحد كلاسيكيات الأدب الصيني القديم، من أبرز الأعمال الأدبية التي قدمت وصفا دقيقا للمجتمع الصيني آنذاك وعاداته وتقاليده بما فيها عادات المأكل والمشرب والمسكن الخ. 

 ومن أبرز الأمثلة في فترة الأدب الحديث هناك رواية «الذواقة» للكاتب الصيني المعاصر لو وين فو«1928-2005»، والتي لاقت على إشادات واسعة من النقاد فور صدورها عام 1983، وذلك بسبب براعة الكاتب الفنية إلى جانب نجاحها في تصوير ثقافة الطعام والشراب في مدينة سوجوو جنوب الصين المشهورة بمطبخها الغني بالكثير من الأطعمة التقليدية والمقاهي المنتشرة في أرجاء المدينة، والتي كان لها تأثيرها الواضح في العديد من أعمال الكاتب لو وين فو وغيره من الكتاب الذين ينتمون لسوجوو المعروفة أيضًا بطبيعتها الخلابة، والتي تعبر عنها مقولة «الجنة في السماء، وسوجوو وخانغجوو على الأرض». وقد كان لرواية «الذواقة» للكاتب لو وين فو دورها الكبير في تعرف الكثير من القراء من داخل وخارج الصين «من خلال ترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية ومن بينها العربية» على ثقافة الطعام والشرب الثرية بسوجوو وعلى مطبخ سوجوو الغني بالأطباق المتنوعة التي صورها الكاتب بأسلوب بديع انطلاقا من خبراته الشخصية وإلمامه بثقافة وعادات وتقاليد أهل سوجوو، الأمر الذي جعل الطهاة في مختلف مطاعم المدينة يخشون تقديم أطباقهم للذواقة لو وين فو.

وهو ما عبرت عنه أيضًا أعمال الروائي مويان، والتي نجد بها احتفاء واضح بالطعام والشراب وأسماء الأطعمة التقليدية بمقاطعة شاندونغ مسقط رأس الكاتب، بالإضافة إلى رؤيته للجوع  وتأثيره في مصائر أعداد كبيرة من أهل شمال شرق الصين، وهو القائل في محاضرة له بعنوان «الجوع والوحدة في تجربتي الإبداعية» ألقاها بجامعة ستانفورد مارس 2000 «الجوع الذي عانيت منه لفترة طويلة جعلني أدرك أهمية الطعام بالنسبة للإنسان، وأن المجد والإنجازات والمُثل والحب جميعها أشياء تأتي بعد أن تمتلئ المعدة. فقد كان الغذاء سبباً في أن أذوق مرارة الذل والمهانة وأن يعاملني بعضهم معاملة الكلاب، وهو نفسه الذي دفعني إلى عالم الإبداع». فصورت أعمال مويان جوانب عديدة من ثقافة الطعام والشراب في ريف شمال شرق الصين، وأتاحت للقارئ فرصة التعرف على الكثير من أسماء المحاصيل والأطعمة والمشروبات التقليدية في شاندونغ، وهو ما برز أيضًا في عناوين عدد من أعماله القصصية والروائية ومن أهمها «الذرة الرفيعة الحمراء»، «الصبي سارق الفجل»، «جمهورية النبيذ»، «الحبوب» وغيرها. وهناك الصراع على الحصول على الطعام الذي أدى إلى الانتحار في رواية «الحلم والأوباش». 

 لم تخل إبداعات الكثير من أبناء الأقليات الصينية من احتفاء بالطعام الصيني والأطعمة التقليدية التي تتميز بها الأقليات الصينية على أختلاف معتقداتها وعاداتها وتقاليدها. من بينها أدب منطقة التبت، وهو ما صورته الكثير من الأعمال الأدبية لكتاب التبت وعلى رأسهم الروائي المعاصر آلاي (1959). وأعمال الكاتبة المعاصرة ييه قوانغ تشين (1948) التي تنتمي لأقلية مان، والتي أحتفت في أعمالها بعادات الطعام والشراب لأبناء أقلية مان التي يعيش عدد كبير من أبناءها في العاصمة الصينية بكين، من خلال نجاحها في الربط بين الصفات الشخصية لأبطال أعمالها ومصائرهم بالطعام والشراب ودوره في حياتهم، مثل روايتي «ذكريات حساء البازلاء» و«قطف التوت» وغيرها من الأعمال.

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: