منوعات

إسنا تحقق أعلي نسبة شفاء من كورونا في مصر (2-2)

«أصوات أون لاين» يرصد بطولات ومعاناة مستشفي الحجر الصحي

 

   كانت الطبيبة الشابة تضحك مع زملائها حين تسمع عن الكورونا، ولا تخشى منها شيئًا، ولما جد الجد، وجدت الدموع تنهال دون إرادة منها، تذكرت غربتها وتذكرت بحر الإسكندرية. حين دقت الساعة الحادية عشر والنصف تجمع الأطباء في أحد الأدوار العليا من المشفى، لمناقشة ما عليهم فعله… يسألون: من سيتقدم لاستقبال الحالات القادمة، لحظة من الصمت والترقب، لحظة لا تسمع فيه إلا صوت الصمت من الجميع، ولن يكسره سوى صوت طبيب جراحة التجميل، قائلًا بصوت جهوري يسمعه الجميع لا رجفة فيه «أنا من سيستقبلهم». 

بعد عبور «خوف البدايات»، لم يكن غريبا أن تعرف أن مستشفى الحجر بإسنا قد حقق أعلى نسبة شفاء على مستوى جمهورية مصر العربية 116 حالة خرجت منه سالمة بينما من تحولت نتائجهم من إيجابية إلى سلبية 147 مصابًا «حتى السادس من إبريل الجاري»، وهو ما دفع «فرانسيس أمين» ممثل القنصلية الإيطالية في صعيد مصر بتقديم الشكر لهم قائلا «أشكر من كل قلبي بصفتي ممثلا عن القنصلية الإيطالية في صعيد مصر ملائكة الرحمة بمستشفى الحجر الصحى بإسنا، فقد أنقذوا حياة عشر سائحين إيطاليين تجاوزا السبعين من عمرهم»…

مستشفى إسنا التخصصي

المقاتل

   صعودًا وهبوطًا على السلالم وفي طرقات الحجر وفي غرف المرضى لا يكف عن الحركة تراه يدفع بجهاز الآشعة، بين الطوابق الأول والثاني والثالث، لإجراء فحص الأشعة لكل مريض في غرفته، ثم ينزل إلى الطابق الأول لتحميض أفلام الأشعة، إنه فني الأشعة المقاتل محمد بدوي.. سألت «بدوي» ألا تشعر بالتعب من دفع هذا الجهاز وكثرة الصعود والهبوط يقول «أبدًا، وأنت تعمل لا ينتابك هذا الشعور، حتى وإن انتابك للحظة تجد عقلك يردد إن الله قد وضعني في هذا المكان كي أخفف عن هؤلاء المرضى وما يشعرون به من آلام، فيعود إليك نشاطك الأول، فأنت هنا كالمحارب تحمل على عاتقك مصير  وأمل ناس لا حول لها ولا قوة».

يصف «بدوي» الطابق الثاني من الحجر الصحي فيقول: حين تدخل هذا الطابق فكأنك تلقي بنفسك في النار، حيث قسم «العناية المركزة»، فأول مشهد تقع عليه عيناك، التمريض وهم مشغولون برعاية المرضى ومحاولة التخفيف عنهم، الأطباء وهم يتناقشون فيما بينهم لتنفيذ افضل برنامج للعلاج، ترى عامل النظافة وهو يقوم بجمع المخلفات الطبية بكل احترافية، وسط هؤلاء يمضي «بدوي» مقتحمًا الطاقم الطبي وهو يمر بجهاز الأشعة الثقيل حتى يصل إلى هدفه حيث المريض الممدد على سريره، وقبل أن يطلب المساعدة، يجد ممرضة أو عاملا أو طبيبا يهرع إليه لتقديم العون، يكرر فعله هذا مع كل مريض حتى ينتهي من جميع الحالات، وتكون لحظة الخروج من قسم العناية هي الانتصار بعينه، بعد تدفق عشرات السيناريوهات في عقله عن المرض والعدوى، لكنه يكبح كل هذه الأفكار وهو يلقي بعبارات يحاول بها بث الطمأنينة في نفوس من يتعامل معهم مرضى.

الدكتور محمد بدوي

صفارة إنذار

   ما أن ينهي أي من 150 فردًا من الطواقم الطبية والفنية والإدراية المتواجدة في الحجر الطبي مهامه التي لا تنتهي، تجد التعب وقد حل عليهم تعب لم يشعروا به أثناء أداء واجبهم الوطني والإنساني، ينطلقون بتثاقل شديد إلى غرف سكنهم في الطابقين الخامس والسادس، كل يحاول أن يأخذ قسطا من الراحة بعد يوم طويل منهك وساعات نوم غير منتظمة، ربما يمر اليوم ولا يجدون وقتًا يتناولون فيه كامل وجباتهم، وأحيانًا لا تزيد ساعات نومهم عن 4 ساعات. في غرف السكن تجد من يحادث أطفاله عبر تقنيات الفيديو ويطمئن أهله، يحكي لهم عن مجريات يومه بشكل عابر، يطمئن عليهم، ومنهم من يقرأ مثل «محمد بدوي» الذي شرع في قراءة رواية «سلطانة الكوخ» لسارة زهران، بعد أن أنهى قراءة رواية «الأمل السرمدي»، ومعه رواية أخرى تتنظر دورها  «النعيم والجحيم» لجوهر السنباطي، لكن هذه الراحة دومًا مهددة بالخطر وما كان لها أن تدوم، فسرعان ما تسمع صافرات الإنذار ويسمع صوت المذيع الداخلي بالمستشفى وهو ينادي «على فريق الطوارئ الاستعداد لاستقبال الحالات الجديدة»، بهذه الصافرات تكون قد انتهت الخطط التي أعد لها في وقت الراحة، من يفكر في التراخي يتذكر أن هناك حالة يتعلق مصيرها بعد الله على ما يقوم به من رعاية لها مع زملائه، فتجده منتفضًا من مكانه ملبيًا نداء الإنسانية واثقًا بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

لحظات قاسية

   هنا مواقف لا يستطيع أن ينساها أي من الموجودين داخل الحجر، إنها اللحظة الأكثر قسوة على المحيطين، الوجوم يعلو الوجوه لكن لا يراه أحد من تحت الأقنعة، لكن الكل يحس بالشعور نفسه، فأكثر ما يخشاه الـ150 فردًا، المتواجدون أن يكونوا قد قصروا في حق هذا المريض الذي توفي، هذا الشعور لا يسمحون له أن يسيطر على كيانهم يردد أحدهم قائلًا «إنها إرادة الله» فتعود إليهم بهذه الكلمات القليلة رباطة جأشهم رويدًا رويدًا يتذكرون أن هناك آخرين ينتظرون العون منهم، وعليهم أن يقاتلوا حتى آخر رمق، حتى لا يروا هذا المشهد يتكرر مرة أخرى. وبموت حالة لا تكون مهمتهم إزاءها قد انتهت ويكون عليهم أن يجهزوا الحالة وفقًا للإجراءات الصحيحة الصحية، فتجد رئيس مكافحة العدوى الدكتور وهبة عايش يشرف بنفسه على هذه العملية.. مشاهد الموت تلك تجعلهم هنا أكثر حساسية تجاه أى مواقف أو كلمات، أتذكر حين قلت لأحدهم كي أشيد بما يقومون به من مجهودات وتعاونهم وتناغمهم في العمل بشكل لافت ومميز «أنتم مجموعة عظيمة، وفي قمة التناغم، أشعر أنكم أسرة واحدة، بالفعل صدق المثل الذي قال الطيور على أشكالها تقع» كلمة «تقع» تلك أثارت في نفس صديقي الريبة رفضها، قائلا «لماذا تقع، أرجوك اسحب هذه الكلمة وقل الطيور على أشكالها تطير» فاستدركت قائلا «معك حق الطيور مع أشكالها تطير وتحلق وترتفع وتفعل المستحيل».

نحن معكم

وفي مشهد بديع تسيل فيه دموع فرح هؤلاء المقاتلين حين يحل المساء، يتجمع عدد من الأطباء والفنيين والممرضين وفق قواعد السلامة، كي يصنعوا لحظة تعطيهم حماسا لا يوصف، تراهم وهم يمرون على الحالات المصابة، في الطوابق الثلاثة الأولى، نحو 80 غرفة، لا تظهر وجوههم لكن ما في قلوبهم من مشاعر الإنسانية النبيلة يصل إلى قلوب مرضاهم، هي كلمات بسيطة لكنها ترفع المناعة وهي أهم ما يحتاج إليه المريض كي يواجه هذا الوباء، يقولون لهم «اطمئنوا لا تخافوا نحن معكم وسندكم بعد الله عز وجل».

الإذاعة الداخلية

لحظات انكسار وخوف المرضى الداخلين وفزعهم من الوباء الذي سكن خلايا جسدهم، صورة لا تمحى من ذاكرة من يستقبلونهم في الطورئ.. تبدو رؤوسهم منكسة، وحالتهم النفسية في الحضيض، وأول ما على أطباء الطوارئ فعله والمعاونون لهم أن يقوموا بإزالة حالة الرهبة تلك بعبارات الطمأنينة و الثقة بالله. وتلعب الإذاعة الداخلية للمستشفى دورا مهمًا في ضبط الحالة النفسية للمرضى، فمنذ ساعات الصباح الأولى، تبدأ بإذاعة القرآن الكريم، بصوت عبدالباسط عبدالصمد، والطبلاوي، وأبو الوفا الصعيدي، وغيرهم من أساطين القراء المصريين، من السابعة حتى الساعة العاشرة، ومن العاشرة حتى الساعة الثانية عشر، تبدأ التواشيح الدينية والأدعية والابتهالات تارة ياسين التهامي الذي يعشقه أهالي الجنوب، وربما عبدالنبي الرنان أو برين والعجوز، ومنهم إلى ماهر زين، وسامي ويوسف.. وفي الساعة الواحدة يأتيك صوت شادية وهي تغني «يا حبيبتي يا مصر»، وغيرها من الأغاني الوطنية التي تقوي العزيمة، هذه الأغاني بالإذاعة الداخلية تتخللها فقرات كوميدية، منها ما يقوم به «أحمد مهران» مدير الصيانة بمستشفى العزل، بحسه الفكاهي العالي، الذي يرسم البهجة على وجوه المرضى والأطقم الطبية.. صوته في الإذاعة، يحدثهم عن أن ما يعانون منه هو دور برد عادي، يقول لهم مازحا أن المصريين يأكلون «الفول» فكيف لفيروس ضعيف أن يؤثر فيهم، يلقي نكاتاَ وقفشات خفيفة تسري عن الجميع. تستمر بعد ذلك برامج الإذاعة الداخلية، فمن بعد صلاة العصر تأتي الأغاني الرومانسية الهادئة بصوت  أنغام وأصالة، وبعد العشاء تعود مرة أخرى الأغاني الوطنية، ومن بعدها أغاني رومانسية بصوت كوكب الشرق أم كلثوم.

حفلة عيد ميلاد

قضت الظروف بألا تكون الدكتورة «فاطمة كرم» مسئولة لجنة السلامة والصحة المهنية والمسئولة عن اخذ المسحات من المرضي والطاقم الطبي «بين أهلها وأصدقائها كي تحتفل بعيد ميلادها كما اعتادت أن تفعل كل عام، إلا أن هذا العام لا يشبه أي عام مضى، لكنها فوجئت بزملائها في الحجر وقد فاجأوها بإعداد عيد ميلاد لها داخل الحجر، ذلك الحفل الصغير كان له مفعول السحر ليس على الدكتورة فاطمة وحدها وإنما على الجميع الذين توثقت بينهم علائق المودة والمحبة والإخوة، مشكلين مجتمعا إنسانيا فريدا في مواجهة الجائحة بكل السبل الممكنة من دعاء وابتهال، والأخذ بأساليب العلم، ومواجهة الفيروس بالضحك والمحبة، من أجل رفع الروح المعنوية وإزالة  القتامة من أمام أعينهم وهم يواجهون هذا الغول المخيف.

لحظة بكى فيها الجميع

اللحظة التي انهالت فيها الدموع وارتفعت الحماسة والفخر إلى أقصى مدى، ويتذكرها الجميع هنا، حين طلبت إحدى السيدات اللاتي شفين من هذا المرض، أن تتحدث في الإذاعة الداخلية حيث وجهت الشكر بصوت باك كله امتنان للجميع الموجودين في الحجر على حسن رعايتهم لها ولجميع المرضى، عبرت عن سعادتها وأنها لا تجد عبارات الشكر التي يستحقونها على ما قاموا به، شدت على أياديهم ودعت لهم بالنصر والتوفيق والفلاح يقول «أحمد مهران» حين سمعت هذا الصوت حسيت إن روحي بقت في السما، وأن ما نقوم به له قيمة، وأن جهدنا لم يضع هباءً، كان شكرها دفعة قوية لنا لنكمل عملنا بكل همة ونشاط.

حفيدة ميريت بتاح

هكذا يحلو للكثيرين أن يلقبوها بحفيدة «ميريت بتاح» أول طبيبة سنة 2700 قبل الميلاد في عهد الملك زوسر ورئيسة الأطباء قبل 5000 عام في مصر، إنها الدكتورة إلهام محمد استشارية مكافحة العدوي، بالأمانة العامة للمراكز الطيبة المتخصصة صدر قرار تعيينها في منصب مدير مستشفى إسنا التخصصي في نهاية شهر مارس الماضي، كانت قد أتت من القاهرة في مهمة قصيرة لا تتعدى اليومين في مهمة تدريب كوادر مستشفى إسنا التخصصي، على التعامل مع الحالات المصابة بالفيروسات، بعد اكتشاف عدد من الحالات بفيروس كورونا علي الباخرة النيلية بالأقصر، وقبل أن تنتهي فترة التدريب جاءت إلى مستشفى إسنا حالات مصابة بالفيروس، فرفضت أن تغادر المستشفى وأصرت على البقاء، رغم أن هذا لم يكن مطلوبًا منها وليس من المهام المكلفة بها، فساهمت بحالة الانضباط التي فرضتها على المستشفى أن تخرج المجموعة الأولى من الأطباء التي قضت 14 يوما بسلام دون أن يصاب أي أحد منهم بالعدوى، بل وكتب الشفاء للعديد من الحالات التي تجاوزت السبعين والمصابة بأمراض مزمنة، وبعد انقضاء فترة 14 يومًا رفضت أن تغادر المستشفى، مع المجموعة الأولى التي رحلت، وأصرت على البقاء مع المجموعة الثانية تاركة أسرتها في «القاهرة» من أجل نداء الإنسانية والوطنية، تقول إحدى الممرضات: «الدكتورة إلهام شديدة في الشغل لكننا جميعًا نحبها» لا تكف عن الحركة داخل المشفى من أجل رفع الروح المعنوية لكل المرضى ولكل العاملين تذهب إليهم في أقسامهم، تشكرهم واحدًا واحدًا لا تتأخر في تقديم أي عون لهم.

الدكتورة إلهام محمد

الأهالي يشعرون بالفخر

بعد نحو 25 يوميًا من بدء استقبال مستشفى الحجر الصحي بإسنا استقبال الحالات المصابة، تحول الضيق الذي كان يبديه أهالي إسنا من أن يختار المستشفى الوحيد بها، ومدينتهم دون مدن محافظات الصعيد حتى يكون مقرًا لمصابي الكورونا، ناظرين إلى هذا الاختيار على أنه استمرار التهميش وعدم أخذ رأيهم في هذا الأمر الذي يتعلق بأروحهم وأوراح أبناءهم خاصة وأن المشفى في مدينة ومركز به كثافة سكانية مرتفعة وليس بعيدًا عن مساكن الأهلي، تبدل هذا كله إلى حالة من الفخر والسعادة بما ينجزه هؤلاء الأطباء، الذين أصبحوا مثار إعجاب الجميع، ورأوا في أبنائهم آيات الشجاعة والإقدام في مواجهة هذا الوباء الذي يهدد الجميع.

لحظة فرح استثنائية

تتبدل الدنيا أمام عيونهم يرون جمال النيل الذي أمامهم وأشجار النخيل عالية على ضفافه، والطيور تحلق في سماء صافية، يرقصون يغنون، إنها لحظة الانتصار، وكأنهم يرددون مع محمود درويش جداريته وهو يتحدى الموت «هزمتْك يا موتُ الفنون جميعها، هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين، مِسلٌة المصريٌ، مقبرة الفراعنةِ، النقوش علي حجارة معبدي هزمتْك وانتصرتْ، وأفْلتَ من كمائنك، الخلود» فيضيفون إليه: «واليوم يهزمك نضال وشجاعة الطبيب والممرض والفني الطبي المصري يا أيها الوباء اللعين، وأفلت من بين مخالبك هؤلاء الذين تعافوا». إنها تلك لحظة التي ترى فيها تحاليل أحد المرضي قد تحولت من إيجابي إلى سلبي، ففي نجاته نجاتهم وفي شفائه شفائهم وخير تعويض لما بذلوه من جهد وتعب بالغين، يحمدون الله أن مجهودهم لم يذهب سدى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق