منوعات

إسنا تحقق أعلي نسبة شفاء من كورونا في مصر (1-2)

«أصوات أون لاين» يرصد بطولات ومعاناة مستشفي الحجر الصحي

   كي نصل إلى قبلتنا لنرصد صورة حية واضحة المعالم، لما يدور هناك في أقاصي الجنوب على ضفة النيل الغربية، حيث يقع مستشفى «الحجر الصحي» في مدينة إسنا، كان علينا أن نمضي في طريق طويل بطول آلاف السنين، حيث أقدم مجتمع زراعي على وجه الأرض منذ 18 ألف سنة أي قبل معجزة بناء الأهرامات بأحد عشر ألف عام، في مدينة ما زالت حتى الآن تحمل الكثير من إسمها المصري القديم، من نبتها خرج مينا «نارمر» موحد مصر،  هي عاصمة الإقليم الثالث لدولة مصر القديمة. 

   مدينة فتنت ابن بطوطة وغيره من الرحالة والمؤرخين، ففي الوقت الذي يصف فيه الرحالة «ابن بطوطة» ما حولها من مدن ببضع كلمات إلا أنه يسهب في وصف هذه المدينة فيقول عنها وعن ما يحيط بها «الأقصر هي صغيرة حسنة، وبها قبر الصالح العابد أبي الحجاج الأقصري. وعليه زاوية، وسافرت منها إلى مدينة أرمنت» وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الراء وميم مفتوحة ونون ساكنة وتاء فوقية، وهي صغيرة ذات بساتين مبنية على ساحل النيل. أضافني قاضيها، وأنسيت اسمه. ثم سافرت منها إلى مدينة أسنا «وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان السين المهمل ونون»، مدينة عظيمة متسعة الشوارع ضخمة المنافع كثيرة الزوايا والمدارس والجوامع، لها أسواق حسان، وبساتين ذات أفنان. قاضيها قاضي القضاة شهاب الدين بن مسكين. أضافني وأكرمني، وكتب إلى نوابه بإكرامي. وبها من الفضلاء الشيخ صالح نور الدين علي، والشيخ الصالح عبد الواحد المكناسي، وهو على هذا العهد صاحب زاوية بقوص.

ابن بطوطة

إسنا القديمة.. وما حل بها

   وأنت تسير في شوارع هذه المدينة كي تصل إلى بغيتك مستشفى «الحجر الصحي» لمصابي وباء الكورونا، لن تجد إلا القليل من الصدى لتلك المدينة القديمة التي تغنى بها المؤرخون، مهمشة هي الآن عشوائية شوارعها، تظن أنك قد أخطأت العنوان في البدء؛ لكن ما زالت هناك شواهد تؤكد أنك لم تخطئ الدرب، حيث ترى أمامك واحدة من أندر المآذن في مصر يتجاوز عمرها الألف عام للمسجد العمري الذي عرف بأزهر الصعيد لكثرة الطلاب والعلماء به، وعلى بعد مائة متر منه يلفت انتباهك معبد بديع الصنع شديد البهاء يعرفه الأهالي باسم «البربة» معبد الإله «خنوم» وإذا أكملت المسير تجد زاوية «الفلاحين الثلاثة» شاهدة على أبشع المذابح التي ارتكبها الرومانيون في حق هذه المدينة إبان اضطهادهم للمسيحية، حيث قام «أريانوس» الوالي الروماني بقتل 160 ألف مسيحي وفي رواية أخرى 300 ألفا لأنهم رفضوا التبخير والسجود للأصنام، ومن بعد هذه الواقعة عرفت إسنا بمدينة «الشهداء»، وما إن تواصل السير على النيل حتى تجد قناطر إسنا التي بنيت عام 1906، ثم خزان إسنا الجديد الذي أُنشىءعام 1992، ثم يلوح أمامك في الأفق مبنى حديث، افتتحته وزيرة الصحة الحالية «هالة زايد» في بداية العام الجاري، مكون من ستة طوابق، كي يكون بديلًا عن مستشفاها المركزي القديم، هذا المشفى استقبله أهالي إسنا بغصب وضيق، لسبب بسيط وهو أن المستشفى الجديد تخصصي، ولا طاقة لأهالي هذه المدينة على العلاج به لأسعاره المرتفعة، وحيث أشار الإحصاء الرسمي إلى أن 50% من سكان أسنا يرزحون تحت خط الفقر، فيما يمثل سكان المدينة الكبيرة نحو 50% من سكان محافظة الأقصر ككل بسبعمائة ألف نسمة.

معبد الإله «خنوم»

شكاوي الصعيدي الفصيح

    ما إن يعلم الأهالي هنا أنك صحافي، وأن قبلتك إلى المستشفى الجديد «الحجر الصحي» حتى يطلبوا منك أن تكتب عن معاناتهم، المتمثلة في عدم وجود مستشفى مجاني بعد إغلاق المستشفى المركزي بها، واعتبار المستشفى الجديد مستشفى دوليا، مما يضطرهم إلى الذهاب إلى مستشفيات المدن الأخرى مثل مدينة ادفو، وهناك قد يسمعون بعض الكلمات الجارحة بأن مستشفيات مدينتهم أولى بهم، تسمع إلى تلك الحكايات والعديد من المآسي التي سببها إغلاق المشفى القديم الذي لم يكن أصلا يفي بحاجة سكان المدينة، تعدهم بأنك ستكتب عن مشكلتهم؛ لكن ما قدمت إليه اليوم فقط هو رؤية ما يدور داخل مستشفى الحجر، فلا صوت يعلو اليوم فوق صوت جائحة الكورونا، من بعيد يشير إليك أحدهم إلى المبني ثم يولي ظهره عائدًا، آخر يقول «يا أستاذ لم يكن من المفترض أن يضعوا مستشفى الحجر بالقرب من منطقة سكنية كانوا بنوا لهم مستشفى مخصوص في الصحراء»، تهز رأسك مؤيدًا، وتنظر إلى هذا المبنى الذي يحوي «الغول» الذي أرعب العالم، وسجن الجميع في بيوتهم، وجعل أرباب الاقتصاد يضربون الأخماس في الأسداس، تمضي إلى الأمام محاولًا إعادة النظر فيما قاله لك الأهالي وحالة عدم الرضا لتخصيص المشفى الجديد للحجر الصحي، خاصة وأنه المستشفى الوحيد الذي يخدم أكثر من سبعمائة ألف نسمة بعد قرار الوزيرة «هالة زايد» بإغلاق مستشفيات الرمد والحميات والصدر وضمها جميعًا إلى المستشفى الجديد. 

وزيرة الصحة «هالة زايد»

14 مارس

   البداية في الساعة 12.43 من صباح يوم 14 مارس 2020، حيث مرت سيارتا إسعاف مؤمنتان بسيارات شرطة وقوات أمن مركزي من أمام منزل المحامي «أبو أحمد» القريب مستشفى الحجر الصحي، أدرك الأهالي على الفور أن ما كان يتردد من أخبار حول تخصيص المستشفى للمصابين بالكورونا ليس بالشائعات، انتفض المحامي وقام بسرعة من علي «الدكة» التي كان يجلس عليها و يرى نهر النيل وهو يجري أمامه، وأغلق أبواب بيته وكل النوافذ به، ليحتضن أبناءه الأربعة الصغار ويقول لزوجته «علينا أن نغادر سكننا فورًا» تسأله عن السبب وإلى أين نترك بيتنا ونذهب فيقول لها «نحن على بعد أمتار فقط من المستشفى، لن نتحمل حرقة الأعصاب تلك وسيارات الإسعاف لن تتوقف صفاراتها المزعجة التي تذكرنا بالرعب المستقر على بعد أمتار منا»، ترفض الزوجة اقتراح زوجها، مؤمنة بقوله تعالى «لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا»، ليس هذا  هو حال «أبو أحمد» فقط بل حال الكثير من الأسر التي تقطن بالقرب من المشفى، منهم من غادر بالفعل ومنهم بقى. فمن يتحمل أن يكون الشبح الذي شغل الدنيا ووسائل الإعلام  قريبا منه…

دموع طبيبة

داخل مستشفى الحجر انسالت الدموع باردة على وجه الطبيبة ابنة محافظة الإسكندرية الغريبة عن المدينة وأهلها فور أن سرت الأنباء بقرب قدوم حالتين مصابتين بالجائحة، التي أتت من الصين إليها خصيصًا في إسنا، كانت الطبيبة الشابة تضحك مع زملائها حين تسمع عن الكورونا، ولا تخشى منها شيئًا؛ ولما جد الجد، وجدت الدموع تنهال دون إرادة منها، تذكرت غربتها وبحر الإسكندرية، وأنها ستعيش مع الموت لمدة 14 يوما على الأقل… من حولها من أطباء وفننين سيغادرون المشفى من باب الطوارئ وهم يضحكون، وسيجلسون على المقهى المقابل للمستشفى، ينتظرون أن تتأكد الحقائق، وكي يستجمعوا رباطة جأشهم ومن ثم يعودون إلى داخل المشفى كي يقوموا بالعمل المنوط بهم القيام به.

خوف البدايات

   حين دقت الساعة الحادية عشر والنصف تجمع الأطباء في أحد الأدوار العليا من المشفى، لمناقشة ما عليهم فعله، بدا على وجوههم القلق والخوف من العدو المجهول، الذي لا مناص لهم من مواجهته، يرتبون الأدوار بينهم وطرق الوقاية أمور يسألون من سيتقدم لاستقبال الحالات القادمة، لحظة من الصمت والترقب، لحظة لا تسمع فيه إلا صوت الصمت من الجميع، ولن يكسره سوى صوت طبيب جراحة التجميل، قائلًا بصوت جهوري يسمعه الجميع لا رجفة فيه «أنا من سيستقبلهم»، فيحمد الآخرون ربهم، وكأنهم نجوا من حبل الإعدام حتى ولو لدقائق معدودة، المهم ألا تكون ضربة البداية معهم. في الساعة 12:45 من صباح يوم 14 مارس تصل سيارة الإسعاف مع قوات الأمن إلى مدخل باب الطوارىء لحالتين مصابتين كانتا مخالطتين للسياح في مدينتي الأقصر وأسوان، يطلب طبيب التجميل أن يفتح باب الطوارئ كي تدخل سيارة الإسعاف الأولى، وما إن دخلت الحالة المصابة حتى مر الطبيب على شريط حياته لحظة بلحظة، يحاول أن يبتسم لطمأنة الحالة التي أمامه، وسرعان ما سيدرك أن ابتسامته لن تصل إليه، هو يرتدي ملابس ثقيلة تخفي وجهه، وجسده، بذلة العزل صفراء اللون، والقفازات، وغطاء الرأس، والقناع الواقي – والنظارة – جاون معقم. إنها الحرب، تنزل قطرات العرق على وجه الطبيب لا يستطيع أن يمسحها، يتحدث مع المريض بكلمات يجتهد بكل السبل أن تكون واضحة «لا تخف، نحن معك، نحن في خدمتك، لا تقلق، سنكون معك لحظة بلحظة حتى تخرج من هنا سالمُا فهذا مجرد دور برد عادي فلا تسمح للأوهام بأن تسيطر عليك» يطمئن بهذا الكلام نفسه قبل المريض، وبه يبعث برسالة قوية لمن معه، يطلب من الممرضتين أن تدفعا السرير حتى غرفة التحاليل، هناك يستقبلهم خمسة فننين تحاليل لسحب العينات، ثم يعود لاستقبال الحالة الثانية، الطبيبة التي بكت ستكون حاضرة بصورة غير صورتها الأولى وستشارك الفنيين في عمل الآشعة وتحميض الأفلام، وهي تقول «لا شيء خطير هنا، كل الأمور على ما يرام، وسننتصر سويًا على الفيروس الخطير».

الجيش الأبيض.. والزي الأصفر

   داخل هذا المكان لا تستطيع أن تميز بين فرد وآخر، طبيبا كان أم ممرضا أم عامل نظافة الجميع يرتدي الزي نفسه، إنه اللون الأصفر، كأنهم في حرب بيولوجية، الكل سواء لا فرق بين عامل نظافة أو طبيب، تعرف من أمامك فقط من البطاقة التعريفية الموجودة على البذلة، الحالات تزداد يومًا بعد يوم من أجانب ومصريين، وبزيادتهم يزداد الضغط العصبي والنفسي على جميع المتواجدين داخل الحجر، يخيل إليك في كل مرة لامست فيها مريضًا، أو اقتربت منه أن العدوى قد انتقلت إليك وسواس شديد، لا وسيلة للتغلب عليه سوى الإيمان وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. تخشى أن تلمس يداك أي حائط ومقبض للباب، فكرة أن تفتح الباب باليد لا مكان لها هنا، فقط عليك أن تدفعه بقدمك برفق، وأزرار المصعد لا يضغط عليها سوى بالكوع، خوفا من العدوى على نفسك وغيرك من العاملين، طوال اليوم لن يفارق الكحول والجيل المطهر يديك، يتحول أمر التعقيم إلى هوس ينتابك.

أعلى نسبة شفاء

   ليس أمرا غريبًا أن تعرف أن مستشفى الحجر بإسنا الذي نحن فيه الآن به أعلى نسبة شفاء على مستوى جمهورية مصر العربية 116 حالة خرجت منه سالمة بينما من تحولت نتائجهم من إيجابية إلى سلبية 147 مصابًا «حتى السادس من إبريل الجاري» لأن الشعار المرفوع «لا تهاون» في الإجراءات الوقائية والطبية، وهو ما دفع «فرانسيس أمين» ممثل القنصلية الإيطالية في صعيد مصر بتقديم الشكر لهم قائلا «أشكر من كل قلبي بصفتي ممثلا عن القنصلية الإيطالية في صعيد مصر ملائكة الرحمة بمستشفى الحجر الصحى بإسنا، فقد أنقذوا حياة عشر سائحين إيطاليين تجاوزا السبعين من عمرهم، وتعاملوا معهم بكل حب، مثلهم مثل المرضى المصريين، واثبتوا بكل جدارة أن مصر ملجأ لكل من يلوذ بها، دون تفرقة».

«فرانسيس أمين» ممثل القنصلية الإيطالية في صعيد مصر

   في الطابق الخامس ربما يأتيك صوت الدكتور وهبة الله عايش رئيس قسم مكافحة العدوى بمستشفى إسنا وهو ويصيح في أحد العاملين إن رأى تقصيرًا منه في حق نفسه والآخرين في سبل الوقاية التي يحرص أن ينفذها الجميع بحذافيرها دون نقصان، فلا مجال للخطأ أو التهاون هنا في تنفيذ سبل الوقاية، استمع ل «أحمد مهران» مدير الصيانة بالمشفى وهو يقول بصوت ممتن «الدكتور وهبة لا يفرط فينا، يخاف علينا كأبنائه لذا نحبه جميعا هنا ونقدره»… وللحديث بقية عن بطولات ومعاناة مستشفي الحجر الصحي …

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق