منوعات

البقلي.. الطبيب الذي هزم «الكوليرا» في مصر وقتله الأحباش في «جراع»

في الوقت الذي يخضع فيه أكثر من مليار إنسان في دول العالم المختلفة  للحجر المنزلي، كإجراء احترازي للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، تخوض الأطقم الطبية مواجهة عنيفة لتطبيب المصابين والتخفيف عنهم.

يقف الأطباء ومساعدوهم على خط الدفاع الأول في الحرب ضد هذا العدو المجهول الذي أصاب أكثر من مليون شخص في العالم وقتل عشرات الآلاف، ولم تصل معامل الأبحاث إلى لقاح أو علاج له حتى هذه اللحظة.

في مصر كما في دول العالم، قدم أفراد «الجيش الأبيض» خلال الأسابيع الماضية تضحيات كبرى على جبهة مواجهة «كوفيد 19»، وأصيب منهم العشرات بالعدوى نتيجة مخالطة المصابين في المستشفيات والمعازل الصحية، وقدم أحد قادة الكتيبة البيضاء وهو الدكتور أحمد اللواح أستاذ ورئيس قسم التحاليل بجامعة الأزهر روحه قبل أيام ليصبح أول شهداء مواجهة «كوفيد 19» في مصر.

الدكتور أحمد اللواح

رواد الطب الحديث

تكريما لأفراد «الجيش الأبيض»، يواصل «أصوات أونلاين»، عرض سير رواد الطب الحديث في مصر، والذين كان لهم الفضل في وضع قواعد المنظومة الصحية الحديثة التي واجهت خلال القرنين السابقين موجات عديدة من الأوبئة والأمراض.

في مقال سابق عرض «أصوات أونلاين» سيرة الطبيب الفرنسي كلوت بك الذي استقدمه محمد علي باشا حاكم مصر لتطبيب جيشه، فأقنعه بتأسيس أول مدرسة للطب الحديث في أبي زعبل، والتي انتقلت بعد سنوات إلى «قصر العيني» فكانت حجر أساس منظومة الطب الحديث في مصر. في السطور القادمة نعرض سيرة أنجب تلاميذ كلوت بك، وهو الدكتور الجراح أحمد البقلي رئيس مدرسة الطب قبل نحو قرنين، والذي شق طريقه حتى صار أعظم جراحي الشرق، وحاز النيشان المجيدي بعد مواجهته لوباء الكوليرا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وختم حياته بـ«الشهادة» خلال الحملة العسكرية المصرية لتأمين منابع النيل في هضبة الحبشة في عهد إسماعيل باشا.

بعد رحيل كلوت بك وعودته إلى فرنسا، تولى الدكتور محمد علي البقلي، الإشراف على مدرسة طب قصر العيني، وأصبح كبير أطباء وجراحي المستشفى، ووضع عددا من المؤلفات في مجالات الجراحة والمصطلحات الطبية والتشريعات الصحية رفعته إلى مرتبة المرجع في مجال التشريح والجراحة بمصر والشرق.

البقلي في «رحيق العمر»

في كتابه «رحيق العمر» الذي سجل فيه الدكتور جلال أمين سيرته الذاتية، مر على صفحات من حياة جده الأعلى من ناحية أمه الدكتور محمد علي البقلي، واصفا تلك الصفحات بـ«المذهلة من أكثر من وجه.. إذ تعطي صورة مشرفة للغاية عن بعض ما كان يجري في مصر في القرن التاسع عشر، ولما يمكن أن ينجزه فلاح مصري ذكي لو أعطي الفرصة للتعلم والتقدم».

وقبل أن يبدأ أمين في سرد ما حصل عليه من معلومات عن جده الأعلى الدكتور البقلي، يروي كيف وصلته تلك الصفحات وكيف اكتشف أن البقلي باشا الحكيم هو جد أمه، ويقول: أثناء إقامة أخي حسين بالبرازيل حيث كان يعمل قنصلا عاما لمصر هناك، وجد في مكتبة القنصلية كتبا قديمة في التاريخ المصري، تصفح أحدها فإذا به يجد كلاما مشرفا للغاية عن شخص يدعى محمد على باشا البقلي، وقد أعطاني حسين بعد رجوعه من البرازيل ورقة سماها «شجرة العائلة» من ناحية أمي، تبدأ بشخص يدعى محمد جويلي البقلي ولد حوالي عام 1758، وُلد له على الفقيه الجويلي حوالي 1784، وهو والد محمد علي باشا البقلي الطبيب الجراح الذي كانت أمي تتكلم عنه كثيرا «1814-1877» والذي ولد له بدوره طبيب جراح أحمد حمدي وهو والد عبد الوهاب فهمي والد أمي زينب عبد الوهاب فهمي.

جلال أمين يكتشف جده الأعلى

أعطى حسين أمين لشقيقه جلال صورا فوتوغرافية لثلاث صفحات من الكتاب الذي سرد تاريخ جدهما الأعلى محمد علي باشا البقلي، والمعلومات التي وردت بتلك الصفحات لم تختلف كثيرا عما دونه المؤرخ والصحفي جرجي زيدان عن البقلي في كتابه «تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر»، وما أورده المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه «عصر محمد علي»، ويبدو أن المصدر الرئيسي لهؤلاء جميعا هو الجزء الثاني عشر من كتاب علي باشا مبارك «الخطط التوفيقية» الذي نشر في العقد الثامن من القرن التاسع عشر، والذي كان سابقا على غيره من المصادر، فضلا عن أن مؤلفه عاصر البقلي واقترب منه خلال عملهما في خدمة الحكومة والأسرة العلوية.

ينقل أمين ما جاء في تلك الصفحات فيقول أن: «محمد علي باشا الحكيم، هو السيد محمد علي بن السيد علي الفقيه، ولد في زاوية البقلي، في سنة 1228 ه الموافق 1814 م، ونشأ بها وترعرع فأدخله أهله كتابا في تلك البلدة، تعلم فيه مبادئ الكتابة وقرأ القرآن، فلما بلغ التاسعة من سنه جاء به أحمد أفندي البقلي إلى القاهرة، وأدخله مدرسة أبي زعبل التي كان بناها  محمد علي باشا الكبير في قرية أبي زعبل، وفيها مكتب ديواني، فمكث فيه ثلاث سنين أتم فيها قراءة القرآن وتلقي بعض العلوم اللغوية، ثم نُقل إلى المدرسة التجهيزية فمكث فيها أيضًا ثلاث سنين، فأظهر من الذكاء والاجتهاد ما حبَّب فيه أساتذته؛ لأنه كان ممتازًا عن سائر أبناء صفه، راغبًا في العلم، فنقلوه إلى مدرسة الطب، وكانت تحت إدارة المرحوم كلوت بك ففاق أقرانه وظهرت فيه النجابة ومحبة العلم، حتى إذا صدر أمر محمد علي باشا بإرسال نخبة من تلاميذ تلك المدرسة إلى باريس للتبحر في العلوم الطبية، كان البقلي في جملة المنتخبين وعددهم أثنا عشر شابا، وقد أتموا الفنون الطبية وفيهم من نال رتبة اليوزباشية».

كانت المنحة الشهرية التي يحصل عليها البقلي من الحكومة إبان دراسته في باريس مائة وخمسين قرشا، ولأنه كان بارا بأهله وبوالدته التي أصرت على تعليمه فأوصى لها بخمسين قرشا منها، وأبقى لنفسه مائة.

دخل البقلي مدرسة باريس الطبية وبذل غاية جهده في تحصيل علومها فنال حظا وافرا من سائر علوم الطب والجراحة، وشهد له أساتذته بالامتياز على سائر رفاقه مع أنه كان أصغرهم سنًّا، وما زالوا في تلك المدرسة حتى أتموا دروسهم وقدموا امتحاناتهم الشفاهية، ولم يبقَ عليهم إلا الامتحان الخطي، وهو عبارة عن تأليف رسالة في الطب يقترحها عليهم الأساتذة، فوردت لهم الأوامر بالعودة إلى مصر، فعادوا فإذا بذلك الأمر قد صدر لهم سهوًا بغير علم الباشا، فأمر بعودتهم إلى باريس لإتمام الامتحان ونيل الشهادة الطبية، فعادوا إليها فامتحنوهم تحريريا، وقدم البقلي رسالة طبية في الرمد الصديدي المصري، وقعت وقعًا حسنًا لدى أساتذته، فمنحوه الشهادة وعاد إلى مصر سنة 1837م، وكانت شهرته قد سبقته إليها، فعين حال وصوله باش جراح وأستاذا للعمليات الجراحية والتشريح الجراحي، وأنعم عليه محمد علي باشا برتبة «صاغ قول أغاسي، ولم تمضي بعد ذلك مدة حتى نال رتبة «البكباشي».

محمد علي باشا

إبعاد البقلي إلى ثمن قيسون

وفي ولاية عباس باشا الأول حصلت بين البقلي وبين بعض أطباء المستشفى الأوربي منافسة، فأُمر بنقله إلى ثمن قيسون من أثمان القاهرة ليتولى التطبيب فيه على نفقة الحكومة، ولذيوع صيته تحول المرضى من مستشفى «قصر العيني» إلى «ثمن قيسون»، وزادت شهرته بالفنون الطبية لاسيما الجراحة، ولبث يطبب في ذلك الثمن خمس سنوات متوالية، فأُنعم عليه برتبة قائمقام، وعين رئيسا لأطباء الآليات السعيدية، فلم يلبث في منصبه هذا الإ قليلا، واعتزل المناصب ولزم منزله.

وفي عهد سعيد باشا، عين البقلي بعد ذلك رئيسا لجراحي قصر العيني وأستاذا للجراحة ووكيلا للمستشفى والمدرسة الطبية، فقام بعمله خير قيام، وأُنعم عليه برتبة أميرالاي، قربه سعيد باشا  منه وجعله طبيبه الخاص، وألحقه بمعيته مع بقائه في مناصبه المشار إليها، ثم أنعم عليه برتبة «المتمايز».

سعيد باشا

وفي عام 1875 م، انقطع  البقلي عن العمل ولزم بيته ولم يعلم أحد السبب في ذلك، فلما كانت الحرب بين مصر والحبشة، أصدر الخديوي إسماعيل أمرا بأن يصاحب البقلي الحملة العسكرية المصرية لتأمين منابع النيل في هضبة الحبشة برفقة الأمير حسن باشا نجل الخديوي، وأدى هناك أجل الخدمات، ثم عاجلته المنية ودفن هناك سنة 1293 هـ الموافقة سنة 1877، ولم يعلم أحد ضريحه.

الخديوي إسماعيل

تضاربت الأقوال عن قبر البقلي، بحسب ما ذكر أمين في «رحيق العمر»: منها ما رواه حضرة مصطفى أفندي صبري قمندان حملة طوكر إذا قال «بلغني من بعض الأحباش أن المرحوم محمد علي باشا البقلي قد أقيم له قبر ببلدة جراع بين عدوى وأسمرة إلا أنه أقرب إلى هذه من تلك، وشيدت فوق القبر قبة عظيمة يزوره فيها الأحباش على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم تعظيما له وتخليدا لذكراه».

نهاية درامية في جراع

ومما يذكره الأستاذ جمال بدوي في كتابه «مصر من نافذة التاريخ» عن وفاة البقلي في الحبشة أنه عندما هجم الأحباش على معسكر الجيش المصري، أعملوا في أفراده الذبح، وأسروا ما تبقى منهم وأذاقوهم أشد ألوان العذاب والهوان حتى أنهم يقولون إن من إجرام اﻷحباش أنهم كانوا يقومون بإخصاء الأسرى قبل تسليمهم.

كان «البقلي» الشيخ الكبير واحدا من هؤلاء اﻷسرى، بحسب رواية جمال بدوي، «من حظ الطبيب المصري السيئ أنه أسر في كلبش واحد مع جندي سوداني صغير السن وقادهما الجنود الأحباش مع باقي الأسرى إلى معسكر على مسافة بعيدة وأمروهم بالهرولة وهذا ما لم يقدر عليه البقلي باشا ذو الخامسة و الستين عاما».

ويضيف بدوي: «بسبب بطء خطى البقلي كانت يتعرض الجندي السوداني لأشد ألوان العذاب فأمره جندي حبشي بقتله للتخلص من بطئه وبالفعل انصاع الجندي السوداني ﻷوامر الجندي الحبشي وقتل البقلي باشا و مما يحزن و يدمي القلب أنه تُرك جثة هامدة في العراء، و أُعلنت وفاته في العام 1876».

ترك البقلي حائز النيشان المجيدي من الرتبة الثانية- مكافأة له على جهاده في مقاومة الكوليرا التي عرفت بـ«الهواء الأصفر» سنة 1865- في الطب مؤلفات خمسة منها كتاب في العمليات الجراحية الكبرى سماه «غاية الفلاح في فن الجراح» طبعة سنة 1864 في جزأين، وكتاب «غرر النجاح في أعمال الجراح» في مجلدين طبع سنة 1846م، وكتاب «روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى» طبعة سنة 1843 م، وله كتب أخرى غيرها لم تطبع أو لم يتم تأليفها.

أصدر البقلي أول مجلة طبية باللغة العربية، وكانت تصدر شهريا منذ عام 1865م باسم «اليعسوب»، وكان يساعده في تحريرها الشيخ إبراهيم الدسوقي مصحح المطبعة الأميرية، كما باشر تأليف كتاب «قانون في الطب»، و«قانون في الألفاظ الشرعية»، و«المصطلحات السياسية» لكنه لم يتمها.

وبالعودة إلى «رحيق العمر» يشير جلال أمين في كتابه أنه حصل على معلومات إضافية عن جده الأكبر من كتاب وقع عليه بالصدفة البحتة أصدرته الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2005، بعنوان «الزمالك: تطورات حياة صفوة اجتماعية في مدينة القاهرة» تأليف السيدة شفيقة سليمان حمامصي.

ويقول أمين أن الجد الأعلى للسيدة شفيقة مؤلفة هذا الكتاب، تصادف أنه كان تلميذا مقربا من محمد علي البقلي، وهو ما دفعها إلى البحث في تاريخ هذا الرجل وتضمينه كتابها، «فإذا بها تعطيني مادة إضافية عن جدي الأعلى».

«لم يأت في كتاب السيدة شفيقة حمامصي أي شيء يتعارض مع ما ذكرته عن تاريخ البقلي، كما تضمن كثيرا من المعلومات التي ذكرتها، ولكن جاء في هذا الكتاب، معلومات إضافية وملاحظات شيقة منها ما تذكره عن المنافسة التي جرت بينه وبين بعض أطباء المستشفى الفرنسي.. والتي أدت إلى نقله إلى مستشفى أصغر» يضيف أمين.

«كان النقل بسبب مشاجرة عنيفة بينه وبين زميل فرنسي، وأنه على الرغم مما أصابه من خيبة أمل شديدة، كان يشعر بالفخر لتمسكه بموقفه، فبعد سنوات كثيرة من هذا الحادث قال لزميل أصغر منه: لا تدع الخوف أبدا يمنعك من الكلام، عندما يكون معك الحق، وعندما يكون رأيك مبنيا على دليل علمي، ولا تظن أبدا أن عقلك من نوع أقل من عقل الخواجة، على الرغم من أنهم يحبون أن نعتقد ذلك حتى يتمكنوا من السيطرة علينا».

رحم الله الدكتور محمد علي البقلي الحكيم، أحد أئمة الطب الحديث في مصر.

المراجع:

«رحيق العمر» الدكتور جلال أمين- دار الشروق 2009

«مصر من نافذة التاريخ» الأستاذ جمال بدوي – دار الشروق 1998

«تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر» الجزء الثاني- الأستاذ جرجي زيدان- دار المحرر الأدبي – 1910

«الخطط التوفيقية» علي باشا مبارك – الطبعة الكبرى الأميرية- 1888

اقرأ أيضا:

كلوت بك ومحمد علي باشا.. وتأسيس «جيش مصر الأبيض»

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اسعد دائما بقراءة موضوعاتك الرائعة وكأنها درر تحتاج إلى غواص ماهر ليحصلها من بحر الظلمات الذى نعيش فيه ويعطيها عن طيب خاطر.

إغلاق